عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري

التعاطي الإيراني
الموقف التركي
الصمت الروسي 

شغل استفتاء انفصال إقليم كردستان عن العراق -الذي جرى يوم 25 سبتمبر/أيلول الماضي- الأوساط السياسية والإعلامية الإقليمية والدولية، وتحول إلى أزمة إقليمية ألقت بظلالها على ملفات المنطقة الساخنة، حيث توحدت جهود الدول الإقليمية -وخاصة إيران وتركيا- مع حكومة بغداد لرفض الاستفتاء واعتباره غير قانوني.

واتخذت هذه الدول إجراءات وخطوات سياسية واقتصادية، وصلت إلى حدّ الحصار وإغلاق الحدود والتلويح بعمل عسكري، من أجل ثني حكومة إقليم كردستان والتراجع عن الاستفتاء ومخرجاته.

وتضافرت في هذه القضية عواملُ ضغوطِ الدول الإقليمية والانقسام بين القوى السياسية الكردية داخل الإقليم، إلى جانب رفض الولايات المتحدة ومعها دول غربية لموعد الاستفتاء، ودعوتها إلى الحفاظ على توحيد الصفوف من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والتزام الساسة الروس الصمت مع دعوتهم إلى الحفاظ على وحدة العراق.

وقد أفضى كل ذلك إلى رضوخ رئيس الإقليم المنتهية ولايته مسعود البارزاني لاتفاق عُقد مع الحكومة المركزية في بغداد برعاية إيرانية، ويقضي بتسليم المناطق المتنازع عليها بين الطرفين إلى حكومة بغداد، وعنى ذلك تسليم كركوك وحقولها النفطية ومطارها ومناطق سنجار وغيرها.

غير أن معارضة كل من إيران وتركيا للاستفتاء الكردي والحذر الروسي، إلى جانب ترك الولايات المتحدة حلفاءها في الإقليم وحدهم أمام زحف مليشيات الحشد الشعبي الطائفية وقوات حكومة بغداد المركزية، يحمل دلالات عديدة، سواء في جهة الأسباب أم في جهة الدروس المستخلصة، رغم اختلاف المقدمات والحجج التي تقف وراء تعاطي كل من إيران وتركيا وروسيا مع أزمة استفتاء الإقليم.

التعاطي الإيراني
منذ البداية وقف ساسة إيران ضد الإعلان عن إجراء الاستفتاء في إقليم كردستان العراق، فوجهوا تحذيرات حازمة وشديدة اللهجة إلى قادة الإقليم، وأرسلوا رئيس هيئة أركان الجيوش الإيرانية كريم باقري إلى تركيا، ليقوم بزيارة هي الأولى من نوعها منذ 1979، للتحضير للقيام بعمليات عسكرية مشتركة لمواجهة إرهاصات استفتاء الاستقلال.

معارضة كل من إيران وتركيا للاستفتاء الكردي والحذر الروسي، إلى جانب ترك الولايات المتحدة حلفاءها في الإقليم وحدهم أمام زحف مليشيات الحشد الشعبي الطائفية وقوات حكومة بغداد المركزية، يحمل دلالات عديدة، سواء في جهة الأسباب أم في جهة الدروس المستخلصة، رغم اختلاف المقدمات والحجج


كما أطلقوا تهديدات تحذر من تبعات الاستفتاء بحجة "الحفاظ على وحدة العراق" ورفض تقسيمه. وهي حجة تخفي تخوف إيران من أن قيام دولة كردية مستقلة مجاورة لها ربما يفتح الباب لتهديد يواجه تركيبتها بشكل مباشر، بالنظر إلى التعددية القومية للمجتمع الإيراني، وإلى القمع الممارس على مختلف القوميات غير الفارسية -وبالأخص القومية الكردية- خلال مختلف مراحل الدولة الإيرانية.

ولعل تخوف إيران من قيام دولة كردية في جوارها يرجع إلى أكثر من 70 عاماً، حين أعلن الزعيم الكردي قاضي محمد تأسيس دولة كردية في 22 يناير/كانون الثاني 1946، ضمت مدينة مهاباد وعددا من المدن بكردستان إيران، عُرفت باسم "جمهورية مهاباد"، لكن شاه إيران قضى عليها في عامها الأول بصفقة مريبة مع الاتحاد السوفياتي السابق وبريطانيا وأميركا، وأعدم مؤسسها في 31 مارس/آذار 1947.

ولعل التاريخ يعجّ بالأحداث المتشابهة؛ إذ يضيف اليوم إلى الذاكرة الشعبية الكردية جرحاً آخر ينضم إلى الجروح الكثيرة التي تعرض لها شعب الأكراد في المنطقة، وستتحدث الحكايات والسرديات الكبرى لهذا الشعب عن خيانة بعض ذوي القربى ومكر وكره بعض الآخرين.

ورغم تذرع النظام الإيراني برفض تقسيم العراق؛ فإن ذلك لا يعني سوى الحفاظ على أمنه ومصالحه، بما يخدم مشروعه في التوسع والهيمنة على شعوب المنطقة، لأن قيام دولة كردستان العراق -المحاذية جغرافياً لمناطق غرب إيران- سيحرك الطموح الاستقلالي لدى الملايين من أكراد إيران أيضاً.

ومما يعزز ذلك أن مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني  الإيراني (حدكا) عادوا إلى عملياتهم العسكرية ضد النظام الإيراني بعد توقف دام طويلاً، كما عاود حزب الحياة الحرة الكردي (بيجاك - وهو الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني التركي) نشاطه العسكري في إيران.

ويكشف واقع الحال أن النظام الإيراني يريد المحافظة على وحدة العراق الذي تحكمه أحزاب وحركات طائفية موالية له، أي كي يخضع العراق برمته للهيمنة الإيرانية، وبالتالي هناك خشية لدى ساسة النظام الإيراني من أن يؤثر انفصال إقليم كردستان بشكل سلبي على مجمل دور طهران الإقليمي، بعد أن بنت شبكة أخطبوطية من المليشيات الموالية لها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وبالتالي؛ فقد دفعت إيران حكومة بغداد المركزية ومليشيات الحشد الشعبي للتدخل عسكريّاً في كردستان العراق، بحجة بسط سيطرة نفوذ "الدولة الاتحادية" على المناطق المتنازع عليها في كركوك وسواها، مما يعني تجريد الإقليم من قسم هام من موارده النفطية، ومن المساحة الجغرافية له، وبالتالي وأد ممكنات قيام دولة كردية شمالي العراق.

الموقف التركي
يلتقي الموقف التركي مع الموقف الإيراني في رفض استفتاء كردستان العراق من باب الحرص على وحدة العراق، التي تعني الحفاظ على الأمن القومي التركي، والخوف من تمدد إرهاصات الاستفتاء إلى الداخل التركي، خصوصاً أن ملايين الأكراد يعيشون في تركيا.

وهناك حركات وأحزاب سياسية كردية لها طموحات انفصالية، وخاصة حزب العمال الكردستاني الذي يخوض معارك دامية ضد قوات الجيش والشرطة في جنوب وشرق البلاد، إضافة إلى تخوف المسؤولين الأتراك من استغلال حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي) الأوضاع في سوريا لإقامة كيان انفصالي جنوب تركيا، الأمر الذي يشكل تهديداً لأمنها القومي.

رغم حدة التصريحات التركية بشأن أزمة الاستفتاء؛ فإن التعاطي التركي محكوم بجملة عوامل داخلية وخارجية، فهناك نواب في البرلمان التركي -وخاصة المنتمين إلى حزب الشعوب الديمقراطي- يؤيدون الاستفتاء بل والانفصال، ويرون أن تركيا لن تغلق الأبواب في وجه جيرانها، ولن تقطع علاقاتها مع إقليم كردستان العراق


غير أن التعاطي التركي مع أزمة استفتاء كردستان العراق يختلف في الدرجة والخلفيات التي ينطلق منها، رغم حدة الخطاب السياسي التركي الرافض للاستفتاء جملة وتفصيلاً. فقد اقتصر الأمر على تصريحات أطلقها كبار المسؤولين الأتراك، ووقف الرحلات الجوية إلى أربيل، لكن بقيت الحدود البرية مفتوحة بين الجانبين ولم يتوقف تبادلهما التجاري الضخم (تجاوز العام الماضي 8.5 مليارات دولار).

وفي الجانب السياسي؛ حظيت علاقات الإقليم مع تركيا بمكانة خاصة، حيث استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس الإقليم مسعود البارزاني مرات في أنقرة، وكانت تركيا تعتبر تحسين العلاقات مع الإقليم بمثابة منفذ لمواجهة التغلغل والهيمنة الإيرانية على العراق.

أما عسكرياً؛ فكانت تركيا تنسق عملياتها العسكرية مع حكومة الإقليم لمواجهة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، إلى جانب قيام الجيش التركي بتدريب قوات البشمركة، وهناك أكثر من معسكر تدريبي للجيش التركي في الإقليم، إلى جانب معسكر "بعشيقة" القريب من مدينة الموصل.

ورغم حدة التصريحات التركية بشأن أزمة الاستفتاء؛ فإن التعاطي التركي محكوم بجملة عوامل داخلية وخارجية، فهناك نواب في البرلمان التركي -وخاصة المنتمين إلى حزب الشعوب الديمقراطي- يؤيدون الاستفتاء بل والانفصال، ويرون أن تركيا لن تغلق الأبواب في وجه جيرانها، ولن تقطع علاقاتها مع إقليم كردستان العراق.

وثمة من الأتراك من طالب بأن تلجأ قيادتهم إلى الموقف الأسلم، الذي يؤمّن لها -وفق منطق براغماتي- منافع سياسيّة واقتصادية وأمنيّة هي في حاجة ماسة إليها، والأفضل بالنسبة لتركيا هو التعامل مع الأمر بحكمة وبراغماتية.

ولعل سبب غلبة منطق التعاطي البراغماتي مع أزمة استفتاء إقليم كردستان العراق، هو الانشغال السياسي التركي بالاستحقاقات والقضايا الداخلية التركية في مرحلة تنتقل فيها تركيا من النظام البرلماني إلى مرحلة النظام الرئاسي، حيث يحظى الصوت الكردي في تركيا بأهمية لدى حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات المقبلة.

ولعل الحكومة التركية وجدت نفسها مضطرة إلى تصعيد حدة تحذيراتها من استقلال الإقليم، خوفاً على تحالفاتها مع القوى القومية، خاصة حزب الحركة القومية الرافض بشدة للاستفتاء الكردي. ولذلك يرى بعضهم أن التعاطي التركي الرسمي مع أزمة الاستفتاء لا يمثل موقفاً إستراتيجياً من الإقليم، الذي يشاركها التخوف من تعاظم النفوذ الإيراني بالعراق، والذي يمتد إلى سوريا ولبنان وسواهما.

الصمت الروسي
كان لافتاً تريث الروس في موقفهم من أزمة استفتاء كردستان العراق، حيث التزم مسؤولوهم الصمت واتسمت التصريحات المقتضبة التي أطلقها بعضهم بالحذر بشأن مخرجات الاستفتاء، مع تأكيدهم تأييد موسكو لوحدة العراق، لكنهم أعلنوا -في نفس الفترة- عقد صفقات في مجال الطاقة (النفط والغاز) مع حكومة الإقليم، وتعهدوا بأن يبلغ حجم التعامل أربعة مليارات دولار في أقل من عام.

شركة "روسنفت" -التي تعتبر عملاق النفط الروسي- أعلنت قبل موعد الاستفتاء بعدة أيام عزمها مساعدة إقليم كردستان على تطوير صناعة الغاز الطبيعي في مجاليْ الإمدادات المحلية والتصدير بصفقة تتجاوز مليار دولار. ويعدّ ذلك تحولاً لافتاً


وبحسب بعض التقارير، فإن شركة "روسنفت" -التي تعتبر عملاق النفط الروسي- أعلنت قبل موعد الاستفتاء بعدة أيام عزمها مساعدة إقليم كردستان على تطوير صناعة الغاز الطبيعي في مجاليْ الإمدادات المحلية والتصدير بصفقة تتجاوز مليار دولار.

ويعدّ ذلك تحولاً لافتاً في توجهات حكومة الإقليم التي تعتبر نفسها حليفا لواشنطن في المنطقة، لكونها صاحبة الفضل الأكبر على أكراد العراق منذ عام 1991.

ويرى المسؤولون في الإقليم أن موسكو تظهر في العلن تأييدها لوحدة أراضي العراق، لكنها تعترف -في الوقت نفسه- بطموحات الأكراد الاستقلالية، ويؤيد رأيَهم قول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف "نحن مهتمون بأن يحقق الشعب الكردي -مثل أي شعب آخر على هذا الكوكب- آماله وطموحاته"، ولذلك تفادى المسؤولون الروس إطلاق أي رأي في قانونية إجراء الاستفتاء نفسه أو في الغاية منه.

وبذلك يكون التعاطي الروسي مع أزمة استفتاء كردستان جاء مبايناً للموقفين الإيراني والتركي، لأنه بني على خلفية بحث الروس عن مصالحهم الاقتصادية، وعن أصدقاء جدد في منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد عودتهم القوية إلى المنطقة عبر التدخل العسكري المباشر في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد.

المصدر : الجزيرة