سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

أكاديمي تونسي

قد يجد القارئُ العنوانَ صادما؛ فتجربة تونس سُوّقت باقتدار باعتبارها أفضل الممكن، تسويقا تجنّدت له ماكينات إعلاميّة عالميّة لطالما روّجت لـ"معجزة" زين العابدين بن علي الوهمية، وتلقّفته شعوب عربيّة أضنتها الدكتاتوريّة والحروب الأهليّة، فأصبحت لا تتمنّى أكثر من تونس.

ما يحدث في تونس يُحيّر الحليم ليس فقط لهوله وسرعته، ولكن أيضا لحجم النكوص وخيبة الأمل والتزييف. أحلام وتطلّعات شعب تتحطّم، وأهداف ثورة واعدة تتبخّر، ومشروع إصلاحي صمد عقودا وضحّت من أجله أجيال يهوي، ويهوي معه عدد من روّاده الذين رشّحتهم الأقدار ليقودوا ثورة شعب ونهضة وطن فأبوا إلاّ أن يرعوا مع الهَمَل، وفرصة ذهبيّة نادرة للتحرّر والنّهوض ضاعت أو تكاد بمبرّرات أقبح من الفشل.

بلد وتجربة وحركة في حالة تيه بل سقوط حرّ، والقباطن -الذين أصابتهم النرجسية بانفصام الشخصيّة- في حالة إنكار ونشوة، مشغولون ويشغلون الناس عن الثوابت والهموم والتطلّعات والنّكسات بالتفاهات والمسكّنات، ويبيعون لهم الأوهام، ويصوّرون لهم الجنّة الموعودة التي سينقلهم إليها الانتقال الديمقراطي والسيناريوهات الوهمية التي أنقذهم منها التوافق.

يتكرّر معنا مشهد نكسة 1967؛ نشاهد طائراتنا تقصف على الأرض، ونستمع إلى البيانات تعلن الانتصار الساحق. وكما احتفل الشعب لمجرّد تراجع الرئيس عن التنحّي، يراد لنا أن ننتشي ونطمئنّ لمجرّد صمود التوافق المغشوش، والانتقال الديمقراطي المشوّه الذي أصبح مثل عمليّة السّلام الفلسطينيّة الإسرائيليّة التي لا تثمر ولا تنتهي. 

بالأرقام وبالإجماع؛ تونس في أسوأ حالاتها وفي تراجع في كلّ المجالات، دون أيّ خطّة لإيقاف النّزيف والسقوط الحرّ. أمّا حركة النّهضة فهي ظاهريّا في قمّة النّجاح بعد نقلة صاروخيّة في أوضاع بعض الأفراد (وجاهة ونفوذ ورفاهية) وأوضاع الحزب (ميزانيات ومقرّات). ووراء تلك المظاهر الخادعة، تآكل سريع للمشروع الإصلاحي وللمصداقيّة والهويّة والشعبيّة والمرجعيّة


بالأرقام وبالإجماع؛ تونس في أسوأ حالاتها وفي تراجع في كلّ المجالات، دون أيّ خطّة لإيقاف النّزيف والسقوط الحرّ. أمّا حركة النّهضة فهي ظاهريّا في قمّة النّجاح بعد نقلة صاروخيّة في أوضاع بعض الأفراد (وجاهة ونفوذ ورفاهية) وأوضاع الحزب (ميزانيات ومقرّات). ووراء تلك المظاهر الخادعة، تآكل سريع للمشروع الإصلاحي وللمصداقيّة والهويّة والشعبيّة والمرجعيّة، بل وللرصيد ومبرّر الوجود.

قد تنجح المظاهر مع السفسطة (مصلحة الوطن والانتقال الديمقراطي، والتوازنات والإكراهات) والدّعاية والانضباط التنظيمي في تسكين الآلام وتأجيل الارتطام، وإخفاء حالة التيه التي وصلتها الحركة نتيجة رهانات خاطئة وتقديرات ساذجة، وضعتها تحت رحمة جلاّدها الذي أنقذته من المحاسبة والعزل، وتولّت تطبيع أوضاعه وتبييض ماضيه، فكانت كالمحلّل الذي أعاد تونس إلى جلاّدها بعد أن خلعه الشعب، ورضيت الحركة بدور بوّاب العمارة أو شاهد الزّور.

حركة حملت لعقود مشروعا إصلاحيّا واجهت به منظومة التّبعيّة والفساد والظلم بتضحيات أفرادها مدعومة بالحاضنة الشعبيّة، تتخلّى عن مرجعيتها ومشروعها، وتربط وجودها ببقائها ضمن نفس المنظومة التي لم تتغيّر ولم تتطهّر، فتتنازل عن كلّ شيء وتخضع لكلّ ابتزاز، حتى لا يغضب شريك اليوم جلاّد الأمس، وهو أسوأ موقف يمكن أن تتورّط فيه حركة إصلاح.

كأنهم لم يسمعوا عن زعماء أوروبا الذين استرضوا أدولف هتلر لاتقاء شرّه فتغوّل، ولم يتعظوا بتجربتهم مع بن علي الذي استرضوه فثبّت بهم حكمه ثمّ غدر بهم. ألا يعلمون أنّ سياسة الخيار الواحد تُفقد القدرة على التفاوض والمناورة؟

أعضاء النّهضة الواعون والمخلصون في حالة ذهول، يكابدون من أجل فهم وتفسير وتبرير ما يحدث، تضطرّهم قيادتهم للدّفاع عن مواقف تناقض قناعاتهم وبمبرّرات مضحكة ومسيئة إلى أصحابها، وهم يخشون الدّوائر بعدما فقدوا الحاضنة الشعبيّة، وضعف الغطاء والدعم من الخارج، وأفرغ مشروعهم من أيّ مضمون، وتميّعت هويّتهم.

أصبحوا يصنّفون في خانة الثورة المضادّة، وتلاشت الفوارق والمسافات بينهم وبين أحزاب ورموز العمالة والفساد، وأصبح مصيرهم بيد شريك عدوّ يعلمون جيّدا أنّه لن يتردّد في الغدر بهم، بعد أن يستكمل عزلهم وتشويههم.

أمّا التوّنسيّون المتشبّثون بالثورة وأهدافها، فلا يحلمون إلاّ بطيّ هذه الصفحة التعيسة والعودة إلى يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011 وتصحيح المسار. وليس صحيحا أنّ البديل لتونس هو سوريا أو ليبيا أو حتى مصر، فتلك خدعة سخيفة لم تنطل إلاّ على القطيع، وثنائيّة الجمود أو الفوضى (القديمة الجديدة) لا تدلّ إلاّ على عجز السياسيين وإفلاسهم، ولطالما استعملت لتبرير الفشل والاستبداد. 

التجربة التونسية نجحت فعلا بمقاييسنا المختلّة بما أنّ تونس لم تصبح دولة فاشلة ولم تشهد حربا أهليّة. والعرب منذ خرجوا من التاريخ وتعاقدوا مع الجمود والإنكار ما عادوا يصنعون النّجاح بتحويل الحلم إلى واقع، بل بتحويل الواقع إلى أماني، ويصرفون طاقتهم في توصيف الواقع الجامد وتبريره بدل تغييره.

والإنسان العربي الذي دمّرت عقليّتَه وشخصيّته ونفسيّته قرونُ الاستبداد والاستعمار وخذلته النّخب مرارا وتكرارا، أصبح سلبيّا محبطا؛ طموحاته محدودة وثقته في نفسه مهزوزة وإرادته ضعيفة، متصالحا مع الفشل والجمود، مرتاحا في دور المشاهد، يكتفي بالتعليق على أحداث وقرارات تحدّد مصيره.

أمّا النّخب فقد ابتلي العرب بنخب هي الأسوأ والأفشل والأرخص، مستعدّة دوما للتّوظيف ولبيع كلّ شيء من أجل الحكم والوجاهة، تلاميذ نجباء لمكيافيلي ومدرسة "الغاية تبرّر الوسيلة"، يضخّمون الإنجازات التافهة، وينكرون الإخفاقات الصارخة أو يبرّرونها، ويتنصّلون من المسؤوليّة عنها (ليس بالإمكان أحسن ممّا كان).

تونس سلمت من كلّ المطبّات التي أطاحت بثورات الربيع العربي، وهي الوحيدة التي توفّرت فيها فرصة حقيقيّة ليس للاستقرار فقط -فذلك تحصيل حاصل- ولكن للإقلاع، والسيناريو السوري والليبي والمصري واليمني كلّها مستحيلة في تونس (ودونها فيتو دولي) وتجنّبها لا يعدّ إنجازا


من يتولّى منصبا يتشبّث به مدى الحياة ويتفرّد بالقرار والسلطة الفعليّة، فلا مشاركة ولا تقييم ولا محاسبة ولا تداول، ولذلك تتكرّر الأخطاء بنفس الطريقة وعلى أيدي نفس الأشخاص. نخب لا تُلزم نفسها بأهداف ومعايير محدّدة وجدول زمني، لتمارس هوايتها في بيع الأوهام، يؤتى بها -بطريقة أو أخرى- لتحفظ المصالح الأجنبيّة وتُبقي شعبها تحت السيطرة.

في تونس قامت ثورة سلميّة واعدة، أسقطت النّظام ولم تُسقط الدّولة، بل لم تربك عملها. أسقطت نظاما معزولا ومنبوذا شعبيّا (بلا جذور طائفية أو عقائدية)، والجيش التونسي الذي كان دوما بعيدا عن السياسة تخلّى بسرعة على النّظام، ولم يتولّ السلطة التي أتته على طبق من فضّة.

والشعب التونسي متعلّم ومتمدّن ومسالم ومتجانس، فكلّ التوانسة تقريبا عرب مسلمون سنّة على المذهب المالكي، وتونس دولة صغيرة غير قابلة للتقسيم، والثورة لم تأت من فراغ ولم تُحدث فراغا، ففي تونس مجتمع مدني عريق وتاريخ حافل بالنّضالات، وإدارة عريقة ودرجة معقولة من الانضباط الإداري.

الخلاصة أنّ تونس سلمت من كلّ المطبّات التي أطاحت بثورات الربيع العربي، وهي الوحيدة التي توفّرت فيها فرصة حقيقيّة ليس للاستقرار فقط -فذلك تحصيل حاصل- ولكن للإقلاع، والسيناريو السوري والليبي والمصري واليمني كلّها مستحيلة في تونس (ودونها فيتو دولي) وتجنّبها لا يعدّ إنجازا.

كما أنّ الثورة في تونس فجّرت الحس الوطني الذي كبته القمع والفساد والتهميش، ووحّدت الشّعب تحت الراية الوطنية وعلى مطالب الحرّية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم ومحاربة الفساد والمحسوبيّة. كان ذلك المشهد بعد الثورة: حس وطني ووحدة وطنيّة وتطلّعات كبرى وزخم ثوري.

ثمّ تمرّ سبع سنوات فيكون المشهد كالتالي: كلّ المؤشّرات في كلّ المجالات سلبيّة وفي تراجع (إحصائيات مفزعة في الاقتصاد والتعليم والصحّة والأخلاق والمعاملات والخدمات والبطالة والجريمة والمخدّرات والطلاق والانتحار).

بلد أكثر تبعيّة وفسادا ممّا كان عليه قبل الثورة (وتلك "معجزة" تحسب للطبقة السياسية)، بلد على حافة الإفلاس وغارق في الدّيون، ودولة راعية للفساد، ومجتمع (خاصة الشباب) في قمّة اليأس والإحباط والعزوف عن الشأن العام والمشاركة السياسية (83% لا ينوون المشاركة في الانتخابات).

أكثر من مئة ألف تلميذ يتركون المدارس كلّ سنة، وعودة مدرسية بنقص 15 ألف مدرّس، وحلمُ الشاب التونسي هو مغادرةُ البلاد ولو بالمغامرة بحياته في زوارق الموت.

لم يبق سياسي واحد يصدّقه النّاس أو يثقون به أو يكترثون لكلامه، بلد محكوم بعمليّة سياسية هشّة تتغيّر فيها الحكومة كلّ سنة، ونظام هشّ هو مجرّد واجهة للسّفارات والشركات والمافيات التي تحكم وتنهب البلاد. تونس اليوم هي معقل للموساد ومستباحة لكلّ من هبّ ودبّ من المخابرات والدول الأجنبيّة.

لم تخطُ تونس خطوة واحدة على طريق الشفافيّة والمحاسبة (اللذين يمثّلان جوهر الديمقراطية). أحداث الثورة (الشهداء والجرحى والقنّاصة)، واغتيالات سياسية، وموت غامض لكلّ من اقترب من الملفّات الحسّاسة، وفساد مستشرٍ ومحمي في كلّ المجالات، وقضايا فساد كبرى تورّط فيها سياسيون ومسؤولون كبار، وقواعد عسكريّة أجنبيّة سرّية، وتلاعب وتزوير للانتخابات، وتمويل ضخم مشبوه للأحزاب، وغشّ وتهريب وتهرّب ضريبي.

نعم لا وجود لثورة "بالشوكة والسكين"، وكلّ ثورة تتبعها فترة مضطربة، لكن شتّان بين اضطراب الصعود والإصلاحات الجذرية والحازمة (والحديث هنا عن المحاسبة والتطهير وتغيير السياسات وليس الانتقام والاجتثاث) نحو العدل والتحرّر والنهوض، واضطراب التيه الذي يفضي إلى انتكاس بسبب غياب الحزم والرؤيا والقيادة واليقظة


كلّ ذلك يمرّ دون تحقيق ومحاسبة، ولمّا اكتشف الشعب أنّ في البلاد ثروات مكتومة ومنهوبة، وطالب بكشف حجمها وعائداتها وبحقّه فيها، تبيّن أنّ البرلمان والحكومة ليسوا بأعلم من الشعب، فوعدت الحكومة بتشكيل لجنة لجمع المعلومات عن ثروات البلاد، ومرّر البرلمان قانونا يعفي الحكومة من نشر عقود البترول والغاز.

الحزب الذي أسقطته الثورة يحكم بالتوافق مع الحزب الذي انتخبه الشعب لقيادة الثورة، والذي بدأ التوافق يداً عليا وانتهى إلى تابع وبحبّ من طرف واحد.

استغلّ حزب المخلوع نشوة السياسيين وانشغالهم بالخزعبلات والصراع على الغنائم، فلملم صفوفه في حزب جديد في يونيو/حزيران 2012، ثمّ وفّر له التوافق مع النّهضة طوق النجاة والحصانة، ثم فاز بعد سنة بالانتخابات التشريعية التي قاطعتها غالبيّة الشباب والقوى المناصرة للثورة، ثمّ فاز بالانتخابات الرئاسية التي اختارت النهضة فيها الحياد.  

لم يخرج التونسيّون من ثورتهم الواعدة إلاّ بحرّية التعبير التي انتزعوها يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011. وما تلا ذلك فهو للنّسيان: ثرثرة وتهريج وإنجازات وهميّة، ودعاية جوفاء سرعان ما عجزت عن تسويق النكسة.

وكان ختامها التعديل الوزاري الأخير الذي استكمل إعادة كلّ وزراء بن علي تقريبا إلى مناصبهم، وكانت النّهضة أوّل المرحّبين. وأصبحت تونس تعيش دكتاتورية مبطّنة: يقول الشعب ما يشاء ويفعل الحاكم ما يريد.

ولولا المقاومة الشعبيّة ونضالات الشباب لعادت الدكتاتوريّة الخشنة السافرة باستغلال خطر الإرهاب، ولكن الشّعب الذي لم يسمح للإرهاب بأن يستغلّ نقمته على النّظام وتصدّى له جنبا إلى جنب مع الجيش والأمن، لم يسمح للنّظام بأن يستغلّ الحرب على الإرهاب لتركيعه وسلبه حقوقه.

ثمّ استدعي البرلمان ليقرّ الحكومة الجديدة ففعل في يوم واحد (كعادته)، دون تقييم لأداء الحكومة السّابقة ورئيسها، ودون تدقيق في الشخصيات المرشّحة والبرامج. ثمّ استدعي ليمرّر قانونا لتبييض الفساد مرفوضا شعبيّا ومخالفا للدستور، ففعل في غياب قرابة نصف الأعضاء، وبطريقة خسيسة بلغت حدّ خداع الأحزاب لنوّابها.

ليس أسوأ ممّا وصلت إليه تونس إلاّ سيناريو الدولة الفاشلة والحرب الأهليّة، وهي سيناريوهات مستحيلة ومرفوضة دوليّا. ولذلك قلنا إنّه لم يكن بالإمكان أسوأ ممّا كان.

نعم لا وجود لثورة "بالشوكة والسكين"، وكلّ ثورة تتبعها فترة مضطربة، لكن شتّان بين اضطراب الصعود والإصلاحات الجذرية والحازمة (والحديث هنا عن المحاسبة والتطهير وتغيير السياسات وليس الانتقام والاجتثاث) نحو العدل والتحرّر والنهوض، واضطراب التيه الذي يفضي إلى انتكاس بسبب غياب الحزم والرؤيا والقيادة واليقظة. 

لا يمكن تشخيص التجربة التونسية دون التركيز على دور حركة النّهضة باعتبارها الفاعل الرئيسي، وتوافقها مع حركة نداء تونس باعتباره الركيزة التي يقوم عليها نظام الحكم الفاسد والفاشل. وإذا أردنا أن نختصر التجربة في جملة واحدة فإننا نقول إنّ النّهضة اتخذت مسارا خاطئا ورّطها في توافق مغشوش ضيّع الثّورة وأهدافها والحركة ومشروعها.

المصدر : الجزيرة