حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي، متخصِّص في الشؤون الأوروبية

انزلاق يميني جارف
التهاون مع الفضائح
تحويرات التطرف اليميني 

كشفت نتائج الانتخابات النمساوية عن تحول سياسي في جمهورية الألب، بعد أن تشكلت ملامحه بوضوح في السنوات الأخيرة. لن تعود النمسا محكومة بمستشار من الديمقراطيين الاجتماعيين (يسار الوسط)، وستصبغ التوجهات اليمينية الملفات الداخلية بصفة غير مسبوقة.

فقد قفز "حزب الشعب" ذو التوجهات المحافظة (يمين الوسط) إلى المركز الأول بقرابة ثلث أصوات الناخبين، وجاء تالياً "حزب الحرية" (أقصى اليمين) في المرتبة الثانية، فقفز هو الآخر متجاوزاً "الحزب الديمقراطي الاجتماعي" في أواخر عمليات الفرز.

وانتكس حزب الخضر بخروجه من البرلمان الذي نجحت قائمة منشقة عنه في دخوله، إلى جانب استقرار حزب "الجدد" ذي الخطاب الناقد في المشهد البرلماني والساحة السياسية.

جاء اقتراع أمس الأحد (15 أكتوبر/تشرين الأول) ليخلط أوراق الحظوة السياسية في الجمهورية النمساوية، التي تجر خلفها إرث إمبراطورية مترامية الأطراف تقلّصت إلى دولة عالقة بين سلاسل الألب ومجرى الدانوب. لكنها النمسا ذاتها التي تقتسم حصتها من أعباء الماضي النازي والحُمّى العنصرية، وإن لم يلحظ العالم أنّ أدولف هتلر ذاته هو نمساوي المولد والنشأة أساساً.

انزلاق يميني جارف
للتحول السياسي الجديد في النمسا عناوين أساسية، يتصدرها الانزلاق اليميني وصعود الوجوه بصفة متلازمة مع ضمور الأحزاب. ولا يقتصر مفهوم الانزلاق اليميني -في هذه الجولة الانتخابية- على صعود قوي أحرزه حزب الحرية اليميني المتطرف، الذي تجاوز بفوزه الاكتساح الذي حققه في انتخابات 1999 وقاده وقتها إلى دخوله الحكومة، مما أدى لاتخاذ الاتحاد الأوروبيقرارات عقابية بحق النمسا.

جاء اقتراع أمس الأحد (15 أكتوبر/تشرين الأول) ليخلط أوراق الحظوة السياسية في الجمهورية النمساوية، التي تجر خلفها إرث إمبراطورية مترامية الأطراف تقلّصت إلى دولة عالقة بين سلاسل الألب ومجرى الدانوب. لكنها النمسا ذاتها التي تقتسم حصتها من أعباء الماضي النازي والحُمّى العنصرية، وإن لم يلحظ العالم أنّ أدولف هتلر ذاته هو نمساوي المولد والنشأة أساساً


بل إن الوجه الأعمق لهذا الانزلاق يتجلى في سطوة النزعة اليمينية على الساحة السياسية التي استمرأت الشعبوية الخشنة أو الناعمة سلّماً للصعود الانتخابي، وهو نموذج سيتمدد إلى دول أوروبية أخرى.

احتفظ حزب الحرية وزعيمه المتشنج هانز كريستيان شتراخه بخطاب شعبوي وبشعارات مناهضة للمسلمين؛ لكنّ الفائز الأول في هذه الجولة هو حزب الشعب تحت لواء السياسي الشاب سباستيان كورتس، الذي صادر امتياز التعامل الصارم مع المسلمين عبر تطبيقات عملية مرئية مارسها على الملأ من مواقعه الحكومية، فأثارت قلق مسلمي البلاد بشأن مستقبلهم بعد أن سادت علاقة إيجابية منفتحة في الماضي.

وهكذا بدا أنّ أقصى اليمين -بشعاراته المناهضة للمسلمين- تنافس مع يمين الوسط الذي ألحّ على مضامين وتطبيقات ليست أقل مناهضة للمسلمين. وبلغت المزايدات في الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات مبلغها إلى حد تهديد الوزير كورتس بأنه لن يتردد في إغلاق بعض المساجد إن أصبح مستشاراً للنمسا، وها هو قد تأهل لذلك الآن.

أغرق حزب الحرية النمسا بإعلانات انتخابية تتعهد بوقف ما سماها "الأسلمة"، مع الحمل بشدة على اللاجئين. لكنّ كورتس المحافظ استبق ذلك بقرارات فرضها في الائتلاف الحكومي، أدخلت النمسا في فلك ثقافة الحظر التي تشهدها بلدان أوروبية منذ سنوات بحق الإسلام والمسلمين.

لم يكتف مستشار النمسا الوشيك بذلك، بل دفع -من خلال موقعه وزيراً للاندماج إلى جانب وزارة الخارجية- بسلسلة من الدراسات التي وضعت المسلمين في بؤرة الفحص المجهري الناقد، دون غيرهم من مكونات المجتمع. وقد ثارت شكوك -عززتها صحافة التحقيقات- في حدوث تلاعبات منهجية متعددة في هذه الدراسات، وصلت إلى حد التلفيق والتزييف والابتعاد عن الأدوات العلمية.

وبالمقارنة مع الصعود اليميني في انتخابات 1999 الذي أثار عواصف مناوئة للنمسا في أوروبا والعالم؛ تأتي القفزة الجديدة مضاعفة بتضافر التطبيقات مع الشعارات، وبنشوء ثقافة مجتمعية جارفة داعمة لهذا التوجّه، وبسكوت باقي الأحزاب والقوى المجتمعية على الخطاب اليميني، وبسقوط احتكار حزب الحرية لهذا الخطاب.

والنتيجة أنّ الفارق اليميني الإضافي الذي تحقق في هذه الجولة لحزبي الشعب والحرية يعادل حجم النسبة المذهلة التي أحرزها حزب "البديل لألمانيا" في الانتخابات البرلمانية الألمانية قبل أسابيع، أي قرابة 13%.

التهاون مع الفضائح
انجرف معظم الناخبين النمساويين خلف اليمين بحزبيْه في هذه الجولة (قرابة 60%)، لكنها تلازمت مع اتجاه غير معهود من التهاون مع ما بدت "فضائح". ففي الأسابيع الأخيرة التي سبقت الانتخابات انقدحت شرارة فضيحة جسيمة هزت الحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة المستشار الحالي كريستيان كيرن.

تدور الفضيحة حول الاستعانة بالمستشار السياسي والدعائي الإسرائيلي طال سيبلرشتاين في تنظيم حملة تشويه إعلامية تعتمد على التزييف. وتفيد المؤشرات بأن الناخبين النمساويين لم يكترثوا في تصويتهم تقريباً بهذه الفضيحة التي شغلت الإعلام، مع ملاحظة أنّ الحزب الديمقراطي الاجتماعي احتفظ بكتلته التصويتية التي حازها من قبل، لكنه مُني بهزيمة جسيمة مقارنة بالصعود الجارف ليمين الوسط وأقصى اليمين.

ثمة قضية أخرى طمسها التجاهل الإعلامي، لكنها بزغت من خلال التحقيق الجريء الذي أجرته أسبوعية "فالتر" الناقدة تحت عنوان فضيحة "كورتس ليكس". فقد كشفت الأسبوعية المرموقة عن تلاعبات فاحشة بدراسة "علمية" عن رياض الأطفال الخاصة التي يديرها مسلمون.

وطبقاً للتحقيق الصحفي؛ فإن ممارسات غير مسبوقة وقعت مع هذه الدراسة التي أجرتها جامعة فيينابتكليف من كورتس بصفته مسؤولاً عن الاندماج، فقد قام مساعدو الوزير بالتلاعب بنتائج الدراسة وتهويلها حذفا وإضافة وتزييفا، في انتهاك سافر لضوابط الدراسات العلمية الجامعية، طبقاً للتقرير الذي فتحت فيه جامعة فيينا تحقيقاً أكاديمياً.

تضافرت التحولات والتطورات التي تم تضخيم وطأتها في وعي الجمهور النمساوي خلال السنوات الأخيرة. فالتحولات الثقافية المتسارعة عالمياً تضغط على الشعور بالهوية الذاتية فتبدو مهدَّدة مع الوقت، مما يستنفر ردوداً عكسية متشنجة تشكو "اغتراب الأغلبية"، وتنادي بحماية "الهوية" من هواجس غير واقعية مثل "الأسلمة". وبذلك يتحوّل التنوّع في هذه السردية إلى تهديد


وكان مثيراً للانتباه أنّ وسائل الإعلام تجاهلت "كورتس ليكس" تلك سريعاً، كما أن القضية لم تستثر نقاشاً مجتمعياً منذ الكشف عنها أوائل الصيف الماضي. لقد منحت هذه التطورات انطباعاً بأنّ سلوك الناخبين بدا متهاوناً مع الفضائح "الجانبية"، بعد أن شغلته النبرة المصيرية التي غلبت على المعترك الانتخابي.

فقد تضافرت التحولات والتطورات التي تم تضخيم وطأتها في وعي الجمهور النمساوي خلال السنوات الأخيرة. فالتحولات الثقافية المتسارعة عالمياً تضغط على الشعور بالهوية الذاتية فتبدو مهدَّدة مع الوقت، مما يستنفر ردوداً عكسية متشنجة تشكو "اغتراب الأغلبية"، وتنادي بحماية "الهوية" من هواجس غير واقعية مثل "الأسلمة".

وبذلك يتحوّل التنوّع في هذه السردية إلى تهديد، ويغدو شعار "الاندماج" إستراتيجية قسرية ينبغي تنزيلها بمضامين القهر الثقافي على أقلية محشورة في الجدل العام ضمن قوالب نمطية متقادمة.

ثم منحت تدفقات اللاجئين -بعد خريف 2015- فرصة سخية للشحن والإثارة، وحازت الجرائم والتجاوزات الفردية فرصا زائدة للظهور على الأغلفة إن كان مرتكبوها من اللاجئين. وتلازم ذلك مع موجة تحذيرات أمنية ترافقت مع سلسلة الاعتداءات الوحشية التي شهدتها دول أوروبية، وشغلت "داعش" قسطاً وافراً من العناوين البارزة في وسائل الإعلام النمساوية منذ ربيع 2014.

كما أخذت ملفات متعلقة بالمسلمين تحظى بكثافة مذهلة من تسليط الأضواء، وصولاً إلى قضية النقاب الذي بدأ حظر ارتدائه بقوة القانون قبل أسبوعين فقط من الانتخابات. وأصبحت مفردة "برقع" واحدة من أبرز التعبيرات رواجاً في التداول السياسي والإعلامي والثقافي في النمسا مؤخراً.

عبر مزيج من هذه القضايا والشواغل بإسقاطاتها السلبية المتعددة على الإحساس بالأمان الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار الثقافي لعموم المواطنين؛ تعاظم الشعور بالتهديد بصفة أججتها دعاية حزب الحرية النشطة للغاية في شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي سلسلة من المقاطع التمثيلية مثلاً؛ قدّم الحزب اليميني المتطرف أسرة نمساوية يكتسحها قادمون من كل مكان، فيستوطنون بيتها ويستنزفون مواردها حتى الإفلاس التام. إنهم القادمون من الخارج الذين يتم تقديمهم في مقام التفسير الساذج لمعضلات تم تضخيمها وهواجس وقعت استثارتها، أما البيت فهو كناية عن النمسا.

ومع هذه الحالة الوجدانية الجارفة انطبعت الحملات الانتخابية بالتعبيرات المصيرية التي أججتها حملاتُ حزب الحرية. كما قدّم الحزب الديمقراطي الاجتماعي حملة تحت شعار "المستقبل" الذي ينبغي تأمينه بلا تردد لضمان مستقبل الأجيال الجديدة، مع تعبيرات عن الجدية والصرامة والانشغال بالهمّ.

وظهر حزب الشعب تحت لواء كورتس بشعارات مثل "حان الوقت"، و"الآن أو لا"! ومن الواضح أنّ النزعة المصيرية هذه قد أنعشت الإقبال على الاقتراع الذي ناهز ثمانية أعشار من يحق لهم التصويت.

تحويرات التطرف اليميني
سعياً لتطبيع حضوره في الرواق السياسي؛ سعى حزب الحرية اليميني المتطرف إلى الفكاك من الوصمة التي لاحقته من قبل، والتي تربطه في أوروبا والعالم بصفة وريث بقايا النازيين.

وقد راهن الحزب -في سبيل ذلك- على حزمة من التحويرات المهمة، اشتملت على الانتقال من الخطاب السافر الحاد إلى التعبيرات الإيحائية الضمنية التي تشتمل على لغة ترميز إيحائية خاصة، ومن الحملة التعميمية الضارية على "الأجانب" و"الآخرين" في جملتهم إلى الاختصاص بفئات محددة منهم، مثل اللاجئين من جانب والمسلمين من جانب آخر، مع ملاحظة أنهما صفتان متداخلتان في الوعي الجمعي.

نضجت صورة رجل النمسا القوي الذي يوشك أن يغدو أصغر مستشاري النمسا سناً على الإطلاق، مدشناً عهداً جديداً قد يطول معه أو يقصر، رغم صعوبة الجزم المبكر بألوان الائتلاف الحكومي. لكنّ مهام كورتس لن تكون يسيرة في تشكيل تحالف سيمنح جمهورية الألب وجهاً متطرفاً في أوروبا والعالم، بما يستحضر ظلال ماضٍ لا ترغب فيينا في استذكاره


وهكذا بدت حيلة "العنصرية الانتقائية" ملائمة تماماً لا سيما مع استثمار موجة الإسلاموفوبيا الصاعدة عبر أوروبا. كما كفّ الحزب عن التعليق بصفة استثنائية على السياسات الدولية، خلافاً لمواقف اشتهر بها زعيمه الراحل يورغ هايدر الذي اتخذ مواقف معارضة لبعض السياسات الأميركية.

كما وقعت تسوية تاريخية لوصمة "العداء للسامية" عبر زيارات متكررة قامت بها قيادة حزب الحرية إلى فلسطين المحتلة، وإطلاق مواقف تأييد جارفة لجيش الاحتلال الإسرائيلي والسياسات الاستيطانية، علاوة على امتداحها الدور الإسرائيلي بصفته "قاعدة متقدمة في وجه التهديد الإسلامي"، وفق التصريحات التي اشترك فيها حزب الحرية مع قادة اليمين الأوروبي المتطرف.

أما المستشار النمساوي المقبل سباستيان كورتس؛ فقد بزغ نجمه في الساحة السياسية وهو في أواسط العشرينيات من عمره بعد أن قطع دراسته الجامعية، ثم تقلد حقيبة الخارجية وهو في السابعة والعشرين من عمره؛ فاختطف أنظار العالم وهو يتباحث مع نظراء له بدول العالم في سن أجداده.

حمل كورتس إكسير الحياة إلى حزبه الذي انطفأت وجوهه القيادية وعانى من الترهل المزمن. وعبر هيئة تمنح انطباعاً بالثقة الزائدة بالنفس؛ بدا هذا الوجه ملائماً لحزب محافظ، كما أنه كسر احتكار أقصى اليمين لهذا الانطباع البصري والمسلكي.

نجح كورتس في رسم صورة "الفتى الذي بوسعه أن يفعل"، فتراكمت شعبيته الجارفة رغم الانتقادات اللاذعة التي تطارده في مواقع التواصل الاجتماعي. وقد فرض الوزير إرادته على حزبه وأعاد الحزب معه إنتاج هويته البصرية لتبدو أكثر حيوية وتألقاً. كما هيمن كورتس على الائتلاف الحكومي الأخير مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي في عدد من الملفات.

وقد اختص كورتس -في المواقع التي شغلها منذ بروزه السياسي- بملف المسلمين في المقام الأول، فشهدت النمسا في ظلال ذلك انقلاباً جذرياً في ما سُمي "النموذج النمساوي" في التعامل المنفتح مع "الطائفة الدينية المسلمة"، خاصة مع وجود ثقافة مجتمعية داعمة للتوجّه الانغلاقي.

وتزعّم كورتس تبنّي نبرة شديدة ضد أنقرة إلى درجة دعوته النمساويين من أصل تركي إلى مغادرة البلاد إن أرادوا الانشغال بالسياسات التركية، في تصريح أعقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا.

هكذا نضجت صورة رجل النمسا القوي الذي يوشك أن يغدو أصغر مستشاري النمسا سناً على الإطلاق، مدشناً عهداً جديداً قد يطول معه أو يقصر، رغم صعوبة الجزم المبكر بألوان الائتلاف الحكومي. لكنّ مهام كورتس لن تكون يسيرة في تشكيل تحالف سيمنح جمهورية الألب وجهاً متطرفاً في أوروبا والعالم، بما يستحضر ظلال ماضٍ لا ترغب فيينا في استذكاره.

المصدر : الجزيرة