عباس ميلاني

عباس ميلاني

مدير مشارك لمشروع الديمقراطية الإيرانية بمؤسسة هوفر ومدير الدراسات الإيرانية بجامعة ستانفورد

نادرا ما اتفقت الولايات المتحدة وإيران على كيفية المضي قدما في المحادثات النووية أو القضايا الأخرى الخاصة بعلاقاتهما الثنائية، لكن أوجه التعاضد والتشابه بين المتشددين الإيرانيين والصقور في الإدارة الأميركية الحالية عميقة، وهذا أمر غير بديهي.

والواقع أن إستراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجديدة بشأن إيران أعطت الراديكاليين في طهران سببا للاحتفال، لأنهم وجدوا في الولايات المتحدة حليفا غير مباشر في سعيهم للهيمنة السياسية.

لسنوات، أكد "المتطرفون المحافظون" في إيران -وهو المفهوم الذي يجمع بين المحافظين المتطرفين في شؤون الإيمان والفلسفة ووجهات النظر المتطرفة حول العنف- أن التفاوض والتقارب مع الولايات المتحدة شيء سخيف وتافه. ويعتقد هؤلاء المتشددون أن واشنطنمهتمة فقط بتغيير النظام ومحاربة الإسلام في المنطقة.

بعدما شعر المتشددون الإيرانيون بالإحباط بسبب المفاوضات السابقة؛ اختفت في الواقع خيبة أملهم يوم الجمعة الماضي بقرار ترمب تحدي الاتفاق النووي -الموّقع عام 2015 والمعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة أو خطة العمل المشتركة- مما أعطاهم انتصارا غير متوقع


دفع هذا الرأي بإيران إلى تقارب أوثق مع روسيا والصين. وشلت العقوبات ذات الصلة بالمفاوضات النووية في السنوات الأخيرة الاقتصاد الإيراني وأوصلته إلى حافة الانهيار، الأمر الذي أجبر المحافظين الإيرانيين على التفاوض بحسن نية مع المجتمع الدولي.

وحتى بدون عقوبات، كان الاقتصاد الإيراني قد تعرض لضغوط شديدة. وأدى الفساد وسوء الإدارة -بجانب التحديات الهيكلية والخارجية كانخفاض أسعار النفط ونقص المياه وتفشي البطالة- إلى إضعاف النمو الاقتصادي بالفعل. وانضمت الصين وروسيا إلى أحدث جولة من العقوبات، مما جعل موقف الراديكاليين غير مقبول.

لكن بعدما شعر المتشددون الإيرانيون بالإحباط بسبب المفاوضات السابقة، اختفت في الواقع خيبة أملهم يوم الجمعة الماضي. إن خطوة قرار ترمب بتحدي الاتفاق النووي -الموّقع عام 2015 والمعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة أو خطة العمل المشتركة- أعطتهم انتصارا غير متوقع.

وفي حين أن العقوبات الأكثر فعالية قد رُفعت فعلا ومن غير المرجح أن يُعاد فرضها؛ فقد اكتسب المحافظون الإيرانيون نقاطا سياسية يمكنهم استخدامها ضد خصومهم في الداخل.

وفي إيران، دأب التحالف القوي للقوى المعتدلة على الدعوة إلى سياسة خارجية أكثر دينامية، بدءا من الإصلاحيين والمنشقين إلى الجهات الفاعلة في المجتمع المدني. واحتراسا من نفوذ روسيا وغموض نوايا الصين، دعمت هذه القوى التوجه الغربي المستمر في العلاقات الاقتصادية والسياسية.

ودعا المعتدلون إلى سياسة خارجية حذرة وأكثر مسؤولية بشأن البرنامج النووي للبلاد، وسعوا إلى تعميق العلاقات مع الشتات الإيراني، على أمل أن تساعد علاقات أوثق في حل بعض التحديات الاقتصادية الإيرانية الأكثر تعقيدا.

فَهم المعتدلون الإيرانيون أن الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه مع المجتمع الدولي كان معيبا. ولكنهم أيدوه في نهاية المطاف، على أمل الاستفادة منه في فتح مزيد من آفاق الحرية في الداخل.

لقد وعد الرئيس الإيراني حسن روحاني بنسخة محلية من الاتفاق لتضميد الجروح السياسية داخل إيران، ومواصلة معالجة مشاكلها الاقتصادية. ويعكس هذا التعهد جهود روحاني الواسعة لتحدي وتقويض سلطة الحرس الثوري الإسلامي، التي تتجلى في سيطرته على مساحات واسعة من الاقتصاد الإيراني. والآن، ومع تحرك ترمب؛ أصبح جدول أعمال روحاني -بل وأجندة الائتلاف المعتدل بأكمله- معرضة للخطر.

إن الهدف النهائي للاتفاق -وهو إبطاء تخصيب اليورانيوم ووقف التجارب النووية- بدأ يؤتي أكله. ومهما كانت مشكلة ترمب مع الاتفاق، فمن الجدير بالذكر أنه لا يمكن لأي بلد إصلاح أمرٍ رَفَضَه؛ فرفضُ خطة العمل الشاملة لن يحُث النظام الإيراني إلا على استئناف الأنشطة التي كان من المفترض أن يراقبها أو يقلصها الاتفاق


كان معظم أولئك الذين دعموا الاتفاق النووي في الولايات المتحدة يدركون عيوبه أيضا، لكنهم اعتبروا الاتفاق فرصة لإشراك الإيرانيين الذين يعارضون المتطرفين المحافظين. واعتقد أنصار أميركا أن حيوية المجتمع المدني الإيراني ووسائل الإعلام الاجتماعية تبشر بالخير بالنسبة للبلاد، وأعربوا عن أملهم في أن تصبح إيران المنفتحة على الأسواق العالمية أكثر ليبرالية على الصعيد السياسي.

ويرى منتقدو الاتفاق أن تجارب إيران للصواريخ البالستية استمرت بلا هوادة بعد أن تم إصدار خطة العمل الشاملة. ولكن من الحماقة أن نعتقد أن الولايات المتحدة يمكن أن تقيد الأنشطة النووية والإقليمية في إيران من جانب واحد بمجرد انسحابها.

والواقع أن الهدف النهائي للاتفاق -وهو إبطاء تخصيب اليورانيوم ووقف التجارب النووية- بدأ يؤتي أكله. ومهما كانت مشكلة ترمب مع الاتفاق، فمن الجدير بالذكر أنه لا يمكن لأي بلد إصلاح أمرٍ رَفَضَه. ورفضُ خطة العمل الشاملة لن يحُث النظام الإيراني إلا على استئناف الأنشطة التي كان من المفترض أن يراقبها أو يقلصها الاتفاق.

إن تحدي ترمب لـ"خطة العمل الشاملة" سيدعم على الأرجح سلوكا فظيعا آخر. أحد الأسباب التي تدفع إيران لدعم المتشددين الراديكاليين الإقليميين -مثل المليشيات في اليمن وفلسطين ولبنان- هو الاعتقاد بأن المواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أمر لا مفر منه. إن قوى الوكالة -مثل حزب الله- هي من هذا المنظور أداة إما لردع العدوان أو للانتشار العسكري عندما يبدأ القتال.

صحيح أن وكلاء إيران لم يضعوا بنادقهم نتيجة للاتفاق النووي، لكن التوترات مع الولايات المتحدة تقلصت. والآن، ومع ترمب المتقلب الأطوار؛ عادت إمكانية المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، الأمر الذي سيقوي فقط عزم القوات الإيرانية بالوكالة.

إن إلغاء الولايات المتحدة الأحادي الجانب لخطة العمل الشاملة هو باختصار أسوأ الخيارات السياسية على الإطلاق. وبغض النظر عما يقوله ترمب؛ هناك كثير من الناس في إيران والولايات المتحدة يتقاسمون هذا الرأي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات