عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني

سلاح المقاومة
تشابه واختلاف
مقاربة واقعية 

تؤكد معطيات الأيام الأخيرة رغبة حركة حماس المضي قدما في المصالحة مع حركة فتح بدون شروط ولا معوقات، ووصلت الأمور أن حماس لن تمسك بمسؤوليات سياسية وإدارية ومالية، بل ستكتفي بحفظ سلاحها والتفرغ لموضوع المقاومة المسلحة، ثم بات يُذكر تكرار نموذج حزب الله اللبناني في قطاع غزة.

السطور التالية تناقش مدى واقعية هذا الطرح وماذا يعني بالضبط، وهل لدى حماس رغبة في تكرار نموذج حزب الله؟ وهل ستوافق السلطة الفلسطينية على ذلك وهي التي تعلن أن السلاح الشرعي هو سلاحها، ولا وجود للمليشيات المسلحة بما فيها جناح حماس العسكري؟

سلاح المقاومة
تؤكد حماس أن اتفاق المصالحة الأخير الموّقع في القاهرة مع فتح، لم يتطرق للحديث عن مستقبل سلاحها باعتباره موضوعا خارج نطاق المباحثات والمناقشات، لأنه سلاح مهمته الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ولم ينخرط في أحداث الانفلات الأمني، بل هو منضبط بعقيدة أمنية عسكرية مناطها مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

المواقف الداخلية والخارجية من سلاح المقاومة الفلسطينية لا بد من استحضارها عند تحليل التقديرات بشأن إمكانية استنساخ حماس لنموذج حزب الله في غزة، بديلا عن سيطرتها الكاملة على القطاع: إداريا وسياسيا وماليا، خاصة أن مستقبل سلاح الحركة كان إحدى الذرائع المهمة للسلطة الفلسطينية للتنصل من استحقاقات المصالحة


وفي الوقت ذاته، عبّرت فتح عن اتفاقها مع حماس على تأجيل البحث في مستقبل هذا السلاح، انطلاقا من قناعتهما المشتركة معاً بأن فتح السجال في هذا الملف كفيل بتفجير مباحثات المصالحة، نظرا لحساسيته وخطورته.

المصريون كذلك، لم يريدوا طرح هذا الموضوع على أجندة النقاش الثنائي بين الحركتين مرحلياً على الأقل، رغبة منهم في إنجاز اتفاق إطار لهذه المصالحة، على أمل أن تطمئن حماس للوساطة المصرية ثم يتم الدخول إلى القضايا الإشكالية، وعلى رأسها سلاح المقاومة.

إسرائيل من جهتها -وهي الفاعل الأخطر على الساحة الفلسطينية- أعلنت موقفا واضحا عقب توقيع اتفاق القاهرة، مفاده أن أي مصالحة لا تضمن نزع سلاح غزة لا قيمة له، وأعادت ذات مواقفها القديمة الجديدة التي تشير إلى مسؤولية حماس عن أي إطلاق للصواريخ يأتي من غزة.

هذه المواقف من سلاح المقاومة كان لا بد من استحضارها عند تحليل التقديرات التي أخذت انتشارا متزايدا في الأيام الأخيرة، حول إمكانية استنساخ حماس لنموذج حزب الله في غزة، بديلا عن سيطرتها الكاملة على القطاع: إداريا وسياسيا وماليا، خاصة أن مستقبل سلاح الحركة كان إحدى الذرائع المهمة للسلطة الفلسطينية للتنصل من استحقاقات المصالحة، في كل جولة من جولاتها التي شهدتها السنوات العشر الماضية.

صحيح أن حماس لم يصدر عنها حتى اللحظة ما يشير إلى رغبتها في تكرار نموذج حزب الله لديها في قطاع غزة، لكن هذا النموذج قد يغري الحركة لكونه يسيطر على البلاد دون أن يكون في الواجهة، أي يحظى بكونه القوة الضامنة لأي اتفاق أو معطلة لأي سياسة، دون أن يضطر لدفع أثمان مالية أو سياسية، وهو ما كان يُعرف سابقا في السياسة اللبنانية بصيغة "الثلث المعطل".

تشابه واختلاف
عند إخضاع نموذج حزب الله للواقع الفلسطيني في غزة، تظهر عدة أوجه شبه وتقارب، من بينها:

1- أن حماس والحزب قوتا مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، خاضتا حروبا ومواجهات ضارية ضده في السنوات السابقة، وباتتا تشكلان تحدييْن أمنييْن وتهديديْن عسكرييْن قاسييْن لإسرائيل.

2- تمتلك القوتان تنظيمين محكمين، وشبكة مؤسسات إدارية ومالية، ومجموعات ضغط اجتماعية، وتتوجان كل ذلك بمنظومة ترسانة عسكرية تسلّحية أقرب ما تكون إلى الجيش النظامي.

3- حماس والحزب يعيشان أجواء أمنية هادئة نسبيا تجاه علاقتهما مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي انسحب من الجنوب اللبناني أواسط عام 2000، ومن قطاع غزة أواخر 2005، وليس هناك احتكاك مباشر بينهما وبين الجيش الإسرائيلي إلا في زمن الحروب.

4- تشكل الحركتان -في نظر دول الإقليم والمجتمع الدولي- امتدادا لمحور تقوده إيران، خاصة بعد أن بدأت المياه تعود إلى مجاريها بين حماس وطهرانفي الآونة الأخيرة.

التشابهات بين حماس والحزب قد تعزز إمكانية نقل تجربة الأخير إلى غزة، عقب إجراء جملة تغييرات في كيفية الاحتفاظ بسلاح حماس، دون إثارة قلق باقي القوى الفلسطينية وحكومات الإقليم المحيط بها، خاصة في مصر وإسرائيل


هذه التشابهات بين حماس والحزب قد تعزز إمكانية نقل تجربة الأخير إلى غزة، عقب إجراء جملة تغييرات في كيفية الاحتفاظ بسلاح حماس، دون إثارة قلق باقي القوى الفلسطينية وحكومات الإقليم المحيط بها، خاصة في مصر وإسرائيل.

مع العلم بأن إسرائيل التي تواصل الإعراب عن مخاوفها المتزايدة من الترسانة العسكرية التي يملكها حزب الله، مطمئنة إلى قوة الردع التي حققتها تجاهه منذ حرب 2006، فمن حينها لم يطلق الحزب قذيفة واحدة باتجاه إسرائيل، وكذلك حماس التي أحجمت عن إطلاق الصواريخ منذ انتهاء الحرب الأخيرة على غزة 2014.

وفي المقابل، فإن هناك أوجه اختلاف -ولو أنها محدودة- بين حماس والحزب، أهمها:

1- حالة الاستقطاب الطائفي في لبنان الذي يحتوي على فسيفساء دينية ومذهبية بين مختلف شرائحه السكانية، ويُخشى عليه من شبح عودة الحرب الأهلية اللبنانية التي طحنت البلد أكثر من 15 عاما، وهو ما لم تعرفه غزة خصوصا وفلسطين عموما.

2- انخراط حزب الله في حروب بسوريا والعراق واليمن، مما ساهم في تآكل شعبيته داخل الأوساط العربية، وضرب سمعته التي حازها في الرأي العام العربي، لاتهامه بالتورط في سفك دماء مواطني دول عربية شقيقة، وهو ما لم تُقدم عليه حماس فبقيت محتفظة بتأييد شعبي عربي جارف.

3- لا يخفي حزب الله أن لديه أجندة "ما بعد لبنانية" وطنية داخلية، فقد أعلن مرات عديدة أنه يتبع نظام ولي الفقيه في إيران، ويقاتل في تلك البلدان تحت إمرة الحرس الثوري الإيراني، في حين أن حماس أظهرت وثيقتُها الأخيرة أن برنامجها السياسي وأجندتها الوطنية وسلاحها الذي تحوزه، مكرسة كلها لخدمة فكرتها المتمثلة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي داخل فلسطين وليس خارجها.

مقاربة واقعية
مع كل ذلك، سيبقى سلاح حماس -التي تعلن تمسكها به على مدار الساعة ويعلم الآخرون مدى حساسيته- بعيدا عن التداول التفاوضي إلى أجل مسمى، ولكن ليس إلى ما لا نهاية.

فنحن أمام رئيس فلسطيني لا يتورع عن رفضه لكل أساليب المقاومة المسلحة، وقد وصف صواريخ حماس"بالعبثية"، واعتبر المواجهات العسكرية التي خاضتها مع إسرائيل مغامرات غير محسوبة، ويؤكد جهارا نهارا أنه لن يعترف بأي سلاح خارج إطار المؤسسة الأمنية الرسمية، أي أنه يرى أن سلاح حماس غير شرعي وتجب مصادرته.

حتى لو وجد نموذج حزب الله استحباباً من بعض أوساط حماس، رغبة منها في الحفاظ على سلاحها، فإن هناك خشية من أن يبقى هذا السلاح -الذي دفعت الحركة مقابل امتلاكه الغالي والنفيس وقدمت شهداءها في سبيله إعداداً لمعاركها مع إسرائيل- محتفَظاً له في المستودعات، فيصبح سلاحا للعرض وليس للاستخدام


هذه القناعات يجب ألا تغيب عن بال الفلسطينيين عموما، وحماس خصوصا وهي في غمرة الاحتفال بتوقيع المصالحة، فالسلطة الفلسطينية لديها برنامج سياسي معلن يتخذ من المفاوضات طريقا أوحد للتوصل إلى حل سياسي مع إسرائيل، وليست على استعداد لاستخدام أوراق ميدانية للضغط على إسرائيل، ومنها المقاومة المسلحة.

أما وأن الأمور بهذه الصعوبة والتباعد بين البرنامجين السياسيين لطرفيْ المصالحة؛ فيبدو أن نموذج حزب الله في لبنان قد ترى فيه حماس وجاهة مبدئية بنقله إلى قطاع غزة، بحيث يبقى سلاحها في مستودعاته ومخازنه بعيدا عن التداول اليومي، فلا تستخدمه ضد إسرائيل بصورة انفرادية وأيضا لا تصادره السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، لأن ذلك من شأنه عودة الاحتراب الداخلي، وهو ما لا يريده الجانبان.

ومع ذلك، يبقى الموقف الإسرائيلي رافضا لأي وجود مسلح على حدوده الجنوبية مع قطاع غزة، فهو يدرك أن حماس ذهبت لهذه المصالحة دون أن تتخلى عن برنامجها السياسي القاضي بتحرير الأراضي الفلسطينية، وامتلاكها لهذا السلاح هو إحدى أدوات تطبيق هذا البرنامج، مما يعني إبقاء الضغط الإسرائيلي على السلطة الفلسطينية ومصر لنزع هذا السلاح، والكل يعلم ما هي وسائل إسرائيل في الضغط والتأثير والابتزاز!

أكثر من ذلك، إلى أي حد ستسلم السلطة الفلسطينية بوجود خصم سياسي لها يكدس السلاح في مخازنه ومستودعاته، وهي تدعي أنها السلطة الوحيدة ذات السيطرة الحصرية على الأراضي الفلسطينية، مما قد يبقي عوامل الاحتكاك بينها وبين حماس، ويكبح جماح استمرار حماس في إجراء تجاربها الصاروخية أو تدريباتها العسكرية، ولو على المدى الطويل.

الأخطر من كل ما تقدم، هو أنه حتى لو وجد نموذج حزب الله استحباباً من بعض أوساط حماس، رغبة منها في الحفاظ على سلاحها، فإن هناك خشية من أن يبقى هذا السلاح -الذي دفعت الحركة مقابل امتلاكه الغالي والنفيس وقدمت شهداءها في سبيله إعداداً لمعاركها مع إسرائيل- محتفَظاً له في المستودعات، فيصبح سلاحا للعرض وليس للاستخدام.

ورغم أن إسرائيل ستواصل تحذيرها من سلاح حماس كما تفعل اليوم مع ترسانة حزب الله؛ فإنها تعلم أن هذا السلاح قد لا يجد طريقه لمواجهتها بإبرام تهدئة طويلة الأمد برعاية مصرية، مما سيجعل الحركة مكبلة باتفاقيات يصعب عليها الفكاك منها، وإلا فإن البديل هو العودة إلى ما قبل اتفاق المصالحة الأخير، ودخول ذات المتاهة والمعاناة التي ألجأتها لهذه الخيارات الصعبة والمريرة!

المصدر : الجزيرة

التعليقات