عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

خطورة الاتفاقيات الفاشلة
محاولة المصالحة الأخيرة
أسباب استعجال الحوار
موضوع سلاح المقاومة 

شغلت حركتا فتح وحماس الشعب الفلسطيني على مدى سنوات، وحولتا اهتمامه عن القضية الفلسطينية، وغمرتا المواطن في مناكفات ومماحكات لا تسرّ إلا الاحتلال الصهيوني. وقد سبق للحركتين أن وقعتا اتفاقيات مصالحة في عدد من البلدان العربية، لكنهما فشلتا في تطبيق ما اتفق عليه.

كان قادة الحركتين يلتقون بأحضان دافئة وقبلات متبادلة وعبارات منمقة وربما أطعمة لذيذة، لكنهم بعد عودتهم إلى ربوع الوطن المكلوم يتبادلون التهم والتحقير، وكل منهم كان يقول للشعب الفلسطيني إن خصمه هو الذي لم يحترم الاتفاقيات.

ورغم ذلك، لم يسع الطرفان إلى تشكيل لجنة تحكيم لتحكم بشأن أيهما الأكثر تعديا على ما اتفق عليه. وهذا نذير شؤم آخر من حيث إنهما يهمشان الشعب الفلسطيني، ولا يعترفان بدور له في إدارة دفة شؤونه الداخلية؛ فلربما يخشى الطرفان الشعبَ.

خطورة الاتفاقيات الفاشلة
في كل مرة تلتقي فيها فتح وحماس؛ تنطلق التصريحات السياسية المتنوعة من مسؤولين في الحركتين بشأن النوايا الصافية، وجدية الموقف والإصرار على إنهاء الانقسام الفلسطيني، ومع هذه التصريحات ينبري إعلام الحركتين -ومعه إعلام عربي- لبث برامج عن المصالحة الفلسطينية المنتظرة والآفاق الفلسطينية الجديدة التي ستنبلج.

في كل مرة تلتقي فيها فتح وحماس؛ تنطلق التصريحات السياسية المتنوعة من مسؤولين في الحركتين بشأن النوايا الصافية، وجدية الموقف والإصرار على إنهاء الانقسام الفلسطيني، ومع هذه التصريحات ينبري إعلام الحركتين -ومعه إعلام عربي- لبث برامج عن المصالحة الفلسطينية المنتظرة والآفاق الفلسطينية الجديدة التي ستنبلج


كان السياسيون والإعلاميون يصنعون أجواء عالية التوقعات ممنية الشعب الفلسطيني بالخير القادم واللُّحمة الوطنية الصادقة. كان منسوب التفاؤل يرتفع بصورة حادة، وكنت تجد الشارع الفلسطيني مبتسما فرحا بذلك الذي سيحصل قبل حصوله. لكن الأمور لم تكن تجري وفق المعطيات الإعلامية ولا وفق التصريحات السياسية المتفائلة والواعدة؛ فبعد شهر أو شهرين من إعلان اتفاق المصالحة تنقلب الأمور ولا يجد الشعب الفلسطيني طحينا.

هذه سيرة خطيرة على الشعب الفلسطيني؛ فليس من السهل أن ترفع درجة التفاؤل عند الناس ثم تلقي بهم الأرض محبطين بصورة مريعة. هذا عمل يؤدي إلى تطور أزمات نفسية وإلى انخفاض في المعنويات، وإلى مزيد من المناكفات بين الناس أنفسهم، ومزيد من الانقسامات التي تنتهي إلى تفسخ اجتماعي وكفر بالوطن والوطنية.

وواضح أن الفصيلين لا يستشيران خبراء في التربية وعلم النفس، وليس لديهما أدنى حد من المسؤولية حيال أهمية التوازن النفسي والاستقرار المعنوي لدى الناس. وهذا ليس غريبا من حيث إننا لم نجد في التاريخ الفلسطيني من يقدّر أهمية التماسك الاجتماعي والصلابة المعنوية، ويتخذ السياسات المناسبة لتعزيز العمل الجماعي والتعاون المتبادل والثقة المتبادلة.

دائما هناك أبو العرّيف الفلسطيني والمماثل لأبي العرّيف العربي الذي لا يترك قولا لقائل بسبب معارفه التي لا يحيط بها أحد. ولذا كان وقع فشل الاتفاقيات ثقيلا على الشعب الفلسطيني، ودحره دائما إلى زوايا الإحباط ومشاعر الضعف والضعة والهوان والاستثناء.

محاولة المصالحة الأخيرة
يدور الآن حوار بين فتح وحماس في القاهرة بعد أن كان قد بدأ في قطاع غزة. لم يرشح شيء جوهري حتى الآن عن جدول أعمال الحوار، ولم يُدل أحد بتصريحات حول ما تم الاتفاق عليه أو حول نقاط الخلاف. وكل ما تم نقله -عبر وسائل الإعلام- يتلخص في تبادل عبارات المجاملة بين الطرفين، والتعبير عن العواطف الجياشة الخاصة بالحرص على الوطن والمواطنين.

الناس متفائلون جدا، ووسائل الإعلام الفلسطينية لا تترك فرصة إلا وضخت فيها المزيد من التفاؤل في نفوس الناس، دون حذر من احتمالات الفشل.

إن أهم ما في هذه المحاولة الجديدة أنها برزت على السطح فجأة، وتم الترتيب لدخول حكومة رام الله إلى غزة على عجل، وجرت نشاطات الاستقبال والترحيب على السريع، وظهرت اللقاءات بين مسؤولي الحركتين وكأن شيئا لم يكن.

وقد تم تبرير هذه السرعة في إنجاز العبور إلى غزة بناء على أن الولايات المتحدة قد أعطت الضوء الأخضر لرئيس السلطة الفلسطينية (غير الشرعي) للتصالح مع حماس، وأن الكيان الصهيوني قد أغمض عينيه ومنح وفد الضفة الغربية تسهيلات لدخول الأرض المحتلة عام 1948 والعبور إلى غزة.

وهذا بالتحديد ما أثار الكثير من التساؤلات حول هذه المحاولة وما إن كان هناك شيء يطبخ لغزة؟ إذ كيف للولايات المتحدة أن تعطي ضوءاً أخضر، وللكيان الصهيوني أن يغمض عينيه في حين لا تزال غزة تمتلك سلاحا بهدف مقاومة الاحتلال الصهيوني؟

ومن المعروف أن الحصار مضروب على غزة بسبب وجود مقاومة فلسطينية، وسبق أن صمدت في وجه ثلاث حروب صهيونية وأفشلت جيش الكيان. لو لم تكن هناك بندقية فلسطينية في غزة تستعد لمواجهة الاحتلال ومقاومته لما ضرب العرب والغرب والصهاينة حصارا عليها، ولما ضيقوا على الناس حياتهم ومعيشتهم.

لقد مارست أطراف الحصار إرهابا ضد سكان غزة على أمل أن يهبوا ضد حركة حماس ويسقطوها، وتعترف غزة بعد ذلك بالكيان الصهيوني وتقبل شروط الرباعية الدولية. وعندها يمكن التوصل إلى اتفاقية استسلام تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة، ويبقى الفلسطينيون وفقها حراسا على مملكة الصهاينة.

أسباب استعجال الحوار
لم تكن الولايات المتحدة ولا الكيان الصهيوني متحمسين سابقا للقاءات حماس وفتح، بل كانا سريعيْ التعليق سلبا على الحوارات التي كانت تتم. اختلفت الأمور هذه المرة؛ فما الذي حصل ولماذا؟ هناك عدة أسباب أذكر أهمها:

إن أهم ما في محاولة المصالحة الفلسطينية الجديدة أنها برزت على السطح فجأة، وتم الترتيب لدخول حكومة رام الله إلى غزة على عجل، وجرت نشاطات الاستقبال والترحيب على السريع، وظهرت اللقاءات بين مسؤولي الحركتين وكأن شيئا لم يكن


أولا
: يشعر الكيان الصهيوني بضيق شديد نظرا لتطورات الأوضاع في الوطن العربي وخاصة في العراق وسوريا. الصهاينة والأميركيون يشعرون بأنهم هزموا في معركة تغيير وجه المنطقة وفق ما يرغبون، بل إن ما حصل يشير إلى هزيمة مشاريع التفتيت الجديدة، ومشاريع احتضان الكيان ليصبح جزءا لا يتجزأ من المنطقة.

والاحتمال كبير في بلورة محاور عسكرية ضد الكيان مما يضعه في خطر وجودي. لم يعد الكيان أمام جبهة عسكرية واحدة في جنوب لبنان، وإنما هو يرى جبهة جديدة تتشكل في الجولان، وجبهة أخرى صعبة للغاية في حوض اليرموك ويمكن أن تهدد النظام الأردني. وحيث إن غزة يمكن أن تشكل جبهة أخرى في مواجهة الكيان فيما إذا نشبت حرب، فإنه من الأفضل احتواؤها ونزع سلاحها أو تحييدها على الأقل.

قدّر الصهاينة والأميركيون أن شدة الضغط على غزة تولد الانفجار، ومن المحتمل أن يحصل ذلك في وجه الكيان وليس في وجه حركة حماس. أي أن الهدف هو احتواء حركة حماس ومجمل المقاومة الفلسطينية الغزّية، وجرّ حماس للاعتراف بشروط الرباعية الدولية التي تنظر إلى الفلسطينيين على أنهم هم الذين يحتلون الكيان الصهيوني وليس العكس.

ثانيا: هناك نشاطات تقارُب بين حماس ومجمل المقاومة الفلسطينية الغزية من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى. محور إيران يكتسب قوة واضحة من حيث الإنجازات التي تم تحقيقها في العراق وسوريا، وبسبب التقارب مع كل من روسيا وتركيا.

حلفاء الغرب ازدادوا ضعفا، ودول التحالف العربي والرباعية العربية (المتمثلة في مصر والسعودية والأردن والإمارات) مصابة بالدوار، بسبب الأزمات التي أدخلت نفسها فيها باليمن وضد قطر ودول الحراك العربي.

هذا المحور -الذي بات يشمل عددا من الدول ولو بصورة غير رسمية- يشكّل إغراء كبيرا للفلسطينيين، ولا مفر أمام حماس إلا أن تبحث لنفسها عن مخرج من خلاله. علما بأن هذا المحور هو الذي يملك الشجاعة الكافية لتمويل الحركة ومدّها بالسلاح والإشراف على تدريب العناصر، وتقديم المعلومات العلمية والتقنية اللازمة لتطوير الأسلحة في غزة.

قد يقدم المحور الآخر بعض المال، لكنه لا يجرؤ على تحدي الكيان الصهيوني. يرى الصهاينة والأميركيون الآن أن المصالحة بين فتح وحماس قد تقطع الطريق على تقارب حماس وإيران، وهو تقارب بات واضحا وبدون شروط إيرانية على المقاومة الغزية.

موضوع سلاح المقاومة
تقول حماس إن موضوع السلاح لم يتم فتحه حتى الآن على طاولة الحوار، وتضيف -على لسان عدد من مسؤوليها- إنها لن تقبل الحوار حوله، وسلاح المقاومة سيبقى ولن يتم التخلي عنه مهما بلغت الضغوط. فإذا كانت المقاومة ستحتفظ بالسلاح فإننا نتوقع رد فعل صهيونيا وأميركيا.

تقول حماس إن موضوع السلاح لم يتم فتحه حتى الآن على طاولة الحوار، وتضيف -على لسان عدد من مسؤوليها- إنها لن تقبل الحوار حوله، وسلاح المقاومة سيبقى ولن يتم التخلي عنه مهما بلغت الضغوط. فإذا كانت المقاومة ستحتفظ بالسلاح فإننا نتوقع رد فعل صهيونيا وأميركيا


إن الحصار ضُرب أصلا على غزة بسبب وجود سلاح المقاومة، وإذا بقي سلاح المقاومة فإن الحصار سيبقى ولن تتمكن السلطة الفلسطينية من اتخاذ إجراءات للتخفيف، بسبب ما يمكن أن تتعرض له من إجراءات عقابية أميركية وصهيونية. إن السلطة الفلسطينية لا تملك إرادة سياسية حرة في هذا المجال، وسبق أن امتثلت للعقوبات أيام تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية قبل سنوات. أي أننا سنعود إلى المربع الأول.

من المحتمل أن يقدّم المعنيون بالأمر بعض الإغراءات للناس في قطاع غزة فيخففوا مؤقتا الحصار. ومن الوارد أن يبدأ الضغط على حماس للتخلي عن السلاح بعد أن يشعر الناس في القطاع بنعيم التخفيف. ومن المتوقع أن يتصاعد ضغط الشارع الغزي على المقاومة إن شعر بالاسترخاء والنعيم، لما في عودة الحصار المطبق من آلام ثقيلة.

ليس من السهل على من استرخى بعد توتر شديد أن يعود إلى ذاك التوتر المؤلم. وإذا تحرك الناس ضد سلاح المقاومة فإن الشارع الفلسطيني سيشهد أحزانا جديدة ومؤلمة. والأمر في النهاية معقود على قدرة حماس التكتيكية من الناحية السياسية؛ فهل لديها القدرة والحذاقة السياسية الكافية للالتفاف على أي طبخة سياسية يتم تحضيرها الآن ضد قطاع غزة؟

ستتحدث السلطة الفلسطينية عن السلاح الشرعي باعتبار أن سلاحها هو السلاح الشرعي الوحيد. وهنا أشير إلى أن هناك ثلاثة أنواع من السلاح في الضفة الغربية وغزة، وهي: الأول سلاح السلطة وهو غير شرعي لأنه مرخَّص صهيونيا، وكل سلاح متوفر بإذن صهيوني لا يمكن أن يكون سلاحا فلسطينيا شرعيا وهو موجود للدفاع عن الأمن الصهيوني.

والثاني سلاح الزعران والشبيحة وهو سلاح غير شرعي أيضا لأنه موجه ضد الفلسطينيين، ويتم استخدامه لإرهابهم والاستعراض في الأعراس والمهرجانات، والثالث سلاح المقاومة الفلسطينية وهو السلاح الشرعي الوحيد الذي يدافع عن الفلسطينيين.

المصدر : الجزيرة