كريستوفر ر. هِل

كريستوفر ر. هِل

​مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق

سيُذكَر دائما خطابُ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ خاصة لغته الغريبة حين وصف كوريا الشمالية بأنها "لئيمة"، وإيران بأنها "قاتلة"، وكوبا وفنزويلا بـ"الفاسدتين". وإضافة إلى مناداة الدول الأعضاء بالجاحدة، قدم ترمب أيضا دفاعا قويا عن سياسته المعروفة بـ"أميركا أولاً".

ولكن بينما كان اختيار ترمب الخاص للكلمات جديدا بالنسبة للأمم المتحدة، فإن حججه لم تكن كذلك. فقد أشار -مع بعض المبررات- إلى أن البلدان الأخرى أيضا تعطي الأولوية لمصالحها الوطنية الخاصة. وكرر شكوى قديمة داخل دوائر السياسة الخارجية الأميركية من أنه مفرط وغير عادل أن نتوقع من دافعي الضرائب الأميركيين أن يدفعوا 22% من إجمالي ميزانية الأمم المتحدة.

وقال ترمب -بعد أن دعا الجمعية العامة إلى القيام بدورها في تنفيذ العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية ومن ثم تطبيقها على أرض الواقع- "دعونا نرى كيف سيفعلون ذلك". ولكن إشارته إلى الأمم المتحدة بالجمع الغائب "هم" يعني أنها منفصلة عن الولايات المتحدة.

ذكر ترمب في خطابه الأممي مساهمات أميركا العديدة في العالم، قائلا إنها تدافع عن الأمم المتحدة لصالح البلدان الأخرى التي هي في حاجة إلى منتدى دولي من هذا الحجم. ولم يتحمل أي مسؤولية أميركية عن نجاحات الأمم المتحدة أو إخفاقاتها أو حتى إنجازاتها


كانت نبرة ترمب مثل مستأجر غير راض، يلقي اللوم على المالك بسبب حالة إصلاح منزله السيئة. ولكن الأمم المتحدة في حالة جيدة مثل أولئك الذين يعيشون فيها، بمن فيهم الولايات المتحدة نفسها.

وذكر ترمب في خطابه مساهمات أميركا العديدة في العالم، قائلا إنها تدافع عن الأمم المتحدة لصالح البلدان الأخرى التي هي في حاجة إلى منتدى دولي من هذا الحجم. ولم يتحمل أي مسؤولية أميركية عن نجاحات الأمم المتحدة أو إخفاقاتها أو حتى إنجازاتها.

ولكن بالإضافة إلى مساهمتها أكثر من أي بلد آخر في ميزانية الأمم المتحدة، فإن الولايات المتحدة تلعب أيضا دورا ضخما داخل المؤسسة. وهكذا يمكن للولايات المتحدة أن تدعي الفضل في نجاحات الأمم المتحدة، ولكنها مسؤولة أيضا عن العديد من إخفاقاتها.

ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد أمين عام للأمم المتحدة يتولى منصبه دون دعم أميركي. وباعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، تتمتع الولايات المتحدة بحق الفيتو على أي إجراء للأمم المتحدة، بما في ذلك العقوبات، ونشر قوات حفظ السلام، والإدانات الرسمية للدول الأعضاء الأخرى. وحتى لو كانت البيروقراطية المؤسسية الكبيرة للأمم المتحدة غير عملية أحيانا، فإن فعاليتها تعتمد في النهاية على أعضائها الأكثر نفوذا.

كما يجب الأخذ بعين الاعتبار الصراع البوسني في أوائل التسعينيات عندما قرر مجلس الأمن إرسال قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة بدلا من نشر قوات متعددة الأطراف، كما كان مسموحا به بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد أصرت المملكة المتحدة وفرنسا -اللتان ساهمتا بالجزء الأكبر من قوة حفظ السلام تلك- على إيجاد أمر لحفظ السلام، لأنهما لا ترغبان في تعريض قواتهما للأذى. وقد رفضت الولايات المتحدة من جانبها المساهمة بأية قوات إطلاقا، ولذا لم يكن لها الحق في المطالبة بتفويض أقوى كان من شأنه أن يسمح لقوات الأمم المتحدة بالتدخل لوقف العنف.

اعترف خطاب ترمب المعقَّد والبائس بأن الأمم المتحدة تقدم إسهامات قيمة من أجل السلام العالمي، عبر بعثات حفظ السلام وغيرها من أشكال المساعدة. وفي أحيان كثيرة يتم هذا العمل في بلدان نائية، حيث مشاركة الولايات المتحدة المباشرة غير مستحبة بالنسبة لكثير من الناخبين السياسيين الأميركيين


ورغم أن العديد من الأميركيين شاهدوا المجازر من غرف جلوسهم، وأرادوا من الأمم المتحدة بذل المزيد من الجهود لوقف ذلك؛ فإنه لم يكن لديهم ولا لدى قادتهم -أولاً جورج بوش الأب ثم بيل كلينتون- أي نية لإرسال قوات أميركية لتكون ضمن قوات حفظ السلام البوسنية. والنتيجة -كما نعلم الآن- هي استمرار القتل، وأحيانا أمام أعين قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي لم تمنحها بلدانها صلاحية كافية للتدخل.

وعندما وضع اتفاق دايتون -بقيادة الولايات المتحدة- حدا للحرب في ديسمبر/كانون الأول عام 1995؛ كانت منظمة الأمم المتحدة فقدت مصداقيتها في عمليات حفظ السلام بشكل كامل، بحيث أرسلت قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتحل محل قوات الحماية الدولية.

وبعبارة أخرى، عندما تطلب الأمر مقاتلين أوفدت الأمم المتحدة قوات حفظ السلام؛ وعندما دعا الوضع إلى حفظ السلام أرسلت مقاتلين. ولا علاقة لهذا الخلل الفاضح بالأمم المتحدة، بل كان نتيجة مباشرة لقرارات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وحتى خطاب ترمب المعقَّد والبائس اعترف بأن الأمم المتحدة تقدم إسهامات قيمة من أجل السلام العالمي، عبر بعثات حفظ السلام وغيرها من أشكال المساعدة. وفي أحيان كثيرة يتم هذا العمل في بلدان نائية، حيث مشاركة الولايات المتحدة المباشرة غير مستحبة بالنسبة لكثير من الناخبين السياسيين الأميركيين.

إن الأمم المتحدة أبعد ما تكون عن الكمال؛ ولكن بدلا من إبعادها، يجب على القادة الأميركيين -بدءا من ترمب- أن يعوا أن أعمالها وقراراتها غالبا ما تكون امتدادا لمواقفهم هم وقراراتهم.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات