توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

لا نستورد هنا مفاهيم غربية غريبة على مجتمعاتنا، ولا نبرر تعامل الغرب -المستعمر غير المباشر- معنا وما يفعله المحتل الإسرائيلي المباشر بنا..بل نعود للقول المأثور "كما تكونوا يول عليكم". ولمن يشككون في نسبة هذا الحديث للرسول صلى الله عليه وسلم، نذكّر بالآية الكريمة "وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضا" (سورة الأنعام 129).

وكون قادة العالم -وكلهم الآن غربيون- ومعهم بعض من شعوبهم، يرون ما يجري لحقوق المواطن العربي مما لا يمكن أن يقبل في الغرب، ولا يستفز الغالبية الساحقة من الجسم الشعبي العربي.. فهم محقون في أن يعتقدوا أن ممارسات كهذه "تبدو مناسبة" للشعوب العربية. وسبق للرئيس الأسبق بيل كلنتون أن قالها صراحة في وجهنا، ولم يردّ عليه غيري ومن عقر داره في أميركا، ولكن ليس هنا مجال سرد هذه القصة.

فموقف الغرب من حقوقنا يتبدى في مواقفه تجاه المجازر الصهيونية الجارية بحق الفلسطينيين تحت الاحتلال، والتي ترقى لإعلان أن تولّي أمورنا له معايير ومساطر مختلفة. ونحن من يؤكد ذلك الاختلاف وصولا لحق الحياة ذاته كما نطبقه داخل أسرنا، أي على "عوائلنا"، وتساندنا قوانيننا التي صاغتها "حكوماتنا" وصوّت عليها "نوابنا" وتنفذها أجهزتنا "الأمنية" وليس أجهزة احتلال قمعية، وتصدر بها أحكام قضائنا لا أقل.. ما يسهل أن تمر إجراءات قمعية تصل لقتل فلسطينيين باسم "أمن المستوطنين والمستوطنات" في أرضهم المحتلة، بل وباسم أمن جيش الاحتلال ذاته المسمى "جيش الدفاع الإسرائيلي"، باعتبارنا كعرب ومسلمين، قَتَلة!

جاء الإسلام فمنع وأد البنات خوفا على الشرف، ولكن غلاة الداعين له، ومنهم شيوخ ومفتون رسميون في دول مسلمة، وليس فقط من يزعمون إقامة الدولة الإسلامية الآن (داعش)، يغضّون الطرف عن قتل أية أنثى من أهل بيت القاتل بمن فيهم أمّه بزعم "جرائم شرف". وفي كل الحالات هو قتل "غير شرعي" لكون سلطة القضاء في الإسلام، كما في الدولة المدنية، للدولة وليس للعائلة.

جاء الإسلام فمنع وأد البنات خوفا على الشرف، ولكن غلاة الداعين له، ومنهم شيوخ ومفتون رسميون في دول مسلمة، وليس فقط من يزعمون إقامة الدولة الإسلامية الآن (داعش)، يغضّون الطرف عن قتل أية أنثى من أهل بيت القاتل بمن فيهم أمّه بزعم "جرائم شرف"
ويُثبتُ هذا حكم "اللعان" الذي يعتبر أول قانون منع للجريمة، وتحديدا المسماة "جريمة العاطفة" (فلا يعاقب في الإسلام في هذه الحالة إلا الطرف المعترف بالزنا)، إذ لم تكن هذه الجريمة معرّفة في شرائع العالم حينها وكان الإسلام أول من تنبه لها.. ولعل من حكمة "اللعان" أنه جاء أيضا لأغراض اجتماعية وأخلاقية لمنع استسهال التراشق بتهمة مجرّمة دينيا واجتماعيا بوزن الزنا. واشتراط الشرع وجود أربعة شهود باكتمال فعل الزنا في حكم اللعان كما في إثبات جريمة الزنا بصفة عامة، وكونه إن جيء بثلاثة شهود دون رابع يُدان الثلاثة بالقذف ويجلدون، وهو حكم رادع يجري تجاهله في خطب الوعاظ على كثرتها.

ومع أن جرائم الشرف تستند على أعراف وحساسيات اجتماعية وليس على أسس شرعية، فالمؤسف أن يقبل -كبينة تدين القتيلة وتخفف الحكم على القاتل- ثبوت أن القتيلة ليست عذراء.. فلا يُعرف إن كان قتل الضحية للتستر على جرائم اغتصاب محارم، والذي بعضه ثبت ووثق رغم قصور التحقيق، بما يعني أن المغفل أكثر بكثير.

والأعجب -في حالنا العربي- صدور أحكام من قبيل إعفاء مغتصب طفلته ذات الأربع سنوات في بلد مسلم مما أدى لوفاتها والحكم لأمها بـ"الديّة"، والاكتفاء بفترة توقيف الأب للتحقيق! وفي الأردن ظلت تؤرقني -لذاتها ولما أشرت عليه من حال قوانيننا، بل وقضائنا- جريمة زوجين مصريين جاءا إلينا للعمل كما للزواج الذي كانت أسرتاهما تعارضانه، فقاما بقتل ابنتهما ذات الأشهر المعدودة.. والصادم أن الحكم جاء "مخففا" بسجن في حدود السنتين للأب القاتل، وأقل منه للأم المتواطئة على القتل، بذريعة "كونه ولي أمر القتيلة"! مع أن هذا كان يجب أن يغلظ الحكم وصولا للإعدام في أي بلد يحكم بالإعدام في جرائم القتل العمد لأبرياء. كما أنه لا يجوز -أمنيا- أن يترك مرتكب جريمة كهذه طليقا. فمن قتل طفلته لأنها عبء على حركة الأبوين، سيقتل أي غريب لسبب أتفه!

الذي كشفته تلك الجريمة بصورة جارحة، هو نظرة مشرعينا وبعض قضائنا لجرم ينهي حياة إنسان، وهي نظرة تصطدم بالتعريفات العالمية، وقبلها بالتعريفات الإسلامية؛ فقد توالت أحكام تخفف من عقوبة قاتل امرأة من أهل بيته أو زوجته، لكون أهلها (أبويها أو أخوتها) أسقطوا "حقهم الشخصي"! ففي أية شريعة أرضية أم سماوية، من شريعة حمورابي ووصولا لشرع الله في آخر الرسالات السماوية، أصبح "حق الحياة"، هذا الحق الرئيسي الذي تنبثق منه كافة الحقوق الإنسانية وحقوق المواطنة وحقوق الشعوب والأقوام والأعراق، ملكا للوالدين وللأخوة يسقطونه عن أي قاتل، حتما باعتبار أن الأخير خلّصهم من تلك البنت أو الأخت؟! أليس هذا عودة للوأد؟ ألا يعتبر إسقاط كهذا يتكرر، مؤشرا على تواطؤ على القتل؟!

"داعش" نتاج الردة الجديدة التي تستسهل التجاوز على كل الحقوق، ابتداء بحقوق المرأة والطفل والحقوق المتعلقة بالأعراض وحق الحياة؛ ولكن في الطريق إلى داعش هنالك ممارسات متوطنة بدرجة سهلت مهمة داعش
ألا يوجب -بالحد الأدنى- وتحديدا في مجتمعات محافظة حريصة على الأخلاق والشرف بمفهومه المتضمن في هذه الجرائم، إجراء تحقيق أكثر عمقا لتبين إن كان حصل تواطؤ للتغطية على أبشع جريمة شرف يمكن أن ترتكب، والتي هي زنا المحارم أو حتى اغتصاب المحارم؟! وماذا عن أطفال المرأة الضحيّة، أصحاب الحق الأول في حياتها، الذين يصبحون أيتام الأم؟! ألا يتوجب إيداع قاتل أمهم السجن لحين بلوغهم سن الرشد، ليسألوا إن كانوا سيسقطون حقهم عمن حرمهم حنان أمهم أم لا؟
فحقوق القاصر المالية يجري تشدّد في قبول التصرف بها مهما كانت يسيرة، أليس حق الأمومة أغلى من أي تركة؟ ألم يترك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم امرأة اعترفت طوعا بالزنا فقال لها "لعلك..." مكررا حالات ما دون اكتمال الفعل، لحين قدمت له البينة بكونها حاملا، فتركها بلا عقوبة حتى وضعت حملها، ثم لحين أرضعته، ثم لحين "أنشأته".

في الأردن، حيث الحديث الرسمي عن أولوية "الأمن والأمان"، اقتُرفت في عشرة أشهر مضت، خمسة وعشرين جريمة تتظلل بمظلة جرائم الشرف، وكأن حق الإنسان في الحياة ملك لآخرين يمكنهم أن "يتنازلوا" عنه، فتخفض عقوبة القاتل للنصف أو أقل، وهو أمر يشبه ما كان قائما في زمن العبودية! وهو ما أدى لاستسهال جرائم كهذه لدرجة أن شابا قتل شقيقته بعدة طعنات في شارع الجامعة الأردنية بسبب "خلافات عائلية"، أخذ كرسيا وجلس عليه إلى جانب جثة شقيقته (شَرفِه!) الملقاة على أرض الشارع المزدحم بالسيارات والمارة الذين لم يتطوع أي منهم لوقفه عن إتمام جريمته.. جلس وكأنه في متنزه يستمتع بالمشهد!

القوانين ليست مجرد تسليك إداري، بل هي تنظيم للحقوق وتجسيد لقيم المجتمع تبين درجة رقيه؛ ولهذا يضطلع المنتخبون من الشعب بـ"السلطة التشريعية". وحسنا فعلت السلطة الفلسطينية بإلغاء عذر "جرائم الشرف". ولكن يبقى أن تلغي كل أشكال العسف التي تتعامل به مع شعبها الواقع تحت الاحتلال باسم الأمن والسلام الغائبين، جمعا كما يجري لأهل غزة، وفرادى كما يجري لكل نشطاء مقاومة الاحتلال أو من يتصدون لهدم بيوت الفلسطينيين ولبناء المستوطنات. فهذا العسف هو الشق السياسي لجرائم الشرف التي باتت تعني عكس مسمّاها، إذ تحولت عن استهداف من تعدى على حرمة العائلة أو العشيرة أو الوطن، لاستهداف الضحية!

"داعش" نتاج الردة الجديدة التي تستسهل التجاوز على كل الحقوق، ابتداء بحقوق المرأة والطفل والحقوق المتعلقة بالأعراض وحق الحياة؛ ولكن في الطريق إلى داعش هنالك ممارسات متوطنة بدرجة سهلت مهمة داعش. لهذا فالغريب ليس ظهور "داعش"، الغريب أن ظهورها تأخر.. والأغرب أن نرى ما أوصلتنا إليه ممارسات كهذه في نظر العالم وتصنيفاته الظالمة لنا، ولا نتوقف لنعيد النظر فيما "نظلم أنفسنا" به.

المصدر : الجزيرة