محمد هنيد

محمد هنيد

​أكاديمي وباحث تونسي

نشأة الصورة وبناؤها
النظام الاستبدادي العربي
أخطاء كثيرة

مثّلت ثورات الشعوب الأخيرة فرصة نادرة لقراءة كثير من القناعات الفكرية لدى "النخب العربية" التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بالنظام الاستبدادي، سواء في التحامها به أو في ادعائها معارضَتَه.

فبقطع النظر عما حققه ربيع الشعوب من مكاسب وما خلفه وراءه من دمار؛ فإن قيمة المنجز الثوري تتجلى أوضح ما تتجلى على مستوى كشف الكثير من القناعات وتعرية كمّ هائل من المسلمات. ولا يقتصر الكسب هنا على الدول التي عرفت ثورات سلمية أو مسلحة، بل يشمل كل المنطقة العربية بما فيها الدول التي لم يشملها ربيع الشعوب.

إنّ عملية بناء صورة العربي المسلم وتمثّله ذهنيا والتعامل معه بناء على هذا التمثل هي واحدة من أهم مكاسب معركة الوعي القاعدي والنخبوي. فمن بين كل الصور والتمثلات تشكل صورة الخليج وأهل الخليج في المخيال العربي نموذجا هاما للقراءة والتأمل، من أجل فهم الجذور العميقة التي تقف وراء هذه الصورة السلبية أو المحرّفة عن الخليج العربي بشكل عام.

نشأة الصورة وبناؤها
مثّل الخليج -منذ بداية القرن العشرين وخاصة مع تشكل الدولة العربية الإقليميةـ مركزا أساسيا من مراكز الثقل عربيا وإسلاميا، رغم صعود مراكز القوى الجديدة في مصر مع انقلاب الضباط الأحرار على المَلكية، أو في بلاد الشام مع تصفية المَلكيات وتفعيل دور العسكر ومغامراتهم.

انطلاقا من هذه اللحظة المفصلية والخطيرة؛ بدأت تتشكل النواة الأولى لصورة الخليج العربي في مخيال بقية العرب، وخاصة من النخب الأيديولوجية التي ستتسلم مقاليد السلطة في أكثر من بلد، وأساسا القيادات المتدثرة بلبوس "القومية".

تميزت اللحظة بتغيير قسريّ في المسار الطبيعي لحركة التحرر الوطني من قبل القوى الاستعمارية، التي دفعت بمجموعة من المغامرين إلى هرم السلطة لتضمن عقودا من التخلف والاستبداد ومن النهب المقنن للثروات. أي أنّ الأنظمة العسكرية الاستبدادية كانت الوسيلة الاستعمارية الجديدة لمنع بلوغ مسار التحرر الوطني النقطة التي من أجلها انطلق، وهو أمر لا يُعفي بقية الأنظمة الوراثية من مسؤولية التفكك العربي اللاحقة.

خلال هاته الفترة؛ كانت الفكرة القومية في أوج عنفوانها خاصة في مصر التي نجحت في استقطاب وعي الملايين، وفي احتكار أسباب الفعل العربي ووسائله النظرية، مثل فكرة العروبة والتقديمة والتحرر والوحدة... وغيرها من الشعارات التي تكشفت عن أشد الأنظمة القمعية تسلطا وانفردا بالرأي وبالحكم.

قيمة المنجز الثوري العربي تتجلى أوضح ما تتجلى على مستوى كشف الكثير من القناعات وتعرية كمّ هائل من المسلمات. ولا يقتصر الكسب هنا على الدول التي عرفت ثورات سلمية أو مسلحة، بل يشمل كل المنطقة العربية بما فيها الدول التي لم يشملها ربيع الشعوب

لقد كان المشهد السياسي العربي ولا يزال مقسما -على مستوى التمثيل السياسي- بين أنظمة عسكرية من جهة أولى وأنظمة وراثية من جهة ثانية، رغم بعض الاستثناءات التي لا تكاد تغير بنية المشهد العام.

ثلاثة عناصر أساسية حددت طبيعة الصورة التي رسمها النظام الاستبدادي العربي ونخبه عن الخليج العربي المسلم، وهي صورة ساهمت دول الخليج نفسها في ترسيخ بعض مكوناتها عن قصد أو عن غفلة:

يتمثل العنصر الأول في موروث "الاستشراق الكولونيالي" عن أهل المشرق عامة وعن الخليج خاصة، وهو موروث سلبي صوّر العرب والمسلمين في هذه المنطقة في أبشع صور، مستفيدا من انتشار الوعي التلفزي والسينمائي لترسيخ هذه الصورة.

وليس كتاب "الاستشراق" للفلسطيني إدوارد سعيد إلا خير مرجع على الاستشراق الاستعماري المعرفي الذي وضع الأسس الأولى لصورة العرب والمسلمين، مستفيدا من تاريخ المدّ والجزر بين الشرق والغرب في المشرق بشكل خاص.

أما العنصر الثاني فيتجلى في الطفرة النفطية والغازية التي عرفتها هذه الدول خلال أواسط القرن الماضي، وهي طفرة قلبت كل المعادلات الإقليمية والدولية، وحددت بدرجة كبيرة مصير المنطقة ومصير مجالها. لقد جلبت الثورة النفطية الحضور الاستعماري مشرقيا باعتبارها مصدرا أساسيا من مصادر الطاقة في العالم، وهو ما جدد الأطماع الخارجية وشجع على فكرة ترسيخ الحضور العسكري الدائم فيها.

ثم إن الطفرة النفطية وما راكمته من ثروات هائلة قد خلقت ما اصطلح عليه بـ"مجتمع الرفاه" الذي تسبب على مستوى الدولة في استشراء التبذير، بسبب سوء التصرف وانعدام الرقابة ووفرة المداخيل. كما خلقت هذه الطفرة -على مستوى الفرد- سلوكات تنزع إلى التبذير، وغياب المبادرة، والتعلق بالمظاهر، وانعدام الوعي بقيمة العمل بشكل أثر سلبا على المردود الاجتماعي للفرد. 

أما ثالث العناصر وأخطرها فيتمثل في غياب الإعلام الخليجي الخارجي بشكل محيّر، فرغم الثروات الكبيرة والمصاريف الهائلة التي تصرفها الدول الخليجية على قطاع الإعلام فإن التواصل الخارجي يبقى كارثيا، خاصة إذا استثنينا قناة الجزيرة التي لا تعتبر قناة خليجية بقدر ما هي قناة عربية التوجه.

النظام الاستبدادي العربي
تُلِحُّ النخب العربية كثيرا على دمج الدول الخليجية في منظومة الاستبداد العربي التي لا تختلف عن المنظومة العسكرية، أو ما يسمى بالجمهوريات العائلية أو منظومة الوكالة الاستعمارية.

بل يدفع آخرون -خاصة من بين الفصائل الأيديولوجية الثلاث المسيطرة على وعي النخب العربية، وهي: الفصيل اليساري الماركسي بكل تفريعاته، والفصيل القومي بأنواعه، والفصيل الليبرالي العلماني بكل أذرعه- إلى شيطنة النظام السياسي الوراثي، وإلى شيطنة الخليج العربي بشكل خاص.

موضوعيا لا يمكن اعتبار المنظومة الخليجية منظومة ديمقراطية بالمقاييس الغربية لمقولة الديمقراطية ونظام الحريات الملازمة لها، خاصة على مستوى التعبير أو على مستوى المشاركة السياسية. لكن من جهة أخرى لا يمكن دمج الأنظمة الخليجية في منظومة الاستبداد العربي الرسمية وذلك لسببين:

يتمثل الأول في اختلاف الأنظمة الوراثية العربية عن الأنظمة الوراثية الغربية نظرا لتباين صيرورة التطور التاريخي لكليهما. فمقارنة الملكية البريطانية أو النرويجية أو الاسبانية بالنظام الوراثي العربي ليست إلا إسقاطا متعمدا وهي مقارنة تفتقد لشرط المقارنة الأساسي وهو تلاؤم السياقين الحضاري والتاريخي لطرفي المقارنة.

موضوعيا لا يمكن اعتبار المنظومة الخليجية منظومة ديمقراطية بالمقاييس الغربية لمقولة الديمقراطية ونظام الحريات الملازمة لها، خاصة على مستوى التعبير أو على مستوى المشاركة السياسية. لكن من جهة أخرى لا يمكن دمج الأنظمة الخليجية في منظومة الاستبداد العربي الرسمية

أما الثاني فيتمثل في تجربة الربيع العربي نفسها التي استثنت الأنظمة الوراثية العربية من موجات التغيير، ولم تُسقط نظاما وراثيا واحدا لعلّة واحدة في نظرنا، وهي أنّ منسوب الاستبداد والظلم في هذه المنظومات أقل بكثير من المنظومات العسكرية العائلية.

ولا بد من الإشارة هنا إلى تجربة الثورة في البحرين التي اندرجت في سياق ربيع الشعوب، لكنها لم تكن في الحقيقة سوى اختراق إيراني للنسيج الاجتماعي البحريني من أجل تصعيد مطالب اجتماعية وسياسية مشروعة، هدفها الخفي تحقيق نقطة قصوى من الاختراق الفارسي للبيت العربي السني.

هذا لا يعني أنّ الأنظمة الخليجية تتحرك في مجال خارج النطاق الرسمي العربي بخصائصه السياسية المعلومة، لكنه من الصعب وضعها في نفس الإطار الذي تتحرك داخله نماذج الحكم التي أسقطها ربيع الشعوب.

ومن جهة أخرى؛ يصعب اعتبار الخليج العربي كلا واحدا من حيث الخصائص الداخلية لكل دولة، وهي خصائص تكشف السبب الذي يمنع هذه الكتلة القوية من تحقيق قدر أدنى من الانسجام ووحدة القرار.

يضاف إلى ذلك تميز الدول الخليجية بحساسية مفرطة تجاه النقد الخارجي والداخلي على حد سواء، بشكل أضر بالمجموعة الخليجية في اتجاهين: يتمثل الأول في أنّ الانطواء أمام النقد يدعم خصوم الأنظمة الخليجية ويعمق القناعات التي يحملونها عن هذه المنطقة. أما الثاني فيتمثل في انكماش القرار السياسي الخليجي بشكل يمنع كل أشكال الانفتاح من الداخل، ويعمق العزلة الرمزية لصورة الخليج وأهله.

أخطاء كثيرة
إن أخطاء النظام السياسي العربي في الخليج لا تنفصل عن أخطاء النظام السياسي العربي بشكل عام، بدءا بحرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية) التي عمقت الصراع الفارسي/العربي، أو حرب الخليج الثانية التي أضعفت العراق، أو حرب الخليج الثالثة (غزو العراق) التي أسقطت النظام العراقي -بكل أخطائه- وفتحت المنطقة على الفوضى التي نراها.

وليس دعم الانقلاب المصري خليجيا إلا واحدا من الأخطاء الكبرى للمنظومة الخليجية التي عمقت من حيث لا تدري توغل المشاريع التوسعية الإمبراطورية في أرض العرب، وعلى رأسها المشروعان الروسي والإيراني.

الأمر المحير هو إصرار نُخب ترفع شعارات الوحدة العربية والتضامن العربي على استعداء العمق العربي العميق، واستهداف المكوّن السني في الوقت الذي تناصر فيه الحلف الإيراني في المنطقة ومخالبه المتقدمة مثل حزب الله، رغم كل مجازره الأخيرة التي ارتكبها في سوريا

لقد مثلت الهجمات الأخيرة على الدول الخليج -وخاصة على البيت الأكبر في المنزل الخليجي وهو المملكة العربية السعودية- من قبل نخب الاستبداد العربية، مؤشرا صارخا على تجدد ترسيخ النمط الاستشراقي للمكون الخليجي عامة.

ففي منبر إعلامي تونسي مثلا طالب مؤخرا أحد قياديي نخب الاستبداد التونسية المحسوبة على التيار اليساري القومي بزوال السعودية جملة وتفصيلا. هكذا بكل بساطة، بل إنه ربط زوال الكيان الصهيوني بزوال السعودية.

هذا الخطاب الموغل في التطرف قد يُفهم في إطار تحول الموقف السعودي مع القيادة الجديدة من الانقلابات العسكرية.

لكن المحير في الأمر هو إصرار نُخب ترفع شعارات الوحدة العربية والتضامن العربي على استعداء العمق العربي العميق، واستهداف المكوّن السني في الوقت الذي تناصر فيه الحلف الإيراني في المنطقة ومخالبه المتقدمة مثل حزب الله، رغم كل مجازره الأخيرة التي ارتكبها في سوريا.

لن يستطيع الخليج العربي مواجهة الأطماع الإمبراطورية الإقليمية والدولية ما لم يعمل على وضع خطة كاملة هدفها تقديم الصورة الحقيقية عن الخليج وأهله، بما هو عمق عميق للأمة العربية الإسلامية.

إن تعديل صورة العرب والمسلمين عربيا ودوليا هي واحدة من أهم المعارك التي تُطرح على الأمة، وهي معركة لا تنفصل عن بقية المعارك التنموية والاقتصادية وحتى العسكرية، إن لم نقل إنها أمّ المعارك.

المصدر : الجزيرة

التعليقات