عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني

التاريخ يعيد نفسه
القوة الناعمة
الدور الإقليمي
روابط القرى

لم يكن إعلان أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي مؤخرا عن بدء الحديث مع شخصيات فلسطينية مباشرة دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية، سوى قمة جبل الجليد للإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة بإنهاء عهد محمود عباس السياسي، والبحث عن بدائل له، بقيادات فتحاوية يتم تداول أسمائها في الآونة الأخيرة، أو بنشر الفوضى في الأراضي الفلسطينية، كما حصل في نابلس مؤخرا.

هذا الإعلان يتطلب تحليل هذا التوجه الإسرائيلي الجديد، وأسباب القرار الإسرائيلي بطي صفحة أبو مازن، وما هي بدائله، وكيف سيواجه الفلسطينيون هذه الإستراتيجية الجديدة، ومدى وجود توافق عربي، خاصة مصري، مع إسرائيل في هذا التوجه، وما دور الانتخابات المحلية القادمة في تسريع أو تأجيل أفول عهد عباس.

التاريخ يعيد نفسه
هل كان يتصور أبو مازن في أشد كوابيسه حلكة أن يدور التاريخ دورته من جديد، ضده هذه المرة، بعد أن دارت معه سابقا أوائل الألفية الثالثة، حين تم فرضه من قبل إسرائيل والمجتمع الدولي والإدارة الأميركية على رفيق دربه الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتعيينه رئيسا للحكومة، مقدمة لتجريد أبي عمار من صلاحياته السياسية والأمنية والمالية.
video

فمنذ أن توقفت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في أواسط 2014، اتخذت إسرائيل قرارها الواضح بإنهاء عهد عباس السياسي، وإعلان أسطوانتها المشروخة بأنه ليس شريكا في عملية السلام، ولابد من البحث عن قيادة فلسطينية بديلة، تستجيب لما تعتبرها متطلبات السلام.

مع العلم أن عباس قدم أقصى ما يمكن أن يقدمه زعيم ليبرالي متهاون إزاء إسرائيل، وهو ما أثار عليه احتجاجات فلسطينية، واندهاشا إسرائيليا، في ظل إصراره على التعاون الأمني مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية رغم انسداد أفق التسوية، ومواصلة الجيش الإسرائيلي تنفيذه لعشرات من حالات الإعدام ضد الفلسطينيين.

وقد شهدت الأوضاع الميدانية في الأراضي الفلسطينية، لاسيما الضفة الغربية، سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية التي تشير إلى تطبيق تدريجي لإستراتيجية طي صفحة عباس، كما حصل ذات مرة مع عرفات، لكنها لجأت في تطبيقها حاليا إلى "القوة الناعمة"، بديلا عن "القوة الخشنة" التي استخدمتها مع أبي عمار، عبر الاغتيال الذي سبقه فرض الحصار عليه في مقر المقاطعة.
القوة الناعمة
تمثلت أولى الخطوات الإسرائيلية في تهميش رئيس السلطة الفلسطينية، عبر مكتب ما يعرف بمنسق شئون المناطق الفلسطينية في الحكومة الإسرائيلية الجنرال يوآف مردخاي، الذي يمتلك شهرة بين الفلسطينيين ربما تزيد عن العديد من زعمائهم السياسيين، نظرا للنفوذ الذي بات يتمتع به بينهم.

تتلخص مهمة مكتب مردخاي في التعامل مع الفلسطينيين في قضايا إنسانية تخص السفر والعلاج والزيارات، من خلال طرف ثالث هو وزارة الشئون المدنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وقد دأب الجانبان على ذلك سنوات عديدة، حتى تغير الوضع قبل عامين ويزيد قليلا، حين بدأ مكتب مردخاي يجري اتصالاته مباشرة مع الفلسطينيين، دون المرور بالوزارة الفلسطينية، وهو ما أثار غضبها واحتجاجها.

تعلم السلطة الفلسطينية ورئيسها جيدا أن هذه خطوة إسرائيلية ليست عفوية البتة، بل لها دلالات واقعية تحث الخطى نحو التخلص رويدا رويدا من ولاية السلطة على مواطنيها الفلسطينيين، وجعل التواصل مباشرة بين الفلسطينيين وأجهزة الاحتلال الإسرائيلي ومؤسساته الأمنية والمدنية مباشرة، وهو ما يعني العودة بالفلسطينيين إلى وضعية ما قبل تأسيس السلطة الفلسطينية.

video

أكثر من ذلك، فقد لجأت إسرائيل في الشهور الأخيرة إلى الإعلان عن تجميد بعض بطاقات الشخصيات المهمة جدا المعروفة باسم VIP الخاصة بكبار المسئولين الفلسطينيين، لاسيما أولئك المقربين من عباس، في إشارة قد لا تخطئها العين، يراد منها التلويح له بإمكانية تعميم الأمر على الدائرة الضيقة حوله، وربما عليه شخصيا في حال زادت الأمور سوءا بين الجانبين.. من يعلم؟

بل إن الأدوات الإعلامية والوسائل الدعائية الإسرائيلية بدأت أقرب ما يكون من حملة موجهة نحو اتهام عباس بإعاقة عملية السلام، واعتباره عقبة كأداء أمام تحقيق التعايش بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، رغم أن الرجل يجري لقاءات شبه دورية مع وفود إسرائيلية على مدار الساعة أكثر مما يقابل وفودا فلسطينية، وهو ما أثار عليه احتجاجات فلسطينية.

لكن ذلك لم يقنع الجهاز الحاكم في تل أبيب بأن عباس هو الأكثر ملاءمة لصنع السلام معهم، وربما لن يعثروا على بديل له في قادم الأيام.

الدور الإقليمي
لم تكن بعض عواصم الإقليم المطلعة بعيدة عن التوجه الإسرائيلي بطي صفحة عباس عن المشهد السياسي الفلسطيني، لاسيما مصر والأردن والإمارات، وبدا بعض هذه العواصم أكثر حماسا نحو إتمام إجراءات الوفاة السياسية لأبي مازن، في ظل أن لكل منها أزمة معه.

فمصر لا تخفي رغبتها وتحمسها لتنصيب حليفها الأقرب في الساحة الفلسطينية محمد دحلان بديلا لعباس، وهو ما يجد قبولا وتشجيعا في تل أبيب، كون دحلان الرجل أمن وذو علاقات أمنية واسعة في إسرائيل والعديد من عواصم المنطقة والعالم، وصولا إلى واشنطن.

كما ترى القاهرة وتل أبيب أن دحلان يدرك أكثر من عباس كيفية التعامل مع حركة حماس، العدو المشترك لهما معا، في ظل خبرته الطويلة خلال سنوات التسعينات مع الحركة، وقدرته على تحجيمها والضغط عليها، بقبضة حديدية في عهد الراحل عرفات.

أما الأردن، فقد مضى وقت طويل دون أن تطأ أقدام عباس القصر الملكي في عمان، رغم دخوله أراضي المملكة بصورة دورية كلما أراد الدخول أو الخروج من الضفة الغربية، فهي بالنسبة له ممر إجباري، كما أن مصر ممر إجباري للفلسطينيين في غزة.

ومع ذلك فلم يتم التقاط صور تذكارية للملك الأردني والرئيس الفلسطيني منذ فترة زمنية طويلة، وما ذلك لسبب عفوي، وإنما في ظل أزمة تحت الرماد، تتعلق بخلاف الجانبين حول إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبعض الخطوات الأردنية والفلسطينية في مجلس الأمن الدولي، ومآخذ عباس على الأردنيين أنهم وقعوا اتفاقا مع الإسرائيليين حول نصب كاميرات في الحرم القدسي دون الرجوع إلى السلطة الفلسطينية، بما يعنيه ذلك من تجاوز واضح للسيادة الفلسطينية على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة.

عند الحديث عن خلاف عباس مع الإمارات، يبدو صعبا تناول هذا الخلاف دون تناول العلاقة الوطيدة التي تربط دحلان بأمراء البلد، منذ أن خرج من الأراضي الفلسطينية أواسط 2011 عقب قرار قيادة فتح بطرده منها، وهو ما حفز صناع القرار في أبو ظبي على تصديره إقليميا وربما دوليا، كي يصبح لاحقا الوريث القادم لرئيس السلطة الفلسطينية، وهو ما أثار أزمة إعلامية علنية بين رام الله وأبو ظبي، نالت كثيرا من شخصية عباس، ودفعت الجانبين إلى الاقتراب من شعرة معاوية.

كل ذلك يعني أن هناك توافقا إسرائيليا وربما عربيا مباشرا أو غير مباشر على إقصاء عباس، بطريقة أو بأخرى، تمهيدا لرفع أسهم دحلان في الساحة الفلسطينية، وهو ما شهدنا آثاره في الجهود العربية المفاجئة لإجراء المصالحة الفتحاوية الداخلية، بعد غياب طويل عن هذا الملف.

video

وهناك قناعات فلسطينية متزايدة أن الالتفات العربي إلى هذا الملف رغم الانشغال بالملفات الإقليمية الساخنة ليس من أجل سواد عيون عباس أو دحلان، وإنما رغبة بإجراء ترتيب للبيت الفتحاوي لتهيئته لليوم التالي لغياب عباس، أو تغييبه.

روابط القرى
لا تبدي إسرائيل تمسكا بخيار معين في حال نجحت بطي صفحة عباس عن المشهد السياسي الفلسطيني، كونها ما زالت على ما يبدو في مرحلة المفاضلة بين هذا السيناريو أو ذاك، مع إمكانية خروج بديل مفاجئ في لحظة غير متوقعة يفرض نفسه على أجندة صناع القرار في تل أبيب.

فقد خرجت بعض الإشارات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة على طرح خيار قديم جديد في الأراضي الفلسطينية يكون أكثر ملاءمة لإسرائيل في حال غاب عباس عن مقر الرئاسة الفلسطينية، ومن ذلك استعادة سيناريو "روابط القرى" الذي طبقته إسرائيل في بعض أنحاء الضفة الغربية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وتجاوبت معها بعض الشخصيات الفلسطينية، وتم اغتيال عدد منهم على أيدي الفصائل الفلسطينية.

لكن "روابط القرى" بصيغتها الحالية في 2016 قد تكون أكثر تشجيعا لإسرائيل، وأقل حرجا لبعض الفلسطينيين، سواء على هيئة إدارة الشئون الحياتية من خلال التواصل مع الإدارة المدنية الإسرائيلية، أو تسهيل بعض شؤونهم المعيشية، وكل ذلك بمعزل عن السلطة الفلسطينية ورئيسها، بتجاوزه إداريا وسياسيا.

كما تطمح إسرائيل من الانتخابات المحلية الفلسطينية القادمة في أكتوبر/تشرين أول المقبل، أن تفرز مجالس محلية تدير شئون الفلسطينيين المعيشية والحياتية، بمعزل عن أي مدلول سياسي وسيادي، شرط ألا تفوز فيها حماس، كما تخشى من ذلك.

وهناك الصيغة الثالثة المتمثلة بإفساح المجال لضباط الأمن الفلسطينيين، بأن يدير كل منهم المحافظة التي يسيطر عليها، والتواصل معهم عبر ضابط الاتصال الإسرائيلي، رغم فجاجة هذا الطرح وخطورته!

أخيرا.. لم يعد بقاء أبي مازن أو رحيله هو السؤال المركزي في تل أبيب، وإنما ما الذي سيحصل في اليوم التالي لغيابه، على اعتبار أن قرار تصفيته سياسيا قد اتخذ، في ظل الإشارات آنفة الذكر، مما يجعل إسرائيل معنية بأن يعود عليها هذا التطور بأكثر قدر من المكاسب الأمنية والسياسية، وأقل قدر من الخسائر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك