محمد الجوادي

محمد الجوادي

محمد الجوادي, أديب وكاتب ومؤرخ وأستاذ طب، وله إنتاج فكري خصب في مجالات التربية والآداب والفكر السياسي


في الشهور الماضية ازداد الإلحاح على مناقشة فكرة إجراء تحويرات على الفكرة الإسلامية لتضمن تقليلا من درجات تخوف الغربيين من "الأسلمة".

ومع التحفظ الذي لابد منه على جدوى وإمكانية هذا النمط المتعسف من التفكير في الأديان على أنها نصوص قابلة للمعالجة البشرية فإن هناك سؤالين ملحين يقبلان التأمل بقدر ما يتيحان الفهم، وسنحاول أن نقدم مقاربات مرتبة لهذين السؤالين:

- هل يمكن تعديل الإسلام بحيث تتقبله الديمقراطية الغربية؟
- هل يمكن تعديل الإسلام بحيث تتقبله المجتمعات الغربية؟
وربما كان من الأفضل أن نتناول هذه الاختلافات على درجات متتابعة من درجاتها الاختلافية المتجسدة في الواقع.

الصورة الأولى: الاختلاف غير الملزم؛ و هو اختلاف يلتزم المسلم به ويلزم به نفسه دون أدنى مشاركة من المجتمع من حوله، لكن هذه المسئولية الغائبة تستدعي أحيانا نفسها وتفرض نفسها على الغربيين المنصفين، وذلك من باب اللياقة الاجتماعية، وتصبح بمثابة عبء ولو بسيط على المجتمع الغربي.

المثال على هذا النموذج واضح، وهو أن المسلم الملتزم لا يشرب الخمر. أذكر أول احتكاك لي بهذا الاختلاف في سهرة نهاية الأسبوع للأطباء العاملين في قسم الجراحة حيث ذهب الجراح الأكثر شبابا لشراء المشروبات وكنت في صحبته، هناك انتبه الطبيب النائب أنه لابد من شراء عصير للمسلم الذي لا يشرب الكحوليات، و مع أن ثمن العصير لا يمثل شيئا يذكر فإن عبء "احترام الاختلاف" كان واضحا. وهو عبء لياقة في البداية والنهاية ذلك أنه لو لم يتم شراء نوع من العصائر لأصبح مجتمع هؤلاء الأطباء (حسب منطق الحضارة والبروتوكول ) متهما بالتمييز معنويا.

video

من الوارد أن يكون بعض الأطباء في مثل هذا القسم لا يتعاطى الكحوليات لأسباب أخرى غير مرتبطة بالحلال و الحرام والإسلام، لكن أطباء القسم الذي شهد هذه الواقعة (حوالي العشرين) كانوا جميعا كحوليين.

هل لي أن أنتقل بك إلى افتراض نظري على الشاطئ الآخر لتتصور الطبيب الشاب كحوليا غير مسلم وأتى إلى قسم في بلد مسلم لا يضم بين جنباته إلا أطباء مسلمين غير كحوليين.

أعلم بالطبع أن شرب الكحوليات ليس هو الأصل ولكنه الاستثناء، ولكن ماذا بوسعك أن تفعل وأنت تواجه تعسفا في مناقشة من هذا النوع في هذا الموضوع.

الصورة الثانية: افتعال الاستقطاب؛ حيث تزداد درجة الحدة في الاختلاف ومردوداته بعض الشيء، حين تضطر الطائرات العاملة في مناطق إسلامية إلى وضع إشارات واضحة وصريحة بخلو الطعام من لحم الخنزير، هذه الإشارة تستتبع ترتيبات كثيرة في المطبخ، وقد تتطلب نوعين من الوجبات، وأحيانا يصبح الوضع النهائي وكأنه في صورة استقطاب: أكل إسلامي، وأكل غير إسلامي.

من الطريف أنه مع الزمن ومع الذكاء الاقتصادي واللوجيستي تطور الأمر بشركات الطيران إلى حلول لم تكن معروفة قبل الصحوة الإسلامية:

- بعض الشركات ألزمت نفسها ألا تقدم الخنزير على الإطلاق.
- بعضها وخاصة في الرحلات القصيرة أصبحت لا تقدم وجبات مكتفية بإتاحتها للشراء كما تتاح بضائع الأسواق الحرة على متن الطائرة.

- شركات ثالثة جعلت الاختيار بين ثلاثة بدائل أحدها الخنزير كي لا يكون الأمر استقطابا واضحا.
نعرف أن الأمور تطورت في العقدين الأخيرين إلى ما يلخصه مصطلح "حلال" لكن هذا الاستقطاب يظل متاحا لتوظيفه عند الحاجة حتى في وجبات المدارس الدولية، والمستشفيات، والمعسكرات، والمباريات.. الخ.

الصورة الثالثة: البديل المكلف؛ طبيب مسلم في مستشفى للنساء والتوليد في دولة يبيح قانونها الإجهاض، لكن الطبيب بوازع ديني لا يقبل أن يمارس هذه العملية المصرح بها في وقت خدمته -وهو سلوك لا يقتصر على المسلم الملزم وحده وإنما يشاركه فيه أيضا بعض أصحاب المذاهب اليهودية والمسيحية- هذا التصرف في واقع الأمر ينشأ عنه خصم من قوة العمل المتاحة، بما يتطلب تدبير قوة عمل إضافية عند إعداد الجداول إذ لا يمكن الاعتماد على "الطبيب الملتزم" وحده في "النوبتجية" التي يمكن أن يعتمد فيها على واحد غيره من زملائه حتى لو كانوا بمنطق دينهم غير ملتزمين!! وهكذا ينسحب الاختلاف أو يعبر عن نفسه في صورة ارتفاع التكلفة الاقتصادية.

video

لكن طبيعة التربص المعادي تخبرنا أنه في هذه الحالة سوف يصبح الحديث عن سلوكيات الإسلام حديثا عن اختلاف بينما يصبح في الشأن المسيحي حديثا عن التزام. وشتان بالطبع ما بين التزام محمود حتى لو كان التزاما بدين! وبين اختلاف غير مرغوب فيه حتى لو كان هو الآخر التزاما بدين!

الصورة الرابعة: فرض الذاتية؛ تتجلى في لجوء المسلم الملتزم إلى أداء الصلاة في أوقاتها. ومع أن هذا يمكن حله في إطار التقليد الخاص بـساعة الغداء (أو ساعتيه حيث يتناوب الموظفون ما بين الساعة الأولى أو الثانية حتى لا ينقطع وجود من يتعامل مع الجماهير)، فإن الدول الإسلامية لم تبدأ بعد في الغالب خطوة في هذا الاتجاه.

فإذا كنا على سبيل المثال في مواجهة عميل أجنبي لمؤسستين عربيتين، سواء أكانت المؤسستان عامتان أم خاصتان، أم عامة وخاصة، الأولى تلتزم بالعمل في وقت الظهر، والثانية تعجز عن إتمام العمل في وقت صلاة الظهر، فإن السؤال: هل نقبل من الأجنبي تفضيله للمؤسسة الأولى على المؤسسة الثانية؟

تتجلى المشكلة هنا في قدرة المجتمع الإسلامي على فرض ذاتيته في داخله أولا وقبل كل شيء؛ فحين سيطرت منظومة الحضارة الجديدة على البشرية جعلت الأحد عطلة أسبوعية في بلاد تذهب للكنائس، ولما اختار المسلمون في بلادهم عطلة كان من الطبيعي أن يختاروا يوم الجمعة، لا أحد يعترض على هذا الاختيار، لكن هل يمكن للمجتمعات الغربية أن تحترم إجازات مختلفة في الوطن الواحد، مؤسسات تتعطل الخميس والجمعة، وأخرى الجمعة والسبت، وثالثة الجمعة والأحد؟

قد يكون هذا سائغا نظريا، لكنك تفاجأ بما ضغط به الاقتصاد الدولي على الحكومات حتى جعلها تغير موعد الإجازات الأسبوعية حتى لا يتعطل التعاون الدولي لأكثر من نصف أيام الأسبوع في ظل إجازات الخميس والجمعة في بلاد المسلمين والسبت والأحد في بلاد الغربيين ومن ثم لا يبقى من الأسبوع إلا أقل من ثلاثة أيام يعتورها هي الأخرى ما ينقصها بسبب فروق التوقيت.

الصورة الخامسة: تعارض الحقوق الشرعية والالتزامات المدنية؛ يؤمن المسلم بحقه في تعدد الزوجات، لكن هل يمكن له أن يبني على هذه العقيدة في بلاد لا تجيز هذا التعدد أوفي بلاد تعاقب عليه؟ وهل يكون من حقه أن يغير اتجاهه في معاملة زوجته بناء على هذا الحق الأصيل الذي ربما يتنازل عنه بإرادته حين يعقد على زوجة تشترط عليه -وهذا حقها في بعض المذاهب الإسلامية- ألا يتزوج عليها؟

الصورة السادسة: وراثة الدين؛ يؤمن المسلم بأن ابنه يحمل دينه، لكن مجتمعات أخرى تترك للأبناء حرية اختيار الدين، ومجتمعات ثالثة تعتبر أن الأبناء يتبعون دين أمهاتهم تلقائيا، هل يمكن أن نتجاوز هذا الاختلاف الواضح الذي يرتبط بهوية ابن المسلم من يهودية الذي يصبح صاحب دينين مختلفين بمقتضي قوة القانون في قانونين يبدوان عند التنفيذ تلقائيين؟

video

الصورة السابعة: حدود الاقتراع وموضوعاته؛ يصل الخلاف في تقييم الديمقراطية إلى أنها هي الناموس الحاكم للأداء السياسي، وقد أبدى المسلمون عن اقتناع رغبة صادقة في قبول الديمقراطية لكن هل يمكن أن يقولوا إنهم لن يضعوا الديمقراطية فوق الدين؟ وما هي إذن تعاليم الدين في السياسة وممارساتها؟ هل يمكن في برلمان دولة إسلامية مناقشة السماح بزواج المثليين؟

الصورة الثامنة: الخلاف حول الحدود؛ يملك الإسلام تراثا فقهيا كثيرا وعريقا، لكن هذا التراث قد يبدو وكأنه يتعارض في بعض معطياته وأحكامه مع المتطلبات الحديثة لحقوق الإنسان في أوروبا. والقضية النموذجية هي عقوبة الإعدام، هل يمكن للإسلام أن يقبل التنازل عن عقوبة الإعدام التي هي في رأي بعض علماء الاجتماع تمثل عاملا من عوامل استقرار المجتمع؟ ولا تزال سارية في بعض الولايات الأميركية؟ كيف يمكن للإسلام أن يتنازل عن عقوبة قطع يد السارق؟

الصورة التاسعة: مناخ الاستثمار وشماعته؛ كيف يمكن لبنك أجنبي في بلد مسلم يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية بمقتضى الدستور أن يطمئن تماما إلى خلو معاملاته من خطر أن يقوم أحد المدينين المسلمين برفع دعوى بإسقاط الفوائد المستحقة للبنك عليه بدعوى تحريم الإسلام للربا أو للفوائد؟ وذلك مهما قيل عن سبق اختيار هذا العميل -بحريته وإرادته- للبنك الأجنبي وتفضيله له على بنوك المعاملات الإسلامية التي لا تمانع في أن تحصل على العائد تحت مسمى العائد بدلا من مسمى الفائدة.

الصورة العاشرة: أطراف الحرية؛ إلى أي مدى يمكن للإسلام أن يتقبل اللغط الاحترافي المتكرر حول فكرة حرية الفنون وحرية الإبداع فيها بدءا من قبول فكرة الموديل العاري في أقسام التصوير في كليات الفنون الجميلة ومعاهد الفن الأكاديمية، إلى فكرة حرية الإبداع في النصوص المكتوبة التي تتعرض للذات الإلهية وللأنبياء والصحابة بالنقد وربما بالتحقير؟

الصورة الحادية عشرة: الملابس في الطريق العام؛ ما هي حقوق غير المسلمين في ارتداء الصور الشاذة من الأزياء أو غير الأزياء في الطريق العام في الوطن الإسلامي؟ وما هي حدود الآداب العامة التي يرى المجتمع الإسلامي أن تجاوزها قد يستدعي العقوبة الاجتماعية؟ ومع الانتباه إلى أن العالم كله يعرف أن هذه القضية اجتماعية قبل أن تكون دينية، مع هذا فإن أعداء الإسلام لن يكفوا -من باب الحريات- عن توظيفها في الهجوم عليه، مهما كان تناقض دعاواهم مثلما حدث أخيرا في أزمة بعض السلط المحلية الفرنسية مع البوركيني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك