حسام شاكر

حسام شاكر

باحث ومؤلف واستشاري إعلامي، متخصِّص في الشؤون الأوروبية

لم يعد حالة عابرة
احتمالات المستقبل
نهاية الطريق الثالث
هل ستتسع الأروقة لفلسطين؟

اجتذبت ليفربول الأضواء حيث انعقد مؤتمر حزب العمال يوم السبت 24 سبتمبر/أيلول ليقرر مصير قيادته التي تمت محاصرتها بحملات شرسة ومحاولة عزل اجتمعت عليها "تواطؤات" قيادية.

خرج جيرمي كوربن منتصرا من التصويت، فعزز موقعه القيادي على رأس حزب العمال البريطاني بعد سنة من فوزه بالمنصب الذي أحدث أصداء واسعة وقتها. لم يفاجئ الفوز الجديد سوى قلة توقعت هزيمته؛ لكن ذلك لن ينهي الحملات الإعلامية المضادة له ولن يقطع مع الاستقطاب الحزبي الداخلي.

حُسم الجدل في صفوف العمال بعد تثبيت قيادته في مؤتمر ليفربول؛ وستظل استقطابات الأجنحة قائمة بالمرصاد. لكن الثقة الإضافية التي حازها زعيم العمال تمنحه دفعة لقيادة الحزب ربما إلى الانتخابات العامة المقررة عام 2020. ورغم تعبيرات الإحباط التي أعلنها مناوئوه بأن ذلك سيهوي بفرص الحزب في الانتخابات، فإن نتيجة التصويت التي جرت تبدو محفزة على خوض الانتخابات بثقة أكبر، خاصة بالنسبة لحزب يحظى بقاعدة جماهيرية عز نظيرها في أوروبا تقوم على ثلثي مليون عضو.

لم يعد حالة عابرة
اجتاز جيرمي كوربن بفوزه الجديد شوطا مهما في مسيرته السياسية، وقفز فوق المعارضة الداخلية الشرسة، بما أحبط توقعات رائجة بأنه مجرد حالة عابرة في السياسة البريطانية. تأكد الجميع مساء السبت الماضي أن الرجل الزاهد باق حتى حين، وقد أصبح أقوى من السابق، وهو ماض في تثبيت أقدامه في الحزب والساحة السياسية.

video

لن تكف الاتهامات عن مطاردة كوربن، ومنها ما يتعلق بحقيقة توجهه الأيديولوجي، بما في ذلك "الشبهة" التروتسكية التي أثيرت حوله مثلا، أو بمزايدات تقول بضعف النزعة الوطنية في خطابه ذي الملمح القيمي والإنساني. وسيظل اتهامه بالتهاون مع "الإرهاب" أو التعاطف مع المقاومة الفلسطينية مادة لشن انتقادات ضده في منابر إعلامية. ستهدف الحملات والضغوط لمحاصرته وكبحه بعد أن أخفقت في عزله حتى الآن.

على أن فوز كوربن مجددا يأتي في مرحلة دقيقة تشهدها الساحة البريطانية التي تجتاز منعطفا حرجا. تتصدر المرحلة وجوه جديدة بالتلازم مع ظواهر شعبوية كالتي يعبر عنها حزب استقلال المملكة المتحدة أو حالة الوزير المثير للجدل بوريس جونسون مثلا، الذي يراه بعضهم نسخة بريطانية من مرشح الرئاسة الأميركي دونالد ترامب.

تبدو قيادة كوربن بمثابة المكافئ الموضوعي المقابل للحالة الشعبوية اليمينية والمحافظة، وهو ما يفرض تحديا على قيادة العمال يقضي بتطوير الشعارات وإنضاج البرامج وتفعيل الأداء، ليعيد حزب العمال التوازن إلى الساحة السياسية المتحركة والمحفوفة بضباب كثيف يعيق استشراف مآلاتها.

غني عن القول أن بريطانيا تعيش مرحلة تاريخية دقيقة، بعد مغامرة التصويت على مفارقة أوروبا الموحدة. ومن المعضلات التي تواجه قادة هذه المرحلة في لندن أن عليهم تنفيذ مسار جسيم تقرر في استفتاء شعبي جرى في ظل هواجس غير واقعية. ستكون ترتيبات الانفصال عن أوروبا مهمة وشاقة، وهي فوق ذلك مفروضة على القيادة السياسية ضمن اتجاه جبري لا تبديل له غالبا، وهو ما يجعل قيادة كوربن في المعارضة مطالبة بطرح خيارات تراها الجماهير فعالة، وهذا ضمن مرحلة محدودة الخيارات بعد تصويت "بريكسيت".

احتمالات المستقبل
جاء صعود نهج يساري في قيادة العمال في توقيت ملائم تماما، فالبديل عن ذلك يمكن توقعه على الأرجح في نشوء حزب سياسي جديد يقف على النقيض من أقصى اليمين ويتبنى خطابا ناقدا وجريئا، وفق نموذج حزب "بوديموس" الإسباني الصاعد مثلا أو حزب "سيريزا" في اليونان.

إن تزايد الملمح اليساري أو الاجتماعي في حزب العمال فإنه سيجتذب مؤيدي حركات ومبادرات ناشطة، لكنه قد يفاقم الفجوات الداخلية في الحزب المحسوب على الوسط. وبعد التجاذبات الداخلية الحادة ومحاولة الإطاحة بكوربن التي باءت بالإخفاق، ستكون أولوية قائد العمال بعد تجديد فوزه هي رص صفوف الحزب لمخاطبة المجتمع بلسان واحد، والسعي لتحقيق فوز صعب في انتخابات سنة 2020.

تتشكل في هذا الأفق احتمالات متعددة للمسار الذي ستسلكه التطورات، بين فرصة محدودة للمواءمات الداخلية القادرة على تحقيق تماسك الحزب مع كوربن وحول نهج متفق عليه بين الأجنحة، أو غلبة التجاذبات الداخلية التي تستند إلى تقاليد الاستقطاب والتنازع التي واكبت مسيرة الحزب تاريخيا، خاصة إن بدا أداء العمال ضعيفا أو سجل خسائر انتخابية في الطريق.

ولا يمكن استبعاد خيار انشقاق معارضي كوربن إن استيأسوا من المآلات، وسيكون عليهم بالتالي تشكيل حزب يحمل وعودا جديدة بما يحرر حزب العمال من المواءمات والتنازع، ويتيح إعادة إنتاجه بصبغة حركة اجتماعية متحررة من إرث "الطريق الثالث" الذي ينطوي على مسحة يمينية، وسينجح العمال في هذه الحالة استقطاب مؤيدين جددا مقابل من سيخسرهم.

video

لكن المشكلة أن الذين سيخسرهم الحزب وفق هذا الاحتمال هم قياديون وفاعلون في الساحة السياسية، وكثير من وجوه الحزب، مع ملاحظة أن قرابة ثلاثة أرباع نواب العمال صوتوا لصالح مذكرة حجب الثقة (غير الملزمة) عن كوربن في يونيو/حزيران الماضي بذريعة تقاعسه عن منع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قبل أن تخفق محاولة عزله في تصويت السبت 24 سبتمبر/أيلول. وهذا التصويت تحديدا هو ما أراده كوربن كي يواجه المعارضة القيادية الضارية التي انتصبت في وجهه عبر استقوائه بالقواعد.

نهاية الطريق الثالث
ستسعى قيادة كوربن -على أي حال- إلى مواصلة تجديد شباب الحزب في مواجهة الاستقطابات القيادية المناوئة له، وقد كان لافتا أنه منذ فوزه الأول والمفاجئ في سبتمبر/ أيلول 2015 اتخذ من مسألة الشباب هذه أولوية للعمال، بما قد يحاكي تجربة باراك أوباما في الانفتاح على القواعد الجماهيرية الشابة. وعلى ذلك أن يمضي بالتضافر مع السعي لكسب ثقة الجمهور البريطاني في مرحلة يشوبها القلق وانعدام اليقين بالمستقبل.

إن واصل كوربن وفريقه تثبيت مواقعهم وتحسين فرص الحزب في أوساط الجمهور فستكون هذه المسيرة إشارة مهمة يحتاجها يسار الوسط الديمقراطي الاجتماعي في أوروبا، الذي يشهد ضمورا مزمنا وتراجعات جسيمة في أنحاء القارة، وسيكون لذلك أثره في مراجعة نهج الانزياح نحو اليمين الذي عاد على الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية بفقدان هويتها وخسارة ثقة الشرائح العمالية التي كانت ترتكز إليها أساسا، وإخلاء بعض مواقعها التقليدية لصالح أقصى اليمين.

يُهيل نهج جيرمي كوربن ومؤيديه التراب على وعود "الطريق الثالث" التي أطلقها قبل عقدين من الزمن زعيم العمال الأسبق توني بلير بالتواؤم مع معاصريه الرئيس الأميركي بيل كلينتون والمستشار الألماني غيرهارد شرودر، فهذا الطريق أفرغ يسار الوسط من مضمونه الاجتماعي والعمالي وهوى بشعبيته في أوروبا. لكن المعضلة تكمن في أن ذلك لا يقوض نفوذ "الطريق الثالث" ضمن المشهد القيادي للحزب وقد لا يكبح أحلامه باستعادة القيادة.

وإن تواصل صعود كوربن السياسي فقد يتحول بتاريخه المبدئي ومظاهر الزهد التي يبدو عليها، إلى أيقونة يسار الوسط حتى خارج بريطانيا، خاصة إن نجح في اختبار الشعبية والاقتراب من المواطنين، دون أن يضمن ذلك قدرته على ترجمة المبادئ إلى سياسات عملية ومواقف ملموسة.

هل ستتسع الأروقة لفلسطين؟
لفوز كوربن المتجدد خصوصية إضافية تتمثل بالتزامه المبدئي بقضية فلسطين. إنها حالة جديدة تقريبا في قلب السياسة البريطانية، فالرجل ليس متعاطفا بالأحرف الأولى، بل هو أساسا من أبرز الوجوه المناصرة لفلسطين في الحياة السياسية والمجتمع المدني وقد اعتلى منابر رفض الاحتلال الإسرائيلي وسبق أن زار قطاع غزة المحاصر متضامنا. إنه ليس تضامنا طارئا فالرجل معروف بالتزام مبدئي بحريات الشعوب وحقوقه عبر مسيرته الطويلة، منذ معارضته حرب فيتنام ثم مناهضته نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

video

وبصعود خط كوربن تتحقق لفلسطين مكاسب رمزية، لكن التعبير العملي الملموس عن ذلك من قلب الساحة السياسية يختلف عنه من المجتمع المدني، بلا شك، وهو من مواقع الحكم لا يتماثل معه من مواقع المعارضة. بهذا فإن خط كوربن يعني الكثير عبر تأهيل مناصرة فلسطين لدخول الرواق السياسي، أو على نحو أدق احتمال تكييف هذا الرواق مع اتخاذ مواقف أكثر إنصافا لحقوق الشعب الفلسطيني.

لن يكون المسعى سهلا، فتجارب البيئات السياسية الأوروبية تفيد بأن الالتزام المبدئي الفردي بقضية تقع ضمن نطاق السياسات الخارجية لا يقضي بأن يتحول إلى التزام حزب أو وزارة أو حكومة بالحماسة نفسها؛ وهذا لاعتبارات تُحال إلى الواقعية السياسية، أو المفاضلة في الأولويات، أو خضوعا للبراغماتية الذرائعية، أو بتأثير التزامات تحالفية في ائتلافات الحكم.

وقد يغيب عن الإدراك أن زعامة حزب أو تقلد وزارة أو حتى قيادة حكومة مما لا يتيح -تلقائيا- إنجاز تحول نوعي في ملف سياسي خارجي بحجم قضية فلسطين وحساسيتها. وليس من مفاجأة مثلا في أن يفترق نهج رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس بعد اعتلائه المنصب، عنه في زمن نشاطه السياسي والمدني قبل ذلك؛ عندما كان من رموز تأييد حقوق الشعب الفلسطيني في اليونان.

فالتحول يتطلب جرأة كبيرة واستعدادا لدفع استحقاقات صعبة، ما لم تتوفر بيئة حزبية وسياسية ومجتمعية وإعلامية داعمة لهذا التحول. ويفرض ذلك الاقتصاد في التوقعات، خاصة وأن السياسات الخارجية أبطأ تحولا وأكثر ثباتا من السياسات الداخلية، علاوة على إلحاح أولويات معينة في مرحلة فك الارتباط مع أوروبا وسطوة القلق الاجتماعي المرتبط بقضايا تتعلق بملفات الهجرة واللجوء والأمن.

على الأقل؛ سيبقى صعود خطاب جيريمي كوربن في الوسط السياسي، محفزا لمجتمع مدني يسعى لاغتنام هذا المتغير السياسي في تعزيز حضوره وبرامجه، وبالوسع المراهنة على نضوج جيل جديد من السياسيين أكثر وفاء للقيم والمبادئ في السياسات الخارجية بعد بقايا المتواطئين مع زعيم العمال الأسبق طوني بلير في تمرير نهج الحرب الذي كشف تقرير "تشيلكوت" عن تجاوزات جسيمة في ملابساته.

ولن يكون مستبعدا أن تمثل قيادة كوربن مع الوقت مشكلة عملية للجانب الإسرائيلي الذي يحظى لدى لندن بامتيازات تقليدية خاصة وبخطوط مفتوحة كما تبين أخيرا في توجه الحكومة البريطانية للتضييق على موجة المقاطعة التي تحاول الضغط على مصالح نظام الاحتلال الإسرائيلي. في هذا كله ما يرجح أن قيادة العمال ستواجه مزيدا من الحملات المضادة لكبح تقدم خط كوربن أو تعطيل تحركاته في بعض الملفات.

وما يقتضي الانتباه هو أن مواقف كوربن المبدئية نحو فلسطين تحظى بتقدير أوساط قاعدية في حزب العمال، لكن يتم في الوقت ذاته استعمالها مادة للهجوم عليه في الحملات والانتقادات الإعلامية والسياسية المضادة له، وهو ما يقيد حظوظ التعبير عن المواقف المبدئية في مواقع المسؤولية السياسية المتقدمة، دون أن يعني ذلك تنصل كوربن ومؤيديه من تلك المواقف.

فاز كوربن بقيادة العمال مجددا، وتنتظره مهام شاقة للغاية في إثبات جدارته القيادية وجمع كلمة الحزب أو تحييد خصومه، وفي تجديد فعالية الحزب وترميم مشهده القيادي وإنعاش قواعده وتطوير حضوره الجماهيري، وهذا لخوض استحقاقات انتخابية لها ما بعدها حتما.

المصدر : الجزيرة