توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


المفترض في الانتخابات النيابية أن تكون مطلبا شعبيا, وهي كذلك في الأردن بدرجة أن قام الشعب بانتفاضة عفوية ربيع عام 1989, بدأت في مدينة معان النائية في الجنوب, ثم عمت عدة محافظات ووصلت لعمان خلال ساعات، وكان مطلب تلك الانتفاضة الموحد هو عزل الحكومة وإجراء الانتخابات النيابية.

فآخر انتخابات وقتها كانت قد نظمت عام 1966, وعلق إجراؤها منذ حرب العام 1967 بذريعة تلك الحرب. وخلال تلك الفترة التي امتدت لأكثر من عقدين من توقف الحياة النيابة, لم يخل الأمر من استعادة المجلس المحلول ليوم أو يومين لأخذ ختمه على تعديلات دستورية منها السماح -وبأثر رجعي- بتعليق الحياة النيابة لأجل غير مسمى.

وهو التعديل الذي جرى تفعيله عام 2001, بحل حكومة علي أبو الراغب (الوارد ذكره وعدد من وزراءه في وثائق بنما) لمجلس النواب لسنتين ليصدر أكثر من مائتي قانون مؤقت ما زال أغلبها وأخطرها يُحكم به, وبعضها غير دستوري بدرجة جعلت الجسم القانوني الأردني يطلق مقولة "أبو الراغب عدل الدستور بقانون مؤقت".

video

والقانون المؤقت المقصود هو "قانون الانتخاب" الذي تجاوز الدستور لمنع معارضة بعينها من خوض الانتخابات, ثم عزز المنع بحيث شمل حتى المعارضين المحتملين. وهذا -إضافة للتزوير المعترف به- هو ما فرغ المجالس النيابية الأخيرة من القدرات التشريعية والسياسية, وما أوصلنا لظهور نوع من المرشحين يجعل الناخبين يزهدون في الاقتراع.

التعديل الدستوري الذي أتاح تعليق الحياة النيابية جرت العودة عنه بفعل الربيع الأردني الذي لم يأت متأثرا بغيره كما يُزعم, بل متزامنا مع ما جرى في تونس ومصر.. ولكن قبل أشهر, جرى تمرير مفاجئ لتعديلات دستورية عبر حكومة ومجلس نواب أقروها كل في جلسة واحدة, وهي تعديلات قلصت من ولاية وصلاحيات الحكومة ومجلس النواب على حد سواء، ناهيك عن التقليص الذاتي لمكانة ودور كليهما, والذي تطوعا به مرارا.

والمفترض من شعب سبق بأكثر من عقدين بقية الشعوب العربية "للربيع" في طلب مجلس نواب يمثله حقيقة, أن لا يحتاج لدعاية وحث حكوميين ليذهب للاقتراع، ولكن الوضع الحالي تلخصه حادثة أوردها أبراهام لنكولن في سيرة حياته.

ورغم أنني كنت طفلة حين قرأت سيرته تلك فقد حفظت ما رواه حرفيا عن صديق طفولة زنجي؛ فمع أن لنكولن نشأ فقيرا, فإن الطفل الأسود كان بداهة أشد فقرا. يقول لنكولن إن أمّه كانت تصنع لهم الكعك المحلّى, وذات وجبة كعك تصادف وجود صديقه الزنجي عندهم, فشرع الطفل يلتهم الكعك بكم أثار استغراب لنكولن فقال لصديقة ببراءة الأطفال: أنت حتما تحب الكعك كثيرا! فأجابه صديقه: "أيب (مصغر اسم أبراهام), أنا أكثر واحد في الدنيا يحب الكعك المحلّى, ولكنني أقل واحد يجده".. وهذا ينطبق على الأردنيين والمجالس النيابية الحلوة بحق, وليس تلك التي تركت المرارة في حلوقهم وقلوبهم!

video

فلماذا انقلبت الآية حد أن تحاول الدولة إقناع الأردنيين بشتى الوسائل للذهاب للاقتراع بما تجاوز الترغيب للترهيب؟! فالمسماة "الهيئة المستقلة للانتخابات" أطلقت حملة ضخمة تحت شعار "الأردن ينتخب" مع أنه ليس من مهامها الترويج للانتخابات. وبالمقابل قام نشطاء بإطلاق حملة "الأردن يقاطع". وحين تبدى أن نسبة الاقتراع ستتدنى, وبالذات في الدوائر السياسية كدوائر العاصمة عمان والمدن الرئيسة, قفز رئيس الهيئة لاتهام الداعين للمقاطعة بارتكاب "جريمة بحق الوطن", وأن من يقاطع "لا يؤمن بالديمقراطية"! فانبرت له قيادات شبابية بردود دستورية وسياسية مفحمة. ويبقى الأخطر الذي حاول رئيس الهيئة الترويج له هو قوله إن "عنوان المواطنة هو الاشتراك بالانتخابات حتى لو لم يؤشر الناخب على ورقة الاقتراع"!

ورقة الاقتراع الجديدة ليست كسابقاتها؛ هي "كتيّب" توضع فيه أسماء القوائم بكل دائرة انتخابية وشعار كل قائمة, وأسماء المرشحين فيها, ولديها 18 علامة أمنية مثل ورقة العملة, كي لا يسهل تزويرها. ولكن قبل هذا, كان يلزم لكي تكون أوراق الاقتراع العادية سليمة أن تختم من لجنة الانتخاب وتوقع من رئيس اللجنة وأحد أعضائها لحظة تسليم الورقة للناخب. وفي انتخابات عدة تبين وجود كم من أوراق الاقتراع المختومة والموقعة متبق لدى مرشحين وعاملين في حملتهم. ولم يحاسب حملتها، ولا أصحاب التوقيع حاملي الختم.

مثل هذه التجارب تجعلنا لا نستثني إمكانية إصدار كم من الكتيبات بكل المواصفات الأمنية وختمها لتستعمل في التزوير، ولكن ما يطلبه رئيس هيئة الانتخاب هنا لا أقل من أن يتطوع الناخبون بوضع كتيبات مختومة, ولكن غير مؤشر عليها في الصندوق, ما سيسهل التأشير عليها لاحقا. وقد تطوع وزير التنمية السياسية بإعلامنا أن النتائج النهائية للانتخابات ستستغرق من يومين إلى ثلاثة أيام، وهذا وحده سيسهل التأشير على تلك الكتيبات, إن لم يكن من أول إحصاء, فحين يطعن أحدهم بالنتائج ويطلب إعادة الفرز!

video

القلق كله رسمي لا شعبي لكون المقاطعة تسقط مصداقية الانتخاب، ومثله القلق من توظيف المال السياسي "الأسود" الذي يتقاسمه المرشحون- بمن فيهم من يشترون الأصوات ويخشون رفع أسعارها- مع جهات رسمية تسهّله أو تتستر عليه، بدليل عدم محاسبتها لحالات ضبطت في انتخابات سابقة بل وسمح لمن مارسوها بالعودة للترشح.

فيما يعتبر إغراء الناخبين بتقديم امتيازات هو الأسوأ, كون الامتيازات ترتب كلفا رسمية أعلى بكثير مما يدفع من جيب المرشح.. والقلق لجهة من سيستفيد أكثر من تغيير بعض معالم خارطة نيابية معدّة، فكل متنفذ له مرشحوه، وخلف كواليس مسرح يتنافس فيه كم هائل من السمك الصغير, لغياب "الحيتان", على التمثيل الشعبي, تجري منافسة أخرى شرسة بكفوف لم تعد بيضاء, بين حيتان حكم يحتكرون بل ويتوارثون مناصبه. وصادم ما يتسرب من هذا, كحضور مسؤولين كبار سابقين لمقار نواب يعيدون ترشّحهم, أداء الأخيرين المسجل بالصوت والصورة أبعد ما يمكن عن قبول أي من لابسي الكفوف البيضاء نسبته لهم علانية.

المقاطعة الواسعة التلقائية ودونما حاجة لتحريض, هي مقاطعة نخبوية من الطبقة الوسطى بخاصة. وحتى القوى العشائرية ستقاطع منها نخب ترفض أن تساق بداهة وراء أي مرشح لمجرد أنه من العشيرة، وسيساعد هذه النخب على مقاطعتها وجود عدة مرشحين يتنافسون على أصوات العشيرة ذاتها. في الوقت ذاته فإن من سيشاركون هم من الطبقة المسحوقة واليائسة بحيث تقبل بيع أصواتها, أو تراهن على وعود سخية تصرف من حساب الدولة وليس من جيب المرشح.. هؤلاء هم أول من سيحمل البيض الفاسد ويعيد محاصرة مجلس النواب إن لم يتم الوفاء بوعود تطلق الآن بسخاء.

والحقيقة أن ذات "المال السياسي", إضافة للإنفاق المشروع على حملات عدد غير مسبوق من المرشحين, ساهما في توفير سيولة في فترة ضاغطة على الفقراء ومحدودي الدخل (عيد الأضحى والعودة للمدارس والجامعات) وحرّك آمالا تسكّن الآلام المعيشية.. وعلى قدر الآمال والوعود ستكون الخيبة.

فمعروف أن غالبية من سيوصَل للقبة هم من مالكي "المال الأسود" أو حتى النفوذ الأسود, أو لهم صلة به إن لم يكونوا واجهة له؛ ما يعني أنهم مستثمرون ينتظرون عائدا غير شرف اللقب والراتب وامتيازات المنصب المشروعة. وأقلهم تأهيلا للنيابة, وبالتالي أقلهم ملكية لفرصة "موضوعية" في العودة لها, سيحاولون جمع ريع استثمارهم سريعا, وحتما من محفظة الدولة.

video

وهذا غير ممكن كون الأردن يمر بفترة صعبة, في ظل مديونية ضخمة وتراجع المنح والاستثمارات, وربط الإقراض المحدود بإجراءات أجلّت لما بعد الانتخابات, التي عُجّل بها لإقناع المقرضين بوجود "إصلاح سياسي ديموقراطي". ولكون ما يُطالَب به الأردن من إصلاحات أخرى اقتصادية ومالية, سقوفها الزمنية تقلصت كثيرا.. فإن نهاية شهر عسل الانتخابات بين المرشحين ومن سينتخبونهم سيكون وشيكا, والصدام سيكون شاملا بدون مقاطعة أحد.

ولكن لكون الناخبين الرئيسيين للمجلس القادم مثل سابقيه, يمثلون حلقات النفوذ في الدولة, فإن المجلس القادم سيدخل بيت الطاعة من أول يوم.. ولكن الطلاق سيأتيه وشيكا من النظام الأبوي بعد أن يتصاعد العداء مع الأبناء الذين سيأخذ النظام صفّهم لا محالة. ومعه ستُطلّق الحكومة كاستحقاق دستوري لحل المجلس, وستلزم إصلاحات عديدة في العمق لا مجال لإنجاحها إلا بشخوص "تبيّض" وجه المشهد من آثار المال الأسود.. وبحيتان تقدر على مواجهة الأمواج بما فيها العابرة للمحيطات. المجلس الآتي خروف عيد, يدلّـله ويتلهى به الصغار ليذبحه الكبار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك