توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


في مقالتنا المنشورة في جريدة "الراية", بعد أيام من الانقلاب الفاشل في تركيا, قلنا إن "الديمقراطية" وإنجازات طيب رجب أردوغان الاقتصادية دفعا "لحينه" جماهير موالية ومعارضة تنزل معا للشارع للتصدي للانقلابيين.

وفي مقالتي تلك تكررت كلمة "لحينه" كون المقالة تعتمد على الحيثيات المتوفرة. والتحليل المحايد ملزم بتوقع تغيرات في مشهد انقلابي كهذا في منطقة لم تتكرس فيها الديمقراطية بعد.

وكانت إرهاصات المشهد ترجح أن يكون انقلابا من طرفين, وإن لم نرتض القفز للتخمين والخوض في نوايا أي من الأطراف، ولكن الأسبوعين التاليين لكتابة تلك المقالة وفرا حيثيات جديدة يلزم التوقف عندها من باب الحرص على تجربة إقليمية كان عرب كثر -إسلاميون وغيرهم- يتطلعون لتكرارها في بلادهم. وقد قلت في مقالتي تلك إنه "لو توفر واحد" من هذين الإنجازين التركيين لدول الربيع العربي, لما قامت ثوراته.

بداية تغير المشهد التركي كان باعتقالات طالت الآلاف، ما يشي بأن التهم الموجهة لهم لم تحظ بتدقيق يتيح الاعتقال الذي هو مصادرة لـ"حرية" الإنسان لا يجوز استسهالها, فكيف إن جرى ذلك بطرق مهينه وعنيفة تمس قائمة من بدهيات حقوق الإنسان, وبما يعطي وجاهة لاتهامات العالم لنظام أردوغان بعمليات تعذيب واسعة للمعتقلين، وأيضا بما يسقط هيبة مناصب المعتقلين، مما سيسقط هيبة المناصب في أحداث تالية ربما غير متوقعة أو منظورة.


video

فذات الشرطي الذي أفهم الناس أن لا هيبة لمنصب, لا يمكن إعادة تأهيله للنقيض لحظة يلوح انقلاب آخر، وهو غير مستبعد في ظل ما يبدو من تغير الظرف من "الشرعية الديمقراطية" التي ميزت تركيا مؤخرا عن محيطها, إلى الشرعية الانقلابية والقبضة الأمنية.

فاعتقال الآلاف وإقالة أعداد كبيرة (تتصاعد يوميا فلا يمكن التوقف عند رقم نهائي) من وظائف كبرى وصغرى, سيولد أعداء لأردوغان من أسر وأقارب وأصدقاء الموقوفين بغض النظر عن انتماءاتهم، وهذه بداية يتوقع أن تتفاقم في الأيام القادمة في ظل إعطاء صلاحيات أكبر لرجال الأمن.

ولعل أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه سياسي -خاصة من يريد أو يتوقع أن يبقى في المنصب طويلا- هو أن يحمّل نفسه وزر رجال أمن بصلاحيات واسعة بل واستثنائية، وذلك خطأ أودى بزعماء كبار حتى في عصور ما قبل فورة الاتصالات, أي في عصور ما قبل سهولة تكشف هذه الممارسات, وعصور ما قبل المحاكم الجنائية الدولية وشبه الدولية حيث يمكن لأفراد متضررين رفع قضايا، وقبل عصر العولمة الذي يستحيل فيه أن تبقى أية دولة "جزيرة" منفصلة وإن عزلتها محيطات عن أقرب جوارها، وهو ما لا يتاح تحديدا لتركيا لأهمية وخطورة موقعها.

يستطيع أردوغان أن يقول إنه لم يعد يأبه بشروط ومعايير أوروبا بعد أن ملت تركيا الوقوف على باب أوروبا لنصف قرن, ولكن هذا لا يغير حقيقة أن تركيا لا تقف فقط على بوابة رئيسة من بوابات أوروبا, بل تضع قدمها فيها عبر جسرين صغيرين أقرب لشارعين.

وسواء أكانت تركيا ترغب أم لم تعد ترغب بالانضمام للاتحاد الأوروبي, فإن ما يتبدى من نية إعدام المعارضين السياسيين بمحاكمات لا تلتزم الشروط الدولية لا يمكن قبوله من أوروبا وأميركا, ويعطيهما ذريعة لإجراءات ستنتقص فورا من الإنجازات الاقتصادية دون أن تقدم عذرا لحكام تركيا, بل وتحملهم وزر الانتقاص من "الديمقراطية".

فالقادم يتجاوز إعادة حكم الإعدام لجرائم قصوى ويلزمه قضاء مستقل ونزيه. وآخر ما يمكن اعتباره "مبررا" لإعادة حكم الإعدام تلك الهتافات التي تطلق في الشارع وسط جموع احتشدت, والأهم أنها "حُشدت" لدعم أردوغان؛ فتاريخ هتافات الحشود يعرفه أي مثقف.. بدءا من أحكام الإعدام في القرون الوسطى, و"حرق الساحرات" المؤيد والمنفّذ شعبيا, وحرق خصوم سياسيين بتهم الهرطقة (رديفة التكفير).

وأغلب ذلك كان يتحول لتسلية لجمهور مغرق في الجهل وتوطّن على العنف بدرجة أن يصطحب أطفاله لـ"التفرج" على الإعدامات.. وصولا للثورة الفرنسية -ولحد بعيد لثورات ربيع الشعوب الأوربية إثر التراجع عن منجزات الثورة الفرنسية- حيث تطالب الشعوب بإعدام كامل الطبقة الحاكمة رجالا ونساء لتصفية الخصوم والانتقام منهم, بل ويشترون لأطفالهم اللعبة الشائعة على شكل مقصلة! وبعدها استقرت أوروبا على طريق التغيير الديمقراطي بدل الإعدامات, بل وباتت مفرطة الحساسية لأي شكل من تصفيات الخصوم لكون آخر هذه التصفيات (التصفيات الحديثة) اختلط بذرائع دينية وقومية, وجرى في شرقها في يوغوسلافيا السابقة, وحمل تسمية "التطهير".

video

وتأتي تركيا شرق ذلك الشرق، وعلى بوابة منطقة ملتهبة بمطالب الديمقراطية, وأيضا بنقيضها المتمثل في داعش (تنظيم الدولة الإسلامية). والديمقراطية هي ما يفترض أن تميز الدولة التركية المعاصرة عن "داعش" المنتمية للقرون الوسطى. وأي تراجع لتركيا عن تلك الديمقراطية, خاصة لكون حزبها الحاكم ورئيسها يوصفان بـ"الإسلاميين", يرفع درجة الإنذار في أوروبا والغرب عامة.

وبالنظر لـ"البينات" التي ستستعمل في التطهير التركي, وربما في استصدار أحكام إعدام, نجد عينات منذرة لا تتناسب مع متطلبات القضاء المحايد؛ فما نشر من عثور الشرطة على أوراق نقدية من فئة الدولار لدى عدد من المتهمين بالتورط في الإنقلاب, والقول بأن وجود أرقام تسلسلية قريبة من بعضها يفيد بأن "الدولار" يستخدم بين الانقلابيين كشفرة, أمر يصعب قبوله؛ فهنالك ملايين الطرق الأسهل والأدق لإيصال رسائل مشفرة. وفئة "الدولار" يصعب اعتبارها رشوة أو تمويلا للأتباع إذ تلزم أطنان منها لتحقق ذلك. أما أن هذه الدولارات قرأ عليها غولن "أدعية" من أجل "التوفيق والسداد", فكيف أمكن إثباته؟ أليس الأجدى أن تقرأ الأدعية على "تميمة" لن تصرف؟!

والقول إن المعتقلين اعترفوا بعلاقتهم بغولن -وهوما يراد بشدة تثبيته- يطرح سؤال "التعذيب", وهو سؤال مبرر نتيجة صور الاعتقال التي نشرتها الحكومة التركية ذاتها. أما ما يفترض أنه الاعتراف الأهم الذي قال أردوغان إنه "يكشف عنه لأول مرة" فهو أن رئيس أركانه قال له إن من اعتقله اقترح عليه مقابلة "غولن"، فهو لا يعتبر بينة من الناحية القضائية، بل يرفض ابتداء بكونه "hearsay" والتي تعني "الشائعة" أو "شهادة سماع من الغير".

أما إقامة "مقبرة الخونة" على أرض بجانب مأوى للحيوانات الضالة لدفن القتلى من المشاركين في الانقلاب, ومنع المدنيين زيارتها ومرافقة الصحفيين من طرف مسؤولين أمنيين إذا أرادوا التقاط صور لها.. فيثير تساؤلات حقوقية عديدة في العالم لا يكفي للرد عليها قول أردوغان إنه لا يعبأ بما تقوله أوروبا؛ فالميت بين يدي ربه ولا تجوز إهانته كما تقول جهات مسلمة ردا على صاحب فكرة المقبرة (رئيس بلدية إسطنبول الذي قرر أن "الذين يخونون بلادهم لا يمكنهم أن يرقدوا بسلام في قبورهم"، وردا أيضا على هيئة "ديانة" للشؤون الدينية الذي قال إن "من داسوا على قانون أمة بأسرها لا يستحقون الترحم ولا الصلاة عليهم".

في مقالتنا على الراية التي تبين إنجازات أردوغان التي أتته بدعم شعبي, تحفظنا بالقول إن نزول الشعب التركي للشارع دعما لأردوغان -الذي يسعى الآن لتغيير الدستور- ليس كنزول الشعب الفنزويلي دعما لشافيز، وقد ثبت الأمر فعليا؛ فحين اعتقل الانقلابيون شافيز سأله الجندي المكلف بحراسة زنزاته: هل استقلت؟ وحين نفى شافيز ذلك قال الجندي: "إذن أنت ما زلت قائدي ورئيسي".

وكان المواطن الفنزويلي يتظاهر في الشارع حاملا كتيبا صغيرا في جيبه، ويقول: هذا سندنا وسنهزم الانقلابيين، وكنت أظن أن هذا الكتيب هو نسخة من الإنجيل, قبل أن يتبين لي أنه نسخة من الدستور.
ومن اللافت أن شافيز حاول تعديل ذلك الدستور بذات الاتجاه لسلطة رئاسية شبه مطلقة, ولكن حين رفض الشعب ذلك احترم شافيز إرادة شعبه. ورحل شافيز مبجلا, وسيبقى مبجلا في ذاكرة شعبه ولدى الإنسانية جمعاء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك