ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

تطورات جديدة
نظرة إلى الأطراف المعنية
ملاحظات ختامية

من المبكر التكهن بالتغيرات المحتملة في أدوار الفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط: إيران وتركيا وإسرائيل، وما يتعلق بمكانة كل واحد منهم في المنطقة ونوعية علاقاته، الصراعية أو التنافسية، بالدولتين الأخيرتين.

فنحن إزاء واقع متحرك، لا أحد يعرف متى وكيف سيستقر، بحكم التفاعلات والتكيفات الكبيرة والسريعة الجارية؛ هذا أولا. وثانيا، لأن الصراع على سوريا لم يحسم بعد، ولم تتضح أبعاده وتأثيراته، إذ مآلات هذا الصراع هي التي ستحدد -على الأغلب- مكانة الدول الإقليمية المعنية وكيفية تموضعها في الوضع الجديد.

وثالثا، باعتبار أن الولايات المتحدة لم توضح مدى "انسحابها"، أو تخففها من وجودها، أو هيمنتها، في هذه المنطقة. رابعا، هناك أيضا دخول روسيا بقوة على مسرح الصراع في المنطقة من البوابة السورية، وهي في هذه الحالة تنازع إيران على النفوذ، وتنسق مع إسرائيل، وثمة تعاون بينها وبين تركيا مرشح للازدياد، سياسيا واقتصاديا وربما أمنيا.

تطورات جديدة
ثمة ما يرجح أننا إزاء تاريخ جديد للشرق الأوسط تلعب فيه القوى الإقليمية -مع روسيا-، وبرضى أميركي، الدور الأكبر في تشكيل النظام الإقليمي الجديد، إذ شهدنا مؤخرا طي الخلاف التركي والروسي، وعقد الرئيسين بوتين وأردوغان اجتماع قمة بينهما في بطرسبرغ، بعد طول قطيعة وتصارع على الأجندة الإقليمية، وقد بدا أنهما توافقا على تنسيق سياساتهما الإقليمية، فضلا عن الاقتصادية.

نحن إزاء واقع متحرك، لا أحد يعرف متى وكيف سيستقر، بحكم التفاعلات والتكيفات الكبيرة والسريعة الجارية؛ هذا أولا. وثانيا، لأن الصراع على سوريا لم يحسم بعد، ولم تتضح أبعاده وتأثيراته، فمآلات هذا الصراع هي التي ستحدد غالبا مكانة الدول الإقليمية المعنية وكيفية تموضعها

بديهي أن ثمة دوافع عجلت ذلك؛ منها محاولة الانقلاب التركية مع ظهور شبهات على رضى أميركي، ثم بروز القوة الكردية (ب ي د) في المسرح السوري، وشعور روسيا أن العلاقة مع تركيا يمكن أن تقلل من عواقب تورطها في سوريا، مقابل شعور تركيا بأن روسيا أضحت عاملا مقررا في سوريا على حساب إيران. وهذه العوامل كلها دفعت تركيا لمراجعة سياستها إزاء الصراع السوري، والانخراط في الجهد الجاري لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وحث الجهود نحو إيجاد مخارج سياسية تكفل وحدة التراب السوري وإيجاد حكم يمثل كل السوريين (بحسب تصريحات لبن علي يلدريم رئيس الوزراء التركي).

وترى تركيا أن هذا يفيدها بصد طموحات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الانفصالية، وهو الحزب الشقيق لحزب العمال الكردستاني (التركي)، وإيجاد حكم يشمل كل السوريين، ما يعني الانتهاء من عائلة الأسد، مع الحفاظ على الدولة السورية؛ وهي الانعطافة التي تتقاطع مع الحليف الروسي. ونقطة قوة تركيا، بالقياس لإيران، جاذبيتها أو قوتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي وعلاقات الاعتمادية التي تربطها بروسيا في البني التحتية والتجارة والاستثمار.

مقابل هذا التطور وجدت إيران نفسها مضطرة للدخول في لعبة مزدوجة قوامها تعزيز علاقتها مع تركيا وإعطاء تسهيلات لروسيا في أراضيها وقبول مكانتها في الصراع السوري. والمعنى أنها لم تقف متفرجة على تعمق العلاقات بين منافستها تركيا وحليفتها روسيا؛ حيث تتخوف أن يكون على حساب التنسيق بين طهران وموسكو ودمشق، والذي تقرر في الاجتماع الذي عقده وزراء دفاع هذه الدول في طهران يونيو/حزيران الماضي.

ولأجل ذلك سارعت لوضع قاعدة همدان العسكرية تحت تصرف سلاح الجو الروسي، الذي قام بطلعات جوية منها لضرب أهدافه في سوريا، وهو تطور بالغ الأهمية في علاقات إيران بروسيا، وذهبت ببرغماتيتها حد تطوير علاقاتها مع تركيا، أيضا، ولهذا جاءت زيارة محمد جواد ظريف وزير خارجيتها إلى أنقرة، وثمة زيارة مقبلة للرئيس التركي إلى طهران.

هكذا فإن هذه التطورات روجت لإمكان قيام تفاهم أو حلف ثلاثي بين روسيا وإيران وتركيا، يكون من مهامه، أيضا، إيجاد مخارج سياسية مناسبة للصراع في سوريا، بما يحافظ على مصالح كل الأطراف (روسيا وإيران وتركيا)، مع الإقرار بأن اليد الطويلة باتت لروسيا في هذا المجال.

الجدير بالملاحظة أن التفاعلات الجارية تتم في ظل الافتقاد لدور عربي فاعل، فالدول التي كانت فاعلة في المشرق العربي (سوريا والعراق) باتت بمثابة ساحة للصراع الدولي والإقليمي، أما مصر فلا يبدو لها أجندة واضحة، في حين أن الدول الخليجية غير قادرة بمفردها على سد هذه الثغرة، ناهيك عن خلافات بعضها مع تركيا بسبب توجسها من دعمها للتيار الإسلامي، ما يجعلها غير قادرة على استثمار الدور التركي في الشرق الأوسط.

نظرة إلى الأطراف المعنية
أولا، إيران: منذ قيامها انشغلت إيران بتعزيز نفوذها في المشرق العربي من مداخل القضية الفلسطينية، وتنمية العصبية المذهبية (الشيعية) في المجتمعات العربية، مع تخليق قوى حزبية وميلشيات عسكرية وشبكات خدمية موالية لها، بمعنى أنها أدارت سياساتها على أساس المزج بين النفوذ المالي والنفوذ العسكري والنفوذ الأيديولوجي الديني والطائفي، ووفق سياسة تدخلية مكشوفة في شؤون الدول العربية.

التنافس، أو التصارع المضمر بين تركيا وكل من روسيا وإيران، لم يمنع هذه الدول من استمرار علاقاتها الثنائية، وعلاقات التعاون الاقتصادي، رغم أن كلا منها يتمسك بأجنداته في مواجهة الطرف الآخر خاصة في سوريا، ما يفسر الحديث عن حلف ثلاثي تركي إيراني روسي

مع كل ذلك فإن السياسات التي انتهجتها أسهمت في تقويض صورتها وانحسار نفوذها في المجتمعات العربية أولا، لانكشافها كدولة دينية وحيدة في المنطقة تحتكم لنظام "الولي الفقيه". وثانيا، وبحكم طابعها الطائفي وعملها على شق وحدة مجتمعات المشرق العربي على أسس مذهبية، وهو الأمر الذي أخفقت فيه إسرائيل. وثالثا، لوقوفها مع نظام الأسد، ومقاتلتها مع الميلشيات العراقية واللبنانية السوريين دفاعا عنه. ورابعا، بحكم هيمنتها على العراق، وتدعيمها مكانة القوى الطائفية الموالية لها. وخامسا، لدعمها الانقلاب في اليمن وسيطرة "الحوثيين" على أجزاء كبيرة من هذا البلد.

فضلا عن ذلك فقد ظلت إيران موضع شك وشبهة، فهي لم تقدم النموذج لدولة منفتحة، لا باعتبارها دولة إسلامية، ولا باعتباره دولة ديمقراطية. فنسبة لكونها دولة إسلامية اتسم خطابها الديني بالتشدد، وبهيمنة "الحرس الثوري" على السلطة، وتبني نهج "الولي الفقيه"، فضلا عن الطابع المذهبي المكشوف؛ ما حد من إمكانية توسيع نفوذها في الإطارات الشعبية في البلدان ذات الأغلبية "السنية".

أما بالنسبة لاعتبارها دولة ديمقراطية، فبديهي أن الاعتبارات السابقة تفيد بإضعاف مبناها باختزال الديمقراطية إلى لعبة انتخابية -على أهميتها- مع تحكم رجال الدين بالتشريع والقضاء وبأجهزة الدولة ومواردها. أيضا، وفي واقع اليوم تجد إيران أنها في اليمن تقف في وجهها السعودية وباقي دول الخليج، وفي العراق ثمة الولايات المتحدة وقطاع مهم من الأكراد، وفي سوريا ثمة روسيا وتركيا.

الحديث الآن يدور عن مسألتين، أولاهما، تراجع مكانة إيران في سوريا لصالح النفوذ الروسي. وثانيتهما، تراجع احتمال قيام نوع من التحالف الروسي الإيراني السوري، لصالح محور ثلاثي آخر يضم روسيا وإيران وتركيا.

ثانيا، تركيا: منذ صعود حزب العدالة والتنمية (2002) حازت تركيا على شعبية كبيرة في البلدان العربية مع نجاحاتها الاقتصادية، ومساندتها للعرب في قضية فلسطين، سيما أن ليست لها ميلشيات كما إيران، ولا تشتغل على إذكاء التوترات في المجتمعات العربية. لكن مع اندلاع الثورات العربية، خاصة في سوريا، دخلت تركيا بشكل قوي على المشهد بمواقفها السياسية واستضافتها للسوريين اللاجئين واحتضانها للمعارضة السورية السياسية والمسلحة.

لكن الدعم الذي قدمته تركيا للثورة السورية لم يرق إلى دعم إيران للنظام السوري، ناهيك عن المتاعب الداخلية الذي حصلت لها جراء ذلك، على الصعيد الداخلي من جهة الأكراد والطائفة العلوية، والمعارضة العلمانية، ثم على الصعيد الخارجي من جهة روسيا وبعض الدول العربية على خلفية دعمها التيارات الإسلامية، هذا إضافة إلى القيود الأميركية والإسرائيلية، على دورها الإقليمي، وعدم تعاون أوروبا معها.

اللافت أن هذا التنافس، أو التصارع المضمر بين تركيا وكل من روسيا وإيران، لم يمنع هذه الدول من استمرار علاقاتها الثنائية، وعلاقات التعاون الاقتصادي، رغم أن كلا منها يتمسك بأجنداته في مواجهة الطرف الآخر خاصة في سوريا، ما يفسر الحديث عن حلف ثلاثي تركي إيراني روسي.

هنا تجدر ملاحظة حدود القوة وميزاتها بالنسبة لتركيا وإيران، إذ يبلغ الناتج السنوي لإيران حوالي 800 بليون دولار، مع دخل للفرد يقدر بـ 10 آلاف دولار، بينما الناتج السنوي التركي يبلغ حوالي ألف بليون دولار، مع 13 ألف دولار كدخل للفرد.

وبينما تصدر إيران بضائع ونفط بقيمة 38 بليون دولار سنويا، 15% سلعا صناعية، تبلغ قيمة صادرات تركيا 114 بليون دولار سنويا، 87% منها سلعا صناعية، علما أن إيران تملك ثروة نفطية هائلة، ومساحتها ضعف مساحة تركيا. وبينما تعول إيران على الدعم الروسي فإن تركيا ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وبعضوية "الناتو"، رغم أن ذلك لم يفد تركيا في معادلاتها الإقليمية عمليا.

وإذا كانت إيران تستنزف جزءا كبيرا من إمكانياتها في العراق ولبنان وسوريا فإن تركيا تعاني بدورها من مشكلات داخلية (الأكراد، العلويون، التوجس العلماني الإسلامي)، ما يحد من قدرتها على التعاطي مع الملفات الخارجية؛ بالقياس لإيران.

من الصعب التسليم بإمكان تذويب التناقضات بين الأطراف الإقليمية المعنية، والتسليم بإمكان نشوء حلف ثلاثي روسي إيراني تركي، أو حتى ثنائي تركي إيراني أو تركي روسي، فالخلافات بين الأطراف المذكورة جد كبيرة، وحتى الحلف الروسي الإيراني لا يبدو متينا

ثالثا، إسرائيل: بينما تتصارع تركيا وإيران على مكانتيهما الإقليمية، سيما في سوريا والعراق، تقف إسرائيل متفرجة تقريبا، ومستفيدة من الصراعات العربية، ومن التنازع بين إيران وتركيا (والسعودية)، ومن تصدع مجتمعات المشرق العربي، على أسس مذهبية وطائفية وأثنية، ما جعلها في ظل هذه الأوضاع الدولة الأكثر استقرارا وتطورا وقوة في المنطقة.

ومن تفحص مواقف إسرائيل يمكن ملاحظة أنها تهتم لثلاثة جوانب إستراتيجية، أولها، أمنها الذاتي. وثانيها، أمنها الإقليمي. وثالثها، مكانة الولايات المتحدة في العالم، وفي الشرق الأوسط، ويتعلق بأمنها المتأتي من علاقتها مع واشنطن.

واضح أن إسرائيل تراقب التطورات الجارية، ما يفسر كمون دورها ربما بانتظار ما ستنجلي عليه الصراعات الداخلية والإقليمية، لاسيما مآلات وضع سوريا والعراق والتنافس التركي الإيراني. مع ذلك فهذا لا ينفي أنها ترى في هذه التحولات فرصة لها لفرض إملاءاتها على الفلسطينيين، وطلب الاعتراف بها كدولة يهودية، وربما فرض نوع من حل أحادي عليهم، كما محاولتها استثمار التنازع الروسي الأميركي، لتعزيز علاقاتها الأمنية والاقتصادية والسياسية مع روسيا، والتنسيق معها في الشأن السوري. ويجدر التنويه، أيضا، إلى التراجع في مكانة قضية فلسطين في الأجندة العربية والإقليمية، بحكم ما يجري في العراق وسوريا وليبيا واليمن، وهو بالتأكيد ما يناسب إسرائيل.

ملاحظات ختامية
قصارى القول من الصعب التسليم بإمكان تذويب التناقضات بين الأطراف الإقليمية المعنية، والتسليم بإمكان نشوء حلف ثلاثي روسي إيراني تركي، أو حتى ثنائي تركي إيراني أو تركي روسي، فالخلافات بين الأطراف المذكورة جد كبيرة، وحتى أن الحلف الروسي الإيراني لا يبدو متينا، أو يبدو أنه يتركز على تقاطعات معينة في الدفاع عن النظام السوري، في حين بدأنا نشهد تباينات بين الموقفين الروسي والإيراني، بخصوص اعتبار روسيا لذاتها وصية على سوريا، ودفعها نحو مفاوضات سياسية، لإيجاد مخارج مقبولة، في حين تصر إيران على أنها هي صاحبة النفوذ في سوريا وأن لا حل سوى الحل الأمني.

بديهي أننا استبعدنا إسرائيل من هذه التوقعات، إلا أن هذا لا يجعلنا نتجاهل علاقات التنسيق العالية والمستدامة التي تربطها مع روسيا ومع تركيا كل على حدة، في أكثر من مجال، بمعنى أن إسرائيل هي الحاضر الثالث أو الرابع، ولو مواربة، في أي تشكيل سياسي يأخذ على عاتقه تقرير مستقبل سوريا، سواء مع روسيا أو تركيا أو الولايات المتحدة.

جانب آخر يمكن ملاحظته هنا؛ وهو إمكان زيادة التباين بين روسيا وإيران، على خلفية تنافسهما على سوريا، ما يشكل ربما ثغرة يمكن أن تستثمرها تركيا، في إيجاد حلول أكثر قربا من مصالح الشعب السوري، مع تأكيد قادتها أن لا تغيير بخصوص الانتهاء من نظام بشار الأسد. مع ذلك فإن تطورات الأمور مرهونة باستمرار الصراع أو بوقفه في سوريا، كما هي مرهونة بإرادة الولايات المتحدة ونوعية وشكل الحل الذي يمكن أن تحسم بهما وضع سوريا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك