مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني

أدلة السقوط
تجربة المغرب العربي
موجبات الاستدراك

تفتح المحن والنوازل التي ألمت بجماعات الإسلام السياسي في السنوات الأخيرة الباب على مصراعيه لسؤال المراجعة والتقييم في ظل الفشل المتكرر والإخفاقات الكبيرة التي منيت بها في أكثر من بلد عربي، وعجز هذه الجماعات، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، عن استيعاب الدروس والعبر والتقاط موجبات اللحظة التاريخية الراهنة في إطار عملية استدراكية إصلاحية شاملة لم تفطن لها سوى حركة "النهضة" التونسية مؤخرا.

أدلة السقوط
ابتداء، ينبغي التنويه إلى أن أدلة ومؤشرات أفول نجم جماعات الإسلام السياسي البائنة في السنوات الأخيرة تقتصر على سقوط وانهيار المشروع السياسي العام لهذه الجماعات، وخاصة جماعة الإخوان، فحسب، ولا تعني، بالضرورة، حتمية سقوط المشاريع الإصلاحية في حدودها القطرية، كما لا تعني سقوط البنى الهيكلية لهذه الجماعات وانهيار نفوذها الاجتماعي.

فالفرق أوضح ما يكون بين المشروع السياسي العام للحركات الإسلامية الذي اصطلح على تسميته بـ "الإسلام السياسي" وبين المشاريع الإصلاحية الإسلامية في حدودها القطرية، وما شهده الواقع العربي المعاصر من أحداث وصراعات خلال العقود الماضية ينبئ بهذه الحقيقة التي بدت أكثر بروزا في الآونة الأخيرة.

video

أول أدلة السقوط تكمن في العجز المطلق لجماعات الإسلام السياسي عن تحقيق الأهداف والغايات والشعارات الكبرى التي رفعتها على مدار العقود الماضية، إذ أن تحقيق الحاكمية لله من خلال تدشين أنظمة حكم ذات صبغة إسلامية، وإعادة صياغة المجتمعات العربية والإسلامية على أسس دينية جديدة وفق مفهوم "الأسلمة"، وتقديم البديل الإسلامي الحركي في مختلف المجالات، بقيت أهدافا نموذجية في إطارات وقوالب نظرية بالرغم من المعارك المضنية التي خاضتها جماعات الإسلام السياسي طيلة العقود الماضية.

فالواقع أن المشاريع الإسلامية المتعددة، وخصوصا جماعة الإخوان، لم تنجح في إنفاذ رؤاها ونظريتها السياسية والفكرية والثقافية والمجتمعية كما تأمل وتشتهي، وبالذات فيما يتعلق بالشأن السياسي الذي شهد إخفاقات بالغة وفشلا مدويا في قدرة الجماعة على حسن التساوق مع اشتراطاته ومقتضياته ودوائره الأساسية.

ومع ذلك، لا يمكن لأحد إنكار حجم الإسهامات الجليلة التي قدمتها جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الإخوان، لخدمة المجتمعات العربية إغاثيا، وجهدها الواسع في بث الوعي ونشر القيم الدينية ومعاني الفضيلة والأخلاق الحسنة في الأمة، إلا أن ذلك بقي حبيس الجانب الاجتماعي والقيمي دون أن يتمكن من تغيير الواقع السياسي واجتياح المنظومة المهيمنة على دوائر ومراكز الفعل الثقافي والفكري والسياسي في الأمة.

ثانية أدلة السقوط تتجلى في عجز جماعات الإسلام السياسي عن بلورة برنامج سياسي واضح المعالم على مدار المراحل الماضية للتعامل مع مشكلات وتحديات بلدانها، وبدا أن أقصى ما قدمته هذه الجماعات، وفي مقدمتها الإخوان، برنامجا فضفاضا يتسم بالعمومية المفرطة ولا يصلح أن يشكل أساسا مقبولا لممارسة سياسية حقيقية في إطار مشروع الدولة والعمل العام الذي يستلزم تحديد أدق التفاصيل ووضع النقاط على الحروف.

وبكل تأكيد، فإن خصوم الإسلام السياسي لم يملكوا يوما برامج سياسية نموذجية قادرة على انتشال بلدانهم من مشكلاتها وأزماتها العميقة، إلا أن الفرق أوضح ما يكون بين جماعات الإسلام السياسي المتسلحة بالشعارات والعموميات، وبين الأنظمة والتيارات الأخرى التي عاشت تجارب عملية وتطبيقات واسعة في مجال إدارة الدولة ومؤسساتها رغم أشكال الفساد وسوء الإدارة التي تميز سلوكها.

ثالث تلك الأدلة تتعلق بحال الأثرة والغرور الغالب على تفكير وسلوك جماعات الإسلام السياسي، فهم يعتقدون أنهم يمتلكون الحق والحقيقة دون غيرهم من الناس والجماعات، وتصدر عنهم، أو عن الكثير منهم، نظرات استخفاف أو استصغار لبعض الجماعات، ونظرات تحقير وازدراء لجماعات أخرى.

وقد انعكس ذلك على سلوك وتعاملات جماعات الإسلام السياسي في مختلف المجالات، إذ أورث ذلك أبناءها وكوادرها نظرة استعلائية على الآخرين، كما أقحمها في أتون صراعات ومناكفات لا حصر لها مع التيارات الأخرى، وحجزها عن إمكانية إرساء قواعد التنسيق والتعاون مع الآخرين في كثير من المجالات.

رابع الأدلة يتمثل في انعدام الخبرة السياسية بمعناها الحقيقي، وانعدام الخبرة بشأن إدارة الدولة وأجهزتها ومؤسساتها المختلفة، فقد خاضت جماعات الإسلام السياسي معترك الانتخابات والعمل العام اعتمادا على حسن النية ونظافة اليد وطهارة السلوك، دون أي فهم عميق وخبرة واقعية، في الوقت الذي خَبرت فيه التيارات الأخرى العمل السياسي، وامتلكت تجربة واقعية في إدارة الدولة ومؤسساتها ومرافقها المختلفة.

خامس الأدلة يكمن في استنكاف جماعات وتيارات الإسلام السياسي عن استخلاص العبر من الأحداث والقضايا المختلفة، وافتقارها إلى المرونة في التعاطي مع المجتمع المحيط، وتمسكها بمواقف متصلبة تصب في خانة مصالحها الخاصة على حساب المصالح الجامعة للأمة وشعوبها.

video
كل ذلك، زرع بذرة الفناء في قلب المشروع الإسلامي الحركي العام، وأذهب معظم جهود وتضحيات وعطاءات عشرات السنين سدى، ووضع جماعات الإسلام السياسي في أسوأ حال وأضيق زاوية منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين نهاية العشرينيات من القرن الماضي وحتى اليوم.

تجربة المغرب العربي
في ثنايا تقييم انعكاسات المرحلة وأحداثها الجسام على جماعات الإسلام السياسي يمكن أن نلحظ بوضوح التطور الكبير في التفكير والممارسة لدى بعض الجماعات الإسلامية في المغرب العربي، وخصوصا في المغرب والجزائر وتونس، فقد سبقت الحركة الإسلامية المغربية (حزب العدالة والتنمية) والحركة الإسلامية الجزائرية (حركة مجتمع السلم) جميع الحركات والجماعات الإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية، من حيث فهم تضاريس الواقع السياسي في البلدين (المغرب والجزائر)، وعدم الخلط بين الديني والسياسي في إطار عملها الحركي.

وبرز الأمر بشكل أكثر جلاء في صلب التجربة المغربية حيث أقدم حزب العدالة والتنمية منذ عدة سنوات على مقاربة بالغة الأهمية تركزت على الفصل التام بين الدعوي الإستراتيجي والسياسي التكتيكي، وحدد لكل جانب مرجعيته الخاصة، بحيث لا يتأثر النشاط الديني والدعوي بأخطاء ولربما خطايا السياسيين، في الوقت الذي يمتلك فيه أهل السياسة أوسع قدر ممكن من الحرية والاجتهاد في الحقل السياسي والحزبي دون أي احتكار للدين والشعارات الدينية.

لذا، لم يكن غريبا أن يحصد حزب العدالة والتنمية نجاحات مهمة في إطار السياسة المغربية والواقع المغربي، وأن يتبوأ قدرا رفيعا ضمن مكونات الواقع السياسي، في الوقت الذي مضت فيه عجلة العمل الدعوي والديني بكل أريحية ويسر ضمن معايير الوسطية والاعتدال دون أي عقبات أو إشكاليات موضوعية.

وبالرغم من السبق القديم للحركة الإسلامية الجزائرية الممثلة للإخوان (حركة مجتمع السلم) في الانخراط ضمن المعترك السياسي الجزائري، والتعامل مع العمل السياسي وفق مقتضيات المرونة الكاملة والحكمة البالغة، فإن هذه التجربة بقيت قاصرة على مفاعيل العمل السياسي ولم تتطور إلى حد بلوغ مقاربة شاملة تطال البنية والمفاهيم الحركية والفكرية، وتفصل بين السياسي والديني.

الغريب أن تجربة العدالة والتنمية في المغرب لم تحظ بالحد الأدنى من البحث والاهتمام في الأوساط السياسية والفكرية المختلفة، وفي مقدمتها الأوساط الحركية الإسلامية، فقد مرّ الأمر بشكل اعتيادي دون أن يأخذ نصيبه من التقييم والتمحيص، ومن ثم استقاء الفائدة والدروس، بل إن التجربة الإسلامية الحركية المغربية لم تنل قسطها المطلوب من الدراسة بالرغم من المقاربة التي نحت بها حركة النهضة التونسية ذات المنحى، والذي انتقل بموجبه "العدالة والتنمية" من دوائر الارتباك والاضطراب السياسي والفكري والتنظيمي إلى آفاق الوضوح الكامل والتخصص الدقيق، المحفز للاجتهاد والتطوير, والواقي من الفتن والصراعات الداخلية.

ولم تستيقظ الساحة السياسية في المنطقة العربية إلا عقب "القنبلة" التي فجرها الشيخ راشد الغنوشي قبيل مؤتمر "النهضة" الأخير، وأعلن بموجبها ما كان يتوجب إعلانه منذ زمن من حيث الفصل بين السياسي والدعوي، الأمر الذي قوبل باستحسان التيارات السياسية والفكرية الأخرى فيما قوبل بغضب وامتعاض الجماعات الإسلامية الأخرى.

بيت القصيد أن ردود الفعل الصادرة عن جماعات الإسلام السياسي جاءت باردة في ظاهرها، قاسية في باطنها، فقد اعتبرت سلوك "النهضة" انحرافا بيّنا وخروجا عن الخط الرسمي والتقاليد العامة التي أدمنت الحركات والجماعات الإسلامية انتهاجها طيلة العقود الماضية.

موجبات الاستدراك
بين يدي المرحلة الراهنة فرصة قائمة أمام الحركات الإسلامية الإصلاحية لاستدراك أخطاء ومزالق المرحلة الماضية، والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تفقد الشعوب العربية والإسلامية ثقتها التامة في أهليتها الذاتية والموضوعية للإسهام في مشاريع إنقاذ الشعوب، وإعادة إحياء روح الدين وقيم النهضة في نفوس أبنائها وفق موازين السماحة والاعتدال.

video

وبلا ريب فإن أحدا ينبغي ألا يغفل عن أن فرص ومعايير النجاح ليست متساوية إزاء مختلف التجارب الإسلامية في المنطقة، إذ أن الشعوب التي عايشت تجارب إسلامية فاشلة تبدو مهمة إقناعها بأي مشروع إسلامي في ثوب تجديدي حديث صعبة قياسا بالشعوب التي لم تعط فيها الحركات الإسلامية فرصة الحكم أو تصدر المشهد السياسي العام.

ومع ذلك، فإن من شأن الزهد في عدم الاستدراك وبلورة صيغ جديدة للعمل الحركي الإسلامي على شاكلة الصيغ التجديدية للحركات الإسلامية المغاربية، وآخرها "النهضة"، أن يجعل المشاريع الحركية الإسلامية القائمة متقوقعة في إطار أبنائها ومناصريها وأكثر بعدا عن الشرائح الاجتماعية والقطاعات الجماهيرية العريضة، وهي وصفة مضمونة للفشل المحقق والانتحار الأكيد.

وبرؤية تحليلية مجردة، فإن ما يصدر اليوم عن جماعات الإسلام السياسي يعبر عن خمول تام في الفكر والتفكير السياسي، وانغلاق كامل في المواءمة بين مقاصد الدين والدعوة ومتطلبات العصر والواقع.

فبالرغم من كل المحن والضربات والصراعات التي دارت في المنطقة، والتي شكلت جماعات الإسلام السياسي ضلعا أساسيا فيها، وبالرغم من عجز الأدوات والوسائل التي أدمنت هذه الجماعات على استخدامها على مدار العقود الماضية عن مجاراة الواقع وتقريب الأهداف، إلا أن النخبة القيادية فيها لا تبدو في وارد انتهاج أي خيار تجديدي أو النزول عند إرادة المراجعة والتقييم ابتغاء إعادة إحياء المشروع الإسلامي الكبير الذي انهار بنيانه وتصدعت أركانه بفعل سوء تقدير وصنيع أبنائه والمنتسبين إليه من جهة، وعجزهم عن التصدي لمكر خصومهم وأعدائهم من جهة أخرى.

ومع ذلك، فإن الصف الحركي الإسلامي في المنطقة لم يعدم العديد من المبصرين ذوي الفكر المستنير والحرص البالغ على الاستدراك وتجاوز مطبات ومصائب المراحل الماضية، إلا أن قلة هؤلاء وضعف نفوذهم القيادي وعدم امتلاكهم أدوات التأثير ضمن إطار جماعاتهم وحركاتهم جعل أصواتهم ورؤاهم محض صرخة في واد أو نفخة في رماد.

خلاصة الأمر، أن جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الإخوان، تحجم عن ابتدار أية خطوة في طريق الإصلاح والتجديد الداخلي لتدارك فشل مشروع الإسلام السياسي العام، وهو ما ينفي إمكانية قدرتها على التفاعل مع تحديات الواقع ومتغيرات العصر لجهة التأسيس لواقع ومنظومة جديدة قادرة على الانتقال بالمشروع الحركي الإسلامي الفاعل في المنطقة العربية إلى بر الأمان ضمن الحدود القطرية، وتقديم البديل الحقيقي والأنموذج الرصين القادر على الإقناع والتغيير، والذي يتناسب مع طبيعة البيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لكل قطر عربي وخصوصياته المستقلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك