ريتشارد ن. هاس

ريتشارد ن. هاس

رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي


في شهر سبتمبر/أيلول من كل عام، ينزل العديد من رؤساء العالَم، ورؤساء الوزراء، ووزراء الخارجية، ضيوفا على مدينة نيويورك لبضعة أيام. وهم يأتون لحضور بداية الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلقاء الخطب التي تميل إلى الحصول على قدر من الاهتمام في بلدانهم أكبر من ذلك الذي تحظى به في القاعة، وعقد أكبر عدد ممكن من المقابلات تسمح به جداول أعمالهم، فيما يشبه المعادل الدبلوماسي لخدمة المواعدة السريعة.

وهناك أيضا التقليد المتمثل في تعيين قضية أو مشكلة بعينها ومنحها قدرا خاصا من الاهتمام، ولن يُستثنى عامنا هذا من ذلك التقليد. فمن المقرر أن يخصص يوم التاسع عشر من سبتمبر/أيلول لمناقشة محنة اللاجئين (وكذلك المهاجرين) وما الذي يمكن (وينبغي) القيام به أكثر من المتاح لهم حاليا لمساعدتهم.

وهو اختيار جيد، حيث يوجد الآن ما يقدر بنحو 21 مليون لاجئ في العالَم. وبما أن تعريف اللاجئين في الأصل يشمل أولئك الذين يتركون بلدانهم بسبب الخوف من الاضطهاد، فإن فئة اللاجئين تضم أيضا الآن أولئك الذين يضطرون إلى عبور الحدود بسبب الصراع والعنف. وقد ارتفع الرقم بشكل حاد عما كان عليه قبل خمس سنوات فقط، وهو ما يرجع في الأساس إلى حالة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط، حيث تشكل سوريا وحدها مصدر ما يقرب من واحد بين كل أربعة لاجئين في العالم اليوم.

من حيث المبدأ، هناك أربع طرق للقيام بشيء حقيقي لحل مشكلة اللاجئين. الأولى والأكثر جوهرية تتلخص في اتخاذ خطوات جادة لضمان عدم احتياج الناس إلى الفرار من بلدانهم، وخلق الظروف التي تسمح لهم بالعودة إلى ديارهم إذا فروا

ولا يعكس اهتمام الأمم المتحدة ودولها الأعضاء الزيادة في الأعداد أو المخاوف الإنسانية المتزايدة إزاء معاناة الرجال والنساء والأطفال الذين أرغموا على ترك ديارهم وأوطانهم فحسب، بل ينبع الاهتمام أيضا من التأثير الذي يخلفه تدفق اللاجئين إلى بلدان المقصد، والذي تسبب في قلب السياسة رأسا على عقب في بلد تلو الآخر.

في أوروبا، يمكننا أن نعزو تزايد المعارضة السياسية للمستشارة أنجيلا ميركل، والتصويت لصالح خروج بريطانيا، والجاذبية المتنامية التي تحظى بها الأحزاب القومية اليمينية، إلى المخاوف الحقيقية والمتوهمة من اللاجئين. والواقع أن العبء الاقتصادي والاجتماعي الملقى على عاتق بلدان مثل الأردن وتركيا ولبنان وباكستان، والتي يُطلب منها جميعا إيواء أعداد كبيرة من اللاجئين، هائل. وهناك أيضا المخاوف الأمنية حول ما إذا كان بعض اللاجئين إرهابيين فعليين أو محتملين.

من حيث المبدأ، هناك أربع طرق للقيام بشيء حقيقي لحل مشكلة اللاجئين. الأولى والأكثر جوهرية تتلخص في اتخاذ خطوات جادة لضمان عدم احتياج الناس إلى الفرار من بلدانهم، أو إذا فروا، خلق الظروف التي تسمح لهم بالعودة إلى ديارهم.

لكن هذا سوف يستلزم بذل المزيد من الجهد من قبل الدول لإنهاء القتال في أماكن مثل سوريا. وللأسف، لا يوجد إجماع حول ما قد يتطلبه هذا، بل وحتى في حال وجود بعض الاتفاق، فإن الإرادة الكافية للتعهد بالموارد العسكرية والاقتصادية اللازمة لا وجود لها. والنتيجة هي أن أعداد اللاجئين في العالم سوف تتزايد لا محالة.

وتتمثل الطريقة الثانية لمساعدة اللاجئين في ضمان سلامتهم؛ حيث يتعرض اللاجئون للخطر بشكل خاص عندما يتحركون. وبعد وصولهم إلى مقاصدهم، لابد من تلبية العديد من احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك الصحة، والتعليم، والسلامة البدنية. وهنا، يتمثل التحدي الذي يواجه الدول المضيفة في ضمان توفير القدر الكافي من الخدمات الأساسية.

تعد قضية اللاجئين مثالا صارخا آخر للفجوة بين ما يجب القيام به لمواجهة التحديات العالمية وما قد يكون العالم على استعداد للقيام به. ومن المؤسف أن نفس الأمر يصدق على أغلب مثل هذه التحديات، من الإرهاب وتغير المناخ إلى انتشار الأسلحة والصحة العامة

ويشمل العنصر الثالث في أي نهج شامل في التعامل مع اللاجئين تخصيص الموارد الاقتصادية للمساعدة في تحمل الأعباء. وتُعد الولايات المتحدة وأوروبا (الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأوروبي ذاته) أكبر مساهمين في المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة، ولكن العديد من الحكومات الأخرى غير راغبة في التعهد بنصيبها العادل. ولابد من فضح هذه الحكومات.

ينطوي الجانب الأخير من أي برنامج للاجئين على إيجاد أماكن يذهبون إليها. فالواقع السياسي هو أن أغلب الحكومات غير راغبة في الالتزام بقبول أي عدد أو نسبة محددة من لاجئي العالَم. ومرة أخرى، لابد من الثناء على أولئك الذين يقومون بأكثر من نصيبهم العادل وانتقاد المتقاعسين.

يعيدنا كل هذا إلى مدينة نيويورك؛ من المحزن أن أسباب التفاؤل قليلة. ذلك أن مشروع "الوثيقة الختامية" الذي يتألف من 22 صفحة، ومن المقرر أن يجري التصويت عليه في الاجتماع الرفيع المستوى في التاسع عشر من سبتمبر/أيلول ــ العامر بالعموميات والمبادئ ولكن تنقصه التفاصيل والسياسات ــ لن يفعل شيئا يُذكر لتحسين أحوال اللاجئين. أما الاجتماع المقرر في اليوم التالي، والذي سيستضيفه الرئيس الأميركي باراك أوباما، فربما ينجز شيئا بشأن التمويل، ولكن أقل القليل على أي جانب آخر.

تُعد قضية اللاجئين مثالا صارخا آخر للفجوة بين ما يجب القيام به لمواجهة التحديات العالمية وما قد يكون العالم على استعداد للقيام به. ومن المؤسف أن نفس الأمر يصدق على أغلب مثل هذه التحديات، من الإرهاب وتغير المناخ إلى انتشار الأسلحة والصحة العامة.

بوسعنا أن نتوقع الاستماع إلى الكثير من الأحاديث في نيويورك الشهر المقبل حول مسؤولية المجتمع الدولي عن بذل المزيد من الجهد لمساعدة اللاجئين ومعالجة الظروف التي تدفعهم إلى الفرار من ديارهم، ولكن الحقيقة المؤلمة هي أنه لا يوجد قدر كبير من التوافق على المستوى الدولي. وما دامت هذه هي الحال، فسوف يظل الملايين من الرجال والنساء والأطفال يواجهون حاضرا محفوفا بالمخاطر ومستقبلا قاتما.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات