علي حسين باكير

علي حسين باكير

باحث ومحلل سياسي

الدلالات المتعلقة بإيران
الدلالات المتعلقة بروسيا
الدلالات المتعلقة بأميركا

أرسلت روسيا في 16 أغسطس/آب الحالي قاذفاتها الإستراتيجية من نوع "توبوليف-22 أم3" البعيدة المدى، إلى سوريا لتنفيذ ما يوصف بأنه "قصف سجادي" (تدمير رقعة معينة) فوق مناطق مختلفة من البلاد. وإن كان القصف الروسي هناك قد تحول للأسف إلى شيء اعتيادي منذ العام الماضي، لكن الاستثناء فيما جرى هذه المرة أن القاذفات الروسية انطلقت من قاعدة عسكرية تقع داخل الأراضي الإيرانية، وهي المرة الأولى ربما منذ الحرب العالمية الثانية التي تنطلق فيها قوات أجنبية من قواعد عسكرية إيرانية لمهاجمة بلد ثالث.

وفقا للمعلومات المتاحة، فإن القاذفات الروسية الإستراتيجية انطلقت من قاعدة جوية إيرانية تقع قرب مدينة همدان (حوالي 125 كلم غرب العاصمة طهران)، ثم واكبتها قاذفات تكتيكية من نوع سوخوي (سو-34)، لتستهدف مواقع في شمال حلب وإدلب ودير الزور. وتأتي هذه الهجمات في ظل تقدم معتبر للمعارضة السورية المسلحة على الأرض في حلب منذ نهاية يوليو/تموز الماضي لاسيما بعد الاختراق الكبير الذي سجلته إثر معارك كلية المدفعية ومعمل الإسمنت وفكها للحصار المفروض على الأحياء الشرقية من حلب.

video

اعتبر البعض أن هذه الخطوة الروسية تحمل طابعا سياسيا وليس إستراتيجيا على اعتبار أن موسكو ليست بحاجة إلى قواعد عسكرية في إيران لتنفذ ضرباتها الجوية وأن باستطاعتها استخدام صواريخ موجهة بعيدة المدى من البحر أو من داخل روسيا، لكن مثل هذا التقييم يحتاج إلى مراجعة دقيقة. فما حصل لا يعد تحولا بسيطا، صحيح أنه قد لا يحسم المعركة في سوريا أو يغير من المعادلة فيها، لكنه بالتأكيد يحمل الكثير من الرسائل والدلالات المهمة وربما الاستثنائية على أكثر من صعيد.

الدلالات المتعلقة بإيران
كان لافتا أن يبادر الجانب الروسي وليس الإيراني إلى الإعلان عن تنفيذ هذه الهجمات الجوية انطلاقا من الأراضي الإيرانية، وهذا يعني أن الجانب الإيراني كان متوجسا أو مدركا لحساسية هذا الموقف داخليا، فضلا عن إدراكه بطبيعة الحال أن اليد العليا في الموضوع تعود إلى الجانب الروسي، وأن الجانب الإيراني هو مجرد مزود لتسهيلات لوجستية لا أكثر.

بمعنى آخر، أظهر الهجوم إيران بحجم أصغر بكثير مما كانت تقدم نفسها فيه، وأن العلاقة بين روسيا وبينها لا تختلف كثيرا عن العلاقة بين أي قوة كبرى وبلد آخر صغير على الرغم من محاولات علي شامخاني، أمين (سكرتير) المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، والمنسق الأعلى للشؤون السياسية والعسكرية والأمنية بين إيران وسوريا وروسيا، التخفيف من وطأة الموقف وتغليفه إياه بحديث عن مسوغات محاربة الإرهاب وأنه يأتي في سياق تعاون إستراتيجي ومشاركة القدرات والمنشآت اللوجستية لهذا الغرض.

ومن المفارقات أن المادة 146 من الدستور الإيراني تمنع إقامة أي نوع من أنواع القواعد العسكرية الأجنبية في البلاد حتى ولو كانت للأغراض الإنسانية، ما يعني أن خرق مثل هذا الأمر تم من أعلى مستوى في إيران أي من قبل المرشد الأعلى نفسه.

في هذا السياق بالتحديد، فإن موافقة السلطات الإيرانية الممثلة بأعضاء مجلس الأمن القومي مرورا برئيس الجمهورية وصولا إلى المرشد الأعلى، على السماح لقوة أجنبية بالتواجد على أراضيها، وباستخدام الأراضي الإيرانية منطلقا لهجمات عسكرية على دولة ثالثة -لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية- لا تشير فقط إلى انغماس روسيا أكثر فأكثر في الأزمة السورية، ولكنها تشير أيضا -وهذا هو الأهم في المدلول الإيراني- إلى مأزق نظام الملالي في سوريا وإفلاسه العسكري لدرجة اضطر معها أن يكسر قاعدة من أهم قواعد سياساته الداخلية والخارجية خلال حوالي أربعة عقود من حكمه.

لعقود طويلة، ظل نظام الملالي يعاير شاه إيران السابق والأنظمة العربية بأنها سبب من أسباب استقرار النفوذ الأجنبي في المنطقة. استخدم نظام الملالي هذه الورقة كما غيرها من الأوراق في مهاجمة الأنظمة العربية وفي كسب الشارع العربي طيلة تلك المدة، لكن 16 أغسطس/آب 2016 بالتحديد يؤرخ بشكل رسمي لتحول إيران إلى أداة لتعظيم النفوذ الأجنبي العسكري (الروسي) في المنطقة بوصفه قوة احتلال.

لم يعد لإيران الحق في أن تنتقد الآخرين أو أن تلعب هذه الورقة، وكما عرت الثورة السورية إيران وكشفتها كلاعب طائفي يسعى إلى التمدد القومي بعباءة إسلامية وتحت شعارات المقاومة، فإن استخدام روسيا لإيران لضرب سوريا أظهرها بمظهر الأداة لقوة أجنبية تسعى إلى تعزيز نفوذها في المنطقة.

video

وما ينطبق على إيران هنا ينطبق أيضا على حلفائها وأدواتها (الحكومة العراقية والنظام السوري والميليشيات الطائفية) وهذا من أهم دلالات استخدام روسيا للأراضي الإيرانية في هجومها على سوريا.

أضف الى ذلك أن الهجمات الروسية على سوريا انطلاقا من الأراضي الإيرانية تعد مؤشرا على فشل ذريع للقوات المسلحة الإيرانية والميليشيات الرسمية وغير الرسمية التابعة لها في تحقيق تقدم ملموس على الأرض لاسيما في حلب. فالاتفاق الروسي الإيراني كان يقتضي أن تقوم موسكو بتقديم غطاء جوي لقوات الأسد والقوات الإيرانية للسيطرة على الأرض وإنهاء الأمر، لكن هذه المعادلة لم تنجح إلى الآن رغم الدعم الروسي الهائل والتسهيل الأميركي المتعمد.

لجوء روسيا إلى القاذفات الإستراتيجية يؤكد ضعف الإيرانيين وحلفائهم على الأرض في سوريا، ويعني المزيد من الانغماس العسكري لروسيا في الأزمة. وسواء أكان استخدام روسيا للأراضي الإيرانية قد جاء بطلب من موسكو أو بعرض من طهران فهو في الحالتين مؤشر على أن نظام الملالي فشل في حسم الموقف لصالحه واضطر في النهاية أن يقبل بوجود قوات أجنبية على أراضيه.

الدلالات المتعلقة بروسيا
لا يمكن القول بأن انطلاق قاذفات إستراتيجية روسية من الأراضي الإيرانية لقصف أهداف في سوريا يحمل أهمية سياسية حصرا، فاستخدام القواعد العسكرية الإيرانية له طابع عسكري ولوجستي لا يمكن إنكار أهميته بالنسبة إلى الجانب الروسي بتاتا، خاصة أنه يختصر المسافة على القاذفات الروسية بحوالي 800 ميل، وهو ما يتيح لها أن توفر الوقود وأن تزيد في المقابل من حمولتها من القنابل، ما يسمح بدوره بتكثيف حملتها على المعارضة السورية خاصة أنها ستكون قادرة على حمل 12 طن من المتفجرات.

هذه الخطوة لا تحمل دلالات جيوسياسية فقط، وإنما جيوعسكرية تؤكد أن نفوذ موسكو أصبح يتمدد في المنطقة ليس من الناحية السياسية والاقتصادية فقط، وإنما من الناحية العسكرية أيضا، وهذه هي النقطة الأهم في الموضوع.

فهي في سوريا تخوض أول حرب لها خارج الحزام التقليدي لنفوذها في آسيا الوسطى، كما أنها أول حرب لروسيا بهذا المقياس منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، ليس هذا فقط فهي تحمل رسالة مفادها أنها قادرة أيضا على استخدام قواعد عسكرية في بلدان مختلفة في المنطقة تماما كما يفعل الجانب الأميركي بوصفه قوة عظمى.

فيما يتعلق بسوريا، سبق وأن أعلنت موسكو عدة مرات أنها تقوم بتجربة العديد من قدراتها العسكرية هناك، وفي هذا السياق لا شك أن هناك جانبا استعراضيا للعملية تحرص موسكو على أن تغطيه إعلاميا بشكل ممتاز، وهذا أسلوب روسي مفهوم؛ لكن هناك شق آخر من الموضوع يتعلق بالعمليات العسكرية الجارية في سوريا ومفاده أن حجم القصف الذي يتم من داخل القواعد الروسية في سوريا لم يعد يكفي لإنهاء الوضع.

فموسكو مستعجلة وتريد إضعاف المعارضة السورية قدر المستطاع قبل الذهاب الى جولة مفاوضات سياسية جديدة، وهذا دليل إضافي على تقهقر ما تبقى من قوات الأسد وميليشياته، وعلى عدم فعالية القوة العسكرية الإيرانية هناك وعلى فشل روسيا حتى الآن في تحقيق أي من أهدافها المعلنة على الرغم من مرور حوالي عام على تدخلها العسكري.

الدلالات المتعلقة بأميركا
وكما بات معروفا، وصفت الخارجية الأميركية انطلاق القاذفات الروسية من قواعد عسكرية في إيران بالمؤسف، لكنها أكدت أنه لم يكن مفاجئا. ووفقا للمتحدث العسكري باسم التحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أخطرت روسيا التحالف بقيامها بعملية عسكرية في سوريا انطلاقا من إيران، وقد قام الجانب الأميركي بتأمين إجراءات السلامة في المسار الذي ستسلكه القاذفات الروسية.

video

بمعنى آخر، لعبت الولايات المتحدة دورا أيضا في هذه العملية وإن كان ثانويا أو هامشيا لكنه كان مطلوبا وضروريا لتأمين نجاح العملية. وفي هذا السياق، يجب أن لا ننسى أن الهجمات الروسية في سوريا انطلاقا من الأراضي الإيرانية أتت بعد شهر تقريبا من مقترح إدارة أوباما الذي تم تسريبه في الواشنطن بوست للتعاون مع موسكو في سوريا والذي يتضمن تفاصيل تتراوح بين الشراكة وتوزيع الأدوار عسكريا وأمنيا.

ويشكل استهداف "داعش" و"جبهة النصرة" (جبهة فتح الشام) جزءا أساسيا من الاتفاق الذي ينص على تنسيق في هذا المجال وعلى القيام بعمليات مشتركة، لكن الاتفاق ينص أيضا على السماح بتصعيد الجهود المستقلة للقيام بهذا العمل.

وعلى الرغم من التقارير التي تشير إلى أن الطرفين لم يتفقا بعد بشكل كامل على تفاصيل هذا الاتفاق، فإن قيام موسكو باستخدام قاذفات ضخمة في تنفيذ عمليات قصف جوية استهدفت حلب وإدلب على وجه الخصوص قد يكون بمثابة مؤشر على دخول جزء من الاتفاق حيز التنفيذ، خاصة أن هذه العملية جاءت بعد يوم واحد فقط من تصريحات وزير الدفاع الروسي حول قرب التوصل إلى تفاهم مع واشنطن لتنفيذ عمليات مشتركة في سوريا.

في المقابل، هناك من يفسر استخدام روسيا للأراضي الإيرانية في هذه العملية على أنها ورقة لتحسين موقف موسكو في التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وللتأكيد على أن لها اليد العليا في العلاقة مع إيران من جهة ثانية وللضغط على الأتراك أيضا بعد إعادة التطبيع من جهة ثالثة.

أيا يكن الأمر فلا شك أنه تطور خطير ستكون له تبعات كبيرة داخل سوريا وفي المعادلة الإقليمية خاصة إذا ما انتقل من طابع استثنائي إلى دائم في المرحلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك