عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر

تفكير استعاري
أنواع الشراكات الفيروسية
معادلة الإرهاب

عقولنا البشرية لا تحتمل تعقيد الظواهر الحياتية بعواملها المتشابكة، الأمر الذي جعل الإنسان يخترع مقاربات تمكنه من تفكيك أكبر قدر ممكن من ذلك التعقيد المحيط بهذه الظواهر. من تلك المقاربات أسلوب "التفكير الاستعاري" أو "المجازي".

تفكير استعاري
ولو طبقنا هذا الأسلوب على الإرهاب فثمة استعارة دقيقة وذات جدوى ونجاعة في التحليل لهذه الظاهرة المعقدة المخيفة، وتتمثل في أن "الإرهاب شراكة فيروسية ". وحين نستنطق خصائص الفيروسات نجد تشابها كبيرا بين الإرهاب والفيروسات؛ ولعلي أسلط الضوء على أهم خصائص الفيروسات التي تتشابه فيها مع الإرهاب؛ حيث تتسم الفيروسات بما يلي:
video

1- تكيف الفيروسات مع الظروف الصعبة وغير المواتية، تماما كالإرهاب الذي يصمد في مواجهة أشد المواقف وأعتى الشدائد.

2- إمكانية النمو والتمدد، مع عدم قدرة الفيروسات على التكاثر إلا بمعاونة خارجية، فالفيروس يحتاج إلى ما يسمى بـ "الخلية المضيفة"، وهكذا الإرهاب، فهو طفيلي النزعة.

3- إعادة التشكل والقدرة الفائقة للفيروسات على المباغتة وإحداث الإرباك للمنظومة البنائية أو الدفاعية، وبطرق تفوّت فرصة اكتشافها، وهذا ما يسعى إليه الإرهاب.

4- التخصص، إذ أن كل فيروس يصيب جهازا معينا بأمراض محددة، وكذلك الإرهاب، حيث يشتغل بعضهم في الدعم، وبعضهم الآخر يباشر أعمال العنف والقتل والتدمير.

5- القابلية للانتقال بالعدوى من شخص إلى آخر، فثمة فيروسات معدية، كما في أفكار الإرهاب وجرائمه.

أنواع الشراكات الفيروسية
ولو عدنا إلى مقولة أن "الإرهاب شراكة فيروسية" بغرض تبين هذه الفيروسات، وطبيعة هذه الشراكة فيما بينها، فإنه يمكننا القول بأن الإرهاب ينبني على ثلاثة أنواع من الشراكات، وترتيبها من حيث القوة والخطورة كما يلي:

1- "الشراكة التضامنية"، وفيها يتضامن الإرهابيون في كل شيء، مع استعدادهم لتقديم كل ما يملكونه من أجل الوفاء بمستحقات المشروع الإرهابي وحماية أعضائه.

2- "الشراكة ذات المسؤولية المحدودة"، وهنا لا يُقدِم الإرهابيون على تعريض أنفسهم للخطر أو الافتضاح من أجل المشروع أو الأعضاء.

3- " شراكة المساهمة"، وفي هذه الحالة لا وجود لأي نمط تضامني، حيث يكتفى فقط بالدعم المادي أو التقني أو المعلوماتي.

معادلة الإرهاب
شركاء الإرهاب أو المساهمون فيه كثر، بيد أنه يمكن اختزال هؤلاء عبر الوصول إلى معادلة تعكس إسهام هؤلاء الشركاء وكيفية تفاعلهم لإنجاح مشاريعهم الإرهابية. وفي ضوء ما تراكم لدي من نتائج في بعض دراساتي ومن خلال التنقيب في الأدبيات العلمية توصلت إلى "معادلة أولية"؛ يمكن أن تكون معينا لنا على فهم معقول لظاهرة الإرهاب ولكونه "شراكة فيروسية". هذه المعادلة سأجعلها مبسطة بقدر المستطاع، كما في الصورة الآتية:

video

الإرهاب= تكفير + احتباط (إحباط داخلي) + مناصرة + انصياع + اضطراب + أخرى. ويمكن توضيح مكونات هذه المعادلة بشكل مختصر، كما في المحاور الفرعية التالية:

أولا: تكفير.. خامل وفاعل وناقل
هذا المكون ديني بالأساس، ويتخذ التكفير المرتبط بالإرهاب أحد الأشكال الآتية:
1- تكفير خامل: فهو كمن يحمل "فيروسا خاملا "؛ ويشير إلى ذلك النوع من التكفير الذي يستبطنه الإنسان داخليا ولا يجرؤ أن يظهره في سطح شعوره؛ فضلا عن إظهاره للآخرين، ومبعث الإصابة به الميل النفسي للتشدد؛ مصحوب بفهم مغلوط أو منقوص لبعض النصوص الشرعية، مع قدر من الانعزالية.

2- تكفير فاعل: يعكس الحالة التي يحمل فيها الإنسان فيروسا تكفيريا نشطا يصيبه بالداء فتظهر أعراضه الفكرية والنفسية، وعادة ما يكون تكفيرا جزئيا. وهذا الفيروس غير معدٍ في أغلب حالاته، نظرا لأن صاحبه لا يتوفر على قدرات فكرية ولا كاريزما شخصية. ويتسم صاحب "التكفير الفاعل" بدرجة أعلى من الانعزال والميل النفسي للتشدد في الجوانب الدينية والسلوكية.

3- تكفير ناقل: لا يكون الفيروس التكفيري نشطا فحسب بل يكون ناقلا للعدوى التكفيرية، وهنا الخطورة الكبرى، لاسيما أنه قد يكون تكفيرا شبه شمولي، كما أن أصحابه لديهم قدرات تؤهلهم لأن يختاروا بنجاح الوسط الذي ينشّطون به فيروساتهم مع استعدادهم لخوض عشرات المحاولات. ويتصف "التكفيري الناقل" بتشدده المطلق في الجوانب الدينية والسلوكية.

ثانيا: الاحتباط.. ليس مجرد إحباط
هذا مكون مركب من العوامل النفسية والسياسية. الأوضاع في عالمنا العربي باتت أكثر بؤسا من حالة شيوع الإحباط؛ نظرا لشكلانية المشاريع الإصلاحية وعدم جدواها وتنامي الفقر والبطالة والفساد، مما جعلنا نلوذ بكلمة جديدة عبر تقنية الاشتقاق اللغوي، وهي كلمة "الاحتباط". الإحباط يمكن أن يزول أو يخف بتحسن الظروف الخارجية، وأما "الاحتباط" فقد لا يزول ولا يخف بتحسنها؛ وذلك أن الاحتباط انكسار من الداخل، في حين أن الإحباط كسر من الخارج.

وكما أن للإحباط "عتبة"، فثمة "عتبة للاحتباط"، وهنالك مستوى من "الاحتباط" يمثل ما يمكن أن نسميه بـ"خط اللارجعة الاحتباطي"، فالإنسان قد يهوي إلى "نقطة سحيقة" من "الشعور القانط الحانق"، وقد يكره الإنسانُ فيها مجتمعه الساكت عن حقوق وامتيازات يراها واجبة له، بل قد يتجاوز هذا الكره إلى درجة كراهة الإنسان لنفسه، فيتولد لديه شعور قاتل بـ"الاغتراب"، مما يدفعه إلى أن يتخلص من نفسه بـ"الموت" أو بـ "العدمية"، سواء بانتحار معنوي أو شخصي، أو باللجوء إلى جماعات الإرهاب (انظر مقالي: الاحتباط.. موت دماغي للأمل الإصلاحي، الجزيرة، 19-10-2014).

ثالثا: المناصرة.. ولو بقوة مفرطة
هذا المكون مركب من جوانب دينية ونفسية وسياسية. من الأخطاء الشائعة في تحليل الإرهاب في أدبياتنا العربية، التوجه نحو تهميش العوامل التي قد لا تحمل إدانة جلية لمن يتورطون بالإرهاب تنظيرا وممارسة. التوصيف الموضوعي يدفعنا لتجاوز ذلك النهج، فهو ليس علميا ولا أخلاقيا. المجرم يكفيه أنه اقترف جرما متعمدا لإثبات التهمة عليه وإنزال العقوبة به، وهذا لا يعني استبعاد العوامل الإيجابية أو المحايدة الأخرى التي قد يكون تلبس بها في محيط نواياه أو تصرفاته في مرحلة ما.

الشعور بالظلم الواقع على فئات اجتماعية أو دينية محددة يحمّل بعض الناس -وبالذات الشباب- ضغوطات دينية ونفسية هائلة، ويصاحب ذلك شعور غامر بتأنيب الضمير. ومن هنا تتفجر لدى بعض الشباب روح الإقدام والمغامرة، لا سيما أن الكيانات الرسمية تعجز عن احتواء المواقف أو تقديم بدائل لرفع الظلم الواقع على هذه الفئات المضطهدة، ولو باستخدام قوة مفرطة أو غير مبررة. البعض قد يرى في إدراج هذا المكون نوعا من الطرح التبريري، وفي الحقيقة هذا ليس تسويغا وإنما هو توصيف علمي مجرد. وقد يندفع البعض لهذا الرأي (أو الاتهام) لأنه يحمّله استحقاقات لا ينوي أو لا يرغب في الوفاء بها!

رابعا: القابلية للانصياع.. الحالة والسمة
هذا المكون مركب من الجوانب النفسية والعقلية. الانصياع (أو الامتثال) يشير عموما إلى أن القواعد والمعايير والقيم لدى بعض الأفراد تكون عرضة للتأثر والتغيّر؛ من جراء ضغوط خارجية. من الباحثين من عدّ الانصياعَ سمة شخصية، ومنهم من عدّه عملية اجتماعية نفسية؛ تتضمن: الانصياع الخارجي (تغير في الآراء أو السلوك بغرض الاتفاق مع الجماعة) ، والانصياع الذاتي (تغير في المعتقدات والقيم الخاصة بالفرد نتيجة للقناعة الداخلية).

video

وقد خلصت في بحث سابق إلى نتيجة وإن كانت مبدئية إلا أنها شديدة الأهمية وتتلخص في أن الانصياع لدى الفئات المتورطة بالتكفير والإرهاب يبدأ كـ "حالة" (مؤقت) ثم يتحول إلى "سمة" (دائم). إن "القابلية للانصياع" لدى الإرهابي تعمل كبذرة نفسية فكرية، وكفكرة جوهرية مهيمنة على جهازه المعرفي، مما يصيبه بأعلى مستويات التحيز؛ فلا يلتقط جهازه المعرفي حينما يفكر أو ينظر في المسائل والقضايا والمشاكل إلا السمات والخصائص والعوامل التي تتفق مع تلك الفكرة وتنسجم مع مقتضياتها. ويدخل في "المكون الانصياعي" طرق غسيل الدماغ والتلاعب النفسي؛ لإحلال الأفكار الجديدة محل القديمة، وهو مبحث طويل.

خامسا: الشخصية السيكوباتية.. اضطراب نفسي عقلي
هذا المكون نفسي عقلي أيضا؛ الشخصية السيكوباتية تومئ إلى إنسان غير سوي، سواء في الجانب النفسي أو العقلي. من الممكن أن يتعرض الإنسان لاختلالات سيكوباتية نفسية أو عقلية بطريقة متدرجة، وقد لا تكون قابلة للملاحظة، الأمر الذي يجعلها تستفحل من حيث لا نشعر. وخصائص هذه الشخصية كثيرة، ومنها فجاجة الانفعالات وربما الإشباعات، وتبلد الحس، وضعف التكيف مع الغير والضدية للمجتمع، ونزعة التمرد وتحدي السلطة، والاندفاع والانغماس في اللحظة الراهنة وخفوت أضواء المستقبل في العقل، وعدم الاستفادة من الخبرات السابقة، وانعدام الاستبصار بذاته، والميول العدوانية والإجرامية بقوالب سادية، وعدم القدرة على الشعور بالذنب. ومن الجلي أن بعض هذه السمات تصلح لأن تكون ضمن خمائر الإرهاب ومفجراته.

سادسا: عوامل أخرى.. استيعاب أكبر للإرهاب
نظرا لتعقد ظاهرة الإرهاب، فقد جاءت فكرة إدراج عوامل أخرى في المعادلة ربما تكون أقل أهمية من العوامل السابقة. وقد تختلف العوامل الأخرى من زمن إلى آخر أو من مكان إلى آخر، كما قد يختلف المدخل المنهجي لتحديدها وإدراجها. منها على سبيل المثال: التنشئة الاجتماعية، الفراغ، التحزبات.

بقيت إشارة واحدة مهمة حول هذه المعادلة الأولية للإرهاب، وهذه الإشارة ذات مغزى للبحث العلمي. اتجهت في المعادلة إلى إدراج العوامل التي رأيت أهميتها، مع ميلي إلى وضع علامة الجمع (+) بين مكونات المعادلة بدلا من علامة الضرب (X)، وهذا أحوط منهجيا.

وهنا يجب أن أوضح الفرق بين الجمع والضرب في المعادلة. الجمع يعني أنه لا يلزم وجود كافة العوامل المدرجة في المعادلة لكي يحدث الإرهاب في سياقنا المجتمعي، في حين أن الضرب يلزمنا بوجود هذه العوامل مجتمعة ولو بقيمة صغيرة، وذلك أن انعدام أي عامل منها يعني بالضرورة صفرية النتيجة النهائية، لأن كل شيء مضروب في صفر هو صفر. مؤكد بأن البحث العلمي هو من سيحسم لنا هذه المعادلة؛ سواء بمكوناتها أو بالعلاقات الدقيقة فيما بين مكوناتها؛ بالجمع أو بالضرب أو بهما معا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك