مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


في لقاء قصير أجراه التلفزيون العربي مع توبايس إلوود، وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، للتعليق على مستقبل بريطانيا وعلاقاتها بالمنطقة بعد خروجها من الاتحاد الأوربي، كان لافتا تركيز الوزير البريطاني وتكراره على المصالح التي تكفلها بريطانيا مع ما سماه الأنظمة الملكية والأميرية في دول الخليج العربي.


وتأكيده أيضا أن بريطانيا لا تزال قوية وتملك كل قدرات تحقيق هذا التوازن الجيوسياسي مع مؤسسات الحكم في دول المنطقة.

ويتزامن حديث الوزير البريطاني مع الإعلان عن تأسيس قاعدة ضخمة في البحرين، يتوقع أن يفتتحها الأمير وليام قبل نهاية 2016، وقاعدة عسكرية برية من خلال مجموعة معسكرات في سلطنة عُمان، إضافة لاتصالات جديدة مكثفة مع دول أخرى في الخليج العربي، تُعيد وتعزز تموضع التواجد العسكري البريطاني في المنطقة، ولم تعلن ترتيبات محددة لها حتى الآن.

إن علاقة دول الخليج العربي العسكرية والسياسية مع بريطانيا وخاصة حين كانت عُظمى لا تغيب الشمس عن نفوذها واستعمارها المباشر ليست جديدة، لكن التموضع الحالي المهم للغاية في ساحل الخليج، هو جديدٌ في نوعه وظرفه، وفي تأثيره على توازنات المنطقة التاريخية.

ولا تزال لندن تملك عناصر تأثير نوعية على منطقة الخليج العربي، مع أن بريطانيا اليوم تعيش أزمة تأقلم واضطراب، وضحت بعد قرار خروجها من الاتحاد الأوربي، وضغط شركائها الأوربيين لإنهاء ملف انفصالها، كما أنها تعاني من انتزاع الولايات المتحدة الأميركية هيمنتها ونفوذها القديم، فيما تعيش الدولة نزعات قوية للاستقلال في أسكتلندا وويلز، تعود للحضور بعد كل منعطف وأزمة كبيرة تواجهها المملكة المتحدة.

video

غير أن ذات السياسة البريطانية الأقرب لرصد منطقة الخليج العربي، تعتمد على جملة من السياسات، والحضور الخارجي لجذور هيمنتها الإستراتيجية القديمة في المنطقة، لتكون أحد عوامل بقاء قوتها ومحوريتها التي تدعم صدارتها لأوروبا، واستمرارها كشريك تنافسي مع واشنطن، لتأخذ حصتها مقابل البنية السياسية التي تدعم فيها لندن واشنطن حين تضطرب أوضاع المنطقة من جديد.

ويتزامن ذلك مع مسارين تعيشهما المنطقة بين إيران والعنف الوحشي، في لحظة انهيار كامل لأي قدرات استقلال عربي، كانت قد صعدت مجددا مع موسم الربيع العربي، فانتهت على يد حروب نقض الربيع إلى واقع مرير.

وهناك استدراك رئيسي على مقولة العودة البريطانية للخليج، بالاعتراض أن بريطانيا لم تغادر سياساتها المنطقة، حتى بعد إعلان الاستقلال القُطري وزوال الانتداب الرسمي؛ وهذا صحيح، لكنه قطعا ليس بتلك الصورة من علنية النفوذ والتحكم في القرار السيادي من طرف لندن.

فقد باشرت الدول بعد الانتداب صناعة قرارها ونظامها السياسي بعضوية مستقلة في الأمم المتحدة، وتنظيم هيكل الدولة الوطنية لكن دون شراكة شعبية حقيقية، ودون أن تملك قدرات ردع ذاتية، فحلت واشنطن مكان الإنجليز، وطورت نفوذها، ما يجعل العودة البريطانية اليوم تأخذ مدارا جديدا، يحمل رسائل واحتمالات مفتوحة تعود بالخليج إلى ما قبل 1912، ولكن قد يكون بصورة أعقد.

وتاريخيا تعرّض الاستعمار البرتغالي ثم الإنجليزي للخليج العربي لمقاومة عربية صامدة من الجبور العقيليين الأحسائيين، ومن الأئمة اليعاربة العمانيين، والقواسم الوهابيين، وقد خسرت المقاومة العربية بعض المعارك كمعركة العقير التي انتصرت فيها لشبونة على جيش الأحساء الإسلامي، واحتُزّ فيها رأس القائد الشهيد مقرن بن زامل، الممهورة صورته على عملة البرتغال النقدية والموثقة في المتاحف العالمية بعد رصيف ضخم من الشهداء.

كما انتصرت المقاومة العربية في معارك أخرى خصوصا على يد اليعاربة العمانيين، وتحقق لهم طرد البرتغاليين من مسقط، ولكن وراثة الإنجليز للبرتغال تعززت بعد انهيار السلطنة العثمانية التي عاشت موسم فوضى واسعة في المشرق العربي، قبل عزل السلطان عبد الحميد 1909، وكان الإنجليز قد تواجدوا قبل ذلك وحاولوا بسط انتدابهم على كل ساحل الخليج العربي.

وقد نجحوا في ذلك باستثناء الأحساء، بسبب الحركة الوطنية التي قادها المفتي والمدارس الشرعية، التي كانت لها علاقة قوية وتضامنية مع السلطان عبد الحميد في الحصار الأوربي للشرق الإسلامي، وكانت تمارس مقاومة مدنية شرسة بثقافتها وعبر تلاميذها، وتراسل السلطان وتضغط على المتصرف بالأحساء لتعيين ولاة في كل إقليم بسطت بريطانيا عليه نفوذها في الخليج، باعتباره رفضا سياسيا مدنيا للنفوذ الأجنبي.

وكان تلاميذ هذه المدرسة كالشيخ قاسم بن مهزع والشيخ عبد الوهاب الزياني، في مواجهة هذا النفوذ في البحرين، باعتبار أن الأحساء لم يصل إليها الانتداب الإنجليزي، غير أن الشيخين وآخرين في الخليج العربي من ذات اتجاه المدرسة الشرعية الأم في الأحساء، لم يُستدرجوا لمواجهة مع السلطة الأميرية المحلية، تجنبا لخلق حروب عنف داخل النسيج الوطني، ودفعا لهذه السلطات في حينه إلى الفكر المستقل، للتمهيد لاستقلال سياسي عن إنجلترا، فيما دعم بعضهم نشاط المقاومة، والذي تبنته فيما بعد الحركة القومية في الخليج العربي وتوسعت فيه سياسيا، حتى زوال الانتداب.

وكان من أهم أسباب فشل النموذج المعد للأحساء، إيمان المفتي وشركائه بأن عزل السلطان عبد الحميد كان القشة الأخيرة لنفوذ العثمانيين وتعزيز الفوضى، وكانت بعوث لندن قد وصلت الأحساء بالفعل، ورصدها المفتي ووجه بموقف شرعي ضدها، ثم حالت الحركة التي قادها في 1912، دون ضم ما تبقى من إقليم الأحساء إلى بريطانيا.

إن مدار فهم تاريخ الحضور البريطاني في المنطقة، يساعد كثيرا على وعي المستقبل المضطرب في المشرق العربي، وتأثيراته على منطقة الخليج العربي، فالاتفاقية الأخيرة بين المنامة ولندن، تأتي بعد التصعيد الإيراني المتزايد على البحرين، وعلنية طرح تبعية الجزيرة لإيران ومن أوساط معارضة شيعية، كانت تتحرج من ذلك سابقا، وهي الجزيرة التي كانت تاريخيا تتبع لشرق الجزيرة العربي، والمسماة يقينا بدلمون.

video

كما أنها تأتي بعد انهيار كل جولات الحوار بين الدولة وجمعية الوفاق، وأزمة مرجعها الشيخ عيسى قاسم الذي نشأت حركة نفوذه وبسط قوته تحت الرعاية الضخمة لجمهورية ولي الفقيه، وإلا فالحالة الشيعية لم تكن في قالب إيراني قبل نظام ولي الفقيه، وكانت لديها شراكة مدنية واسعة مع الحركة الوطنية السنية، وقيادتها المحرقية، على الصعيد المدني التقدمي والديني.

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، كانت واشنطن تعلن مواقف مؤيدة لجمعية الوفاق، مع تصعيد إعلامي وسياسي ضد المنامة يتقاطع مع الحملة الإيرانية عليها، وهذا بلا شك أحد عناصر تشجيع العودة البريطانية للخليج.

إن توقيت عودة لندن وحضورها في الخليج العربي، يأتي في ظل إحباط شعبي سني كبير، وخصوصا مع تقدم المحور الروسي الإيراني في العراق وسوريا وضريبة الدم القاتلة لكل الطوائف.

هذه العودة تجد مساحة صمت ورضى خشية من القادم المتدحرج، في ظل انشطار جماعات الغلو والتوحش بعد أن ساهمت في ضرب ثورتي سوريا والعراق من الداخل، وانتهى موسم توظيفها الحالي، في ظل مخاوف من انفجارها الفكري الجديد وأثره على منطقة الخليج العربي.

بقي أن نؤكد ثلاث نقاط رئيسية في ختام المقال، الأول أن الذئب البريطاني ليس بعيدا عن الصفقة الأميركية الإيرانية، بل إن ترحيل المواطنين الإيرانيين من فارس للبحرين ومنحهم الجنسية قبل عام 1973، كان قرارا بريطانيا، فالمستجير بها كالمستجير من الرمضاء بالنار.

والثاني أن ظروف اليوم ليست مطابقة لظروف عام 1820، أو عام 1971، فيما يتصل بقوة إيران الطائفية وجماعات العنف الوحشية، والقرار الغربي الذي يستثمرها، والثالث أن سيناريو لندن وواشنطن يحوم حول عزل الساحل عن عمق الجزيرة استباقا لانهيارات كبرى، فما هي تكلفة ذلك، وأي حروب سيخلقها، ومن سيتحمل فاتورتها، وماذا سيبقى حينئذ من إنسان وعروبة الخليج؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك