مروان بشارة

مروان بشارة

كاتب محلل سياسي


في غياب نتنياهو
الدبلوماسية الماسوشية
من مدريد إلى باريس

طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فرنسا وأكثر من عشرين دولة تحضر مؤتمر السلام في باريس الذي انطلق اليوم أن تنأى بنفسها عن عملية السلام وأن تهتم بشؤونها الخاصة.

وأوضح نتنياهو للدول والقوى المشاركة في المؤتمر -بمن فيهم حلفاء إسرائيل- أنه يمكنهم أن يقولوا ما يريدون، ولكن إسرائيل ستفعل ما تشاء.

عندما زار نتنياهو البيت الأبيض لأول مرة كرئيس للوزراء؛ أدرك مضيفوه أنه "لا يطاق تقريبا، ويلقي علينا المحاضرات ويخبرنا عن كيفية التعامل مع العرب". وبعد خروجه، قالت وزيرة الخارجية وقتها هيلاري كلينتون "إنه يعتقد أنه يمثل الدولة العظمى وأننا هنا للقيام بكل ما يطلبه"

يمكن للمرء أن يتوقع أن سلوك نتنياهو هذا من شأنه أن ينفر مؤيدي إسرائيل وأن يؤدي لبعض التوبيخ العلني من لدن خصومها؛ لكنهم أثبتوا جبنهم ولم يجرؤوا على أن يقولوا على العلن ما يقولونه في الخفاء.

في غياب نتنياهو
فخلال المحادثة التي جرت في 28 مارس/آذار 2011 عبر الهاتف بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وثلاثة من القادة الأوروبيين وهم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي السابق نيكولاي ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تناوب هؤلاء على مهاجمة نتنياهو واعتبروا أنه لا يمكن الاعتماد عليه وأنه كذاب، كما أنهم ألقوا باللائمة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بسبب توقف محادثات السلام مع الفلسطينيين.

كما أنهم انتقدوا أوباما لسماحه بأن يكون نتنياهو عنيدا ومتعنتا بهذا الشكل، وذلك وفقا لما يقوله دينيس روس الذي أصبح لاحقا مستشار أوباما للأمن القومي بشأن الشرق الأوسط ومؤيدا قويا لإسرائيل.

ومنذ البداية، كان كبير موظفي البيت الأبيض رام إيمانويل قد حذر أوباما إزاء وقاحة نتنياهو. وعلى الرغم من أن إيمانويل كان من أشد المؤيدين لإسرائيل، فإنه حث على اتخاذ موقف قوي تجاه نتنياهو، قائلا: إن لم نفعل ذلك، فإنه "سيستغلنا ويتخطانا".

ولقد استغلهم وتخطاهم بالفعل، ففي وقت لاحق في 2011، اشتكى الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي لأوباما بالقول "لا يمكنني تحمل نتنياهو، إنه كاذب"، وذلك دون أن يدرك أن الميكروفونات في غرفة الاجتماعات قد تم تشغيلها.

ولم يستطع الرئيس أوباما الساخط المستاء إخفاء غضبه حين أجاب "أنت سئمت منه، ولكن لا بد لي من التعامل معه أكثر منك".

كما أن نتنياهو تسبب لأوباما بالإهانة في الكونغرس وفي وسائل الإعلام وعلى الساحة الدولية؛ بل إنه قام بتعنيف الرئيس أوباما بشأن "الحقائق" في الشرق الأوسط أمام الكاميرات في البيت الأبيض، كما لو كان دخيلا جاهلا.. ولم تكن تلك هي المرة الأولى.

فعندما زار نتنياهو البيت الأبيض لأول مرة كرئيس للوزراء قبل عقدين من الزمان، أدرك مضيفوه أنه "لا يطاق تقريبا، ويلقي علينا المحاضرات ويخبرنا عن كيفية التعامل مع العرب". وبعد خروجه، قالت وزيرة الخارجية وقتها هيلاري كلينتون "إنه يعتقد أنه يمثل الدولة العظمى وأننا هنا للقيام بكل ما يطلبه".

يعتبر ليبرمان سيئا بنفس درجة سوء الشركاء الآخرين في الائتلاف؛ فالمجتمع الإسرائيلي ابتعد كثيرا جدا إلى اليمين خلال العقود الأربعة الماضية، والقادة الغربيون هم أكثر عرضة لمواجهة الفاشيين بدلا من صانعي السلام في الحكومة الإسرائيلية الجديدة

وبعد سنوات قليلة، تفاخر نتنياهو أمام مستوطن إسرائيلي أمام كاميرا محطة تلفزيون محلية بالقول: "أنا أعرف ما هي أميركا.. أميركا شيء يمكنك تحريكه بسهولة جدا، تحركه في الاتجاه الصحيح".

وبعد ثماني سنوات، كاد الرئيس أوباما أن يستسلم لكل ما يريده نتنياهو في فلسطين، والآن يحاول الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن يجرب حظه.

الدبلوماسية الماسوشية
توقيت المبادرة الفرنسية الجديدة ناتج عن السياسة والجغرافيا السياسية الفرنسية وليس لها طابع ملح جديد يدل على بوادر انفراج.

ففرنسا صاحبة الصوت الأوروبي الرائد في مجال السياسة الخارجية تريد أن تعطي عملية السلام دفعة أخيرة قبل أن تعترف بالدولة الفلسطينية كما فعلت معظم دول العالم.

وعليه، فقد بعث الرئيس هولاند وزير خارجيته جون مارك أيرولت لتغيير عقل نتنياهو. ولتحفيز ذلك، قامت باريس حتى بسحب إنذارها للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وحتى الآن -وكما هو متوقع- فقد فشل أيرولت فشلا ذريعا.

وبعد بضعة أيام، أرسل هولاند رئيس وزرائه مانويل فالس دون أية ضمانات بالحصول على نتيجة مختلفة، ناهيك عن النجاح، وفشل هو الآخر بدوره فشلا تاما.

والاسئلة التي تطرح نفسها: لماذا تقوم الدبلوماسية الفرنسية المحنكة والمتصفة بالدهاء بتعريض نفسها لجولة أخرى من الإذلال الإسرائيلي؟ ولماذا تعتقدون أن باريس ستنجح من حيث فشلت واشنطن؟
فإذا اعتقد هولاند وفالس أن دعمهما لإسرائيل يجب أن ينتج عنه شيء ما، فإنها يحتاجان لأن ينظرا إلى آخر ثلاثة رؤساء أميركيين ممن تعاملوا مع نتنياهو.

عمليا؛ يعطي نتنياهو الأسبقية للسياسة المحلية على التحالفات الخارجية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بـ"السلام والأمن".

وقد جاء جواب نتنياهو على المبادرة الفرنسية على شكل تحالف جديد مع الحزب القومي المتشدد "إسرائيل بيتنا"، وذلك من خلال تعيينه رئيس الحزب أفيغدور ليبرمان بمنصب وزير الدفاع.

ومن بين العديد من الاعتداءات الأخرى، يريد ليبرمان قطع رؤوس الفلسطينيين "غير الوفيين" لإسرائيل.. "اقطع، اقطع، اقطع".

ولكنليبرمان يعتبر سيئا بنفس درجة سوء الشركاء الآخرين في الائتلاف؛ فالمجتمع الإسرائيلي قد ابتعد كثيرا جدا إلى اليمين على مدى العقود الأربعة الماضية، والقادة الغربيون هم أكثر عرضة لمواجهة الفاشيين بدلا من صانعي السلام في الحكومة الإسرائيلية الجديدة.

وحتى زعيم حزب الليكود دان مريدور الذي يفترض فيه أن يكون أقل تطرفا، والذي يرأس أيضا مجلس إسرائيل للعلاقات الخارجية، يعتقد بأن المبادرة الفرنسية ما هي إلا "اعتداء جدي وخطير جدا" على مكانة إسرائيل في العالم. لكن لا تهتموا بذلك، فكل الحاضرين في المؤتمر هم من مؤيدي إسرائيل.

ومن خلال زيادة توسيع ائتلافه الحاكم وجعله أكثر تطرفا، يمكن لنتنياهو أن يكون قادرا على تعزيز قاعدته وعلى مواجهة أو ردع القادة الغربيين ومنعهم حتى من مجرد التفكير في فرض أي شيء على إسرائيل، لأنهم حاولوا أن يفعلوا ذلك مرة في 1991.

وحتى زعيم حزب الليكود دان مريدور الذي يفترض فيه أن يكون أقل تطرفا، والذي يرأس أيضا مجلس إسرائيل للعلاقات الخارجية، يعتقد بأن المبادرة الفرنسية ما هي إلا "اعتداء جدي وخطير جدا" على مكانة إسرائيل في العالم

من مدريد إلى باريس
فقبل خمسة وعشرين عاما قام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير أو رئيس نتنياهو، مبدئيا برفض حضور مؤتمر السلام الدولي في مدريد، ثم وافق على الحضور على مضض، ولكن فقط بعد أن قبلت الولايات المتحدة كل ما قدمه من شروط مسبقة.

وتُرك الأمر لنائب وزير الخارجية الأصغر سنا والأكثر حيوية نتنياهو للتعبير، أو بالأحرى للتعتيم على موقف إسرائيل الحقيقي.

هذا الموقف، كما اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق شامير في وقت لاحق، كان لإطالة أمد محادثات السلام مع الفلسطينيين لمدة عشر سنوات مع زيادة كبيرة في عدد المستوطنين اليهود في الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

هل هذا يبدو مألوفا؟ ينبغي له ذلك؛ لأن هذا هو ما كان يقوم به نتنياهو. مثل ما فعل شامير، سيقوم نتنياهو بانتزاع أقصى التنازلات قبل أن يوافق على الحضور، ثم سيصر على مفاوضات ثنائية مفتوحة غير محددة ولا نهاية لها، يتواصل ذلك بينما تلتهم إسرائيل الكثير من أراضي الضفة الغربية والقدس.

وبالنسبة لنتنياهو واليمين الإسرائيلي فإنهم يعتبرون الحصول على الضفة الغربية دون سلام أفضل من الحصول على السلام من دون الضفة الغربية.

وهذا الواقع يمكن أن يتغير فقط عندما يتوقف الغرب عن استرضاء نتنياهو وعن مكافأة إسرائيل على احتلالها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك