عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

السلطة وأسئلة النهضة
علاقة السلطة بالدين
تحرير الدين من السلطة

صار الدين في زمن الفتنة والتبعية والثورات المضادة موضوعا للصراعات السياسية والمذهبية بل ويراه البعض -خطأ- سبب هذه الصراعات. والإسلام الذي جاء مصححا للعقيدة ومحررا للإنسان من عبودية الملوك والجبابرة، صار في عصرنا إما محتكرا من جانب السلطة والحكام ويتم توظيفه للسيطرة والهيمنة على الشعوب، أو يساء فهمه ويغالى في فهم وتفسير نصوصه من جانب فريق آخر.

يعالج هذا المقال جانبا من جوانب إشكالية العلاقة بين السلطة والدين في مجتمعاتنا، من حيث هي واحدة من تجليات مشكلة أخرى واجهت المجتمعات العربية منذ القرن التاسع عشر، ولا مفر من معالجتها إذا أرادت شعوب المنطقة الخروج من نكساتها الراهنة.

السلطة وأسئلة النهضة
المشكلة التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية منذ القرن التاسع عشر تقريبا هي ما صار يعرف بأسئلة النهضة، أي لماذا تخلفت الأمة الإسلامية عن ركب الحضارة؟ وما السبيل إلى نهضتها من جديد؟
منذ البداية ظهر فريقان رئيسيان، الأول يرى ضرورة إقصاء الإسلام عن السياسة استنادا إلى مفهوم العلمانية الذي ظهر في أوروبا نتيجة تطور تاريخي ممتد وساهم في حل مشكلة هيمنة الكنيسة على السلطة في العصور الوسطى. والفريق الثاني نادى أتباعه بضرورة عودة الإسلام كمرتكز رئيسي في مواجهة التحديات التي تواجهها الأمة، إذ لا يمكن نقل أي حل غربي -كالعلمانية- إلى مجتمعات لم تشهد في الأساس أيا من المشكلات التي استدعت ذلك الحل في الغرب.

وصلت علاقة الدين بالسلطة اليوم إلى أسوأ مراحلها، إذ تحتكر السلطة الدين، وتوظفه في خدمة الاستبداد وبقاء الحكام، وهي أيضا تستخدم قيم الدين ورموزه لإضفاء قدر من الشرعية بعد تفريغها من مضامينها، وصار هناك "فقهاء السلطة" سخّروا الدين في خدمة الحاكم فساهموا في إضاعة الدين وتضييع الشعوب

كان السؤال الأساسي هو سؤال النهضة أو لماذا تأخرنا وكيف ننهض، ولم يكن حول العلمانية ولا حول الإسلام. وما طرحت العلمانية إلا كوسيلة من وسائل الحل عند البعض، أما الإسلام فقد كان مطروحا لا للتشكيك فيه كدين لغالبية شعوب المنطقة ولا لتجاوزه كوعاء حضاري على أساسه نهضت المنطقة لأكثر من ألف عام، وإنما لتجديده وإحيائه والاستناد إليه من جديد. ولهذا عندما ظهرت أطروحات رواد ما عرف بعصر النهضة العربية حول سؤال النهضة ظلت جميعها تدور حول إحياء الدين مع الانفتاح على مكتسبات الحضارة الغربية الصاعدة آنذاك.

ومن هنا فمن المهم فهم كيف تطورت علاقة السلطة بالدين في المجتمعات العربية والإسلامية منذ العهد النبوي وحتى وقتنا المعاصر، فهذا يساعدنا على التعرف على أصل المشكلة وما نتج عنها من أزمات، ويحدد لنا أيضا ملامح المهام التي يجب القيام بها لمعالجة هذه المشكلة.

علاقة السلطة بالدين
في العهدين النبوي والراشدي ظل الدين مصدرا لتحرير الناس من العبودية ومن طواغيت الأرض بجانب كونه عقيدة دينية تقوم على التوحيد. وأودع الإسلام مهمة بناء المجتمع وتدبير المصلحة العامة في عقول الناس استنادا إلى منظومة قيمية مستمدة من مصدري الشريعة، أي القرآن والسنة. وظل الدين مصدر الأخلاق والقيم والمرجعية الفكرية والسياسية للمجتمع أفرادا وجماعات.

أما السلطة في العهدين النبوي والراشد فكانت وظيفتها وغايتها هي حماية الدين وتحقيق المصلحة العامة للناس بلا تمييز.. وظلت عملية تنظيم السلطة عملية عقلية اجتهادية، فالسلطة تعاقدية في الداخل حيث قامت على حق الأمة في اختيار حكامها ومحاسبتهم، وطاعة الحكام ظلت مشروطة بتقيد هؤلاء الحكام بقانون مسبق (أي بالمبادئ والأحكام المستمدة من القرآن والسنة). والعدل والفصل بين المال العام والمال الخاص ومحاسبة الولاة وغيرها من القيم مثلت أسس هذه السلطة.

كما كانت السلطة تعاقدية مع الخارج حيث شهدت المدينة ما عرف بدستور المدينة الذي نظم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين على قيم العدل والإنصاف والدفاع المشترك مع احتفاظ كل أمة بقيمها ومرجعيتها وهويتها.

أما خلال فترة الملك العضوض، فبرغم أن الدين ظل مرجعية وقوة روحية للمسلمين ومصدرا شكليا من مصادر شرعية الحكام إلا أنه راح يفقد تدريجيا قدراته التعبوية والاجتماعية وقدرته على إحياء الأمة وتجديد روحها الحضاري وخاصة مع تعطل الإبداع والاجتهاد.

وظل معظم الفقه السياسي يقوم على تبرير الحكم القهري خوفا من الفتن أو نصحا للحكام، ولهذا لم يقترب هذا الفقه من مسائل جوهرية كمحاسبة الحكام أو التداول على السلطة أو تقنين مبدأ الشورى، ولم يُنظّر للسلطة أو الحرية أو العدالة.

ظل معظم الفقه السياسي يقوم على تبرير الحكم القهري خوفا من الفتن أو نصحا للحكام، ولهذا لم يقترب هذا الفقه من مسائل جوهرية كمحاسبة الحكام أو التداول على السلطة أو تقنين مبدأ الشورى، ولم يُنظّر للسلطة أو الحرية أو العدالة
أما السلطة في الملك العضوض فقد تحولت إلى سلطة قهرية وراثية، وغير تعاقدية على النحو المعروف. ومع هذا لم تحتكر هذه السلطة الدين وظل التعدد الفقهي قائما، ورَفَض بعض العلماء تجميد الاجتهاد والتمسك بمدرسة فقهية واحدة.

وهذا لم يمنع السلطة في بعض فترات التاريخ من إخضاع الدين للسلطة وتوظيفه لمصالح دنيوية وسياسية. لكن هذا التوظيف للدين لم يكن مطلقا، فقد ظل هناك علماء أحرار، وظل عدم البيعة حقا للمسلمين، وظلت الدولة إسلامية من حيث هي دولة الجماعة المسلمة ومن حيث مرجعيتها العليا ومن حيث هويتها الجامعة، وظل الحكام يحاربون باسم الإسلام ودفاعا عنه.

أما في الدولة القطرية الحالية التي نشأت في القرن العشرين فقد وصلت علاقة الدين بالسلطة إلى أسوأ مراحلها، إذ تحتكر السلطة الدين، وتوظفه في خدمة الاستبداد وبقاء الحكام، وهي أيضا تستخدم قيم الدين ورموزه لإضفاء قدر من الشرعية بعد تفريغها من مضامينها، وصار هناك "فقهاء السلطة" سخّروا الدين في خدمة الحاكم فساهموا في إضاعة الدين وتضييع الشعوب.

كما قامت السلطة بتأميم المؤسسات والهيئات والمدارس والجامعات الدينية وإلحاقها بالدولة، وتحول العلماء والأساتذة إلى موظفين لدى السلطة. كما حاصرت السلطة المجتمع الأهلي والخيري عبر السيطرة الأمنية والقوانين المقيدة. وكان من نتائج هذا كله الحيلولة دون تجديد الدين، ومحاربة التعددية الفقهية، وحصر الدين في الشؤون الشخصية كالزواج والطلاق والميراث.

نشأت السلطة في الدولة القطرية نشأة مشوهة من وجوه ثلاثة على الأقل، فقد ظهرت بلا مرجعية سياسية وفكرية متسقة ومستمدة من المجتمع وأولوياته، ومارست كل صور الاستبداد والإقصاء وقمع الحريات واحتكار الثروة والسيطرة على المجتمع، هذا بجانب أنها قامت على أساس تفتيت الأمة الواحدة إلى دويلات (سلطة قُطْرية) في وقت كانت الفكرة القومية ذاتها تقوم على توحيد الأمة الواحدة في دولة واحدة.

إن الغاية الكبرى للثورات هي غاية تحررية وليست أبدا تلبية المطالب الفئوية أو استبدال الأشخاص والحكومات، وهذه الغاية التحررية تدور في جوهرها حول التحرر من قبضة السلطة القهرية وهيمنتها، أي تحرر الإنسان وتحرر المجتمع وتحرر الدين
وضربت السلطة في كثير من الدول العربية هوية المجتمع بمقوماتها المختلفة وعلى رأسها الإسلام واللغة العربية والتراث، وتبنت نسخة متطرفة ومشوهة من العلمانية في بعض الدول، واعتمدت على أدوات تنشئة اجتماعية وسياسية تعمق التبعية وتشوه الشخصية العربية والمسلمة. وقد تصاعدت حدة هذه السياسة في أعقاب الثورات المضادة التي تلت الثورات الشعبية.

تحرير الدين من السلطة
للصراعات الحالية أبعاد خارجية لا شك في ذلك، لكن ما وُجدت الصراعات داخليا إلا عندما وقع أمران: تبني عدد من الشرقيين فكرة العلمانية بمعناها المتطرف المعادي للدين والترويج لها كعلاج لمشكلة لم تكن موجودة في الأساس، وتبني النخب الحاكمة بعد الاستقلال ذات الفكرة وإقامتهم سلطة قهرية معادية للدين وقامعة للحريات.

ولهذا فجزء من نضالنا ضمن الثورات العربية التي بدأت ولم تنته بعد هو تحرير الدين من قبضة الطغاة وإعادته لمكانه الحقيقي في المجتمع للقيام -في استقلال تام عن السلطة التنفيذية- بوظائفه الاجتماعية الأصلية في الدفاع عن حريات الناس ومقاومة الطغيان وللاستناد إليه كمصدر للقيم والمبادئ في بناء أنظمتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية، هذا بجانب أدواره الدينية والروحية.

لكن ولأجل الوصول إلى هذا الهدف من الضروري أن تتجاوز القوى الحية وكافة القوى المحسوبة على الثورات الصراعات العدمية الحالية، وتستغل نافذة التغيير الراهنة، وتعبر عن موازين القوة الحقيقية التي تمتلكها شعوب المنطقة وترتب أولويات المرحلة التاريخية الراهنة. فلا يؤخر شعوب المنطقة إلا اختلاف طلائعها الحية وضياع بوصلة الثورة منهم وعدم الاتفاق على الأولويات، وعدم وجود عقل مدبر لها يدرك عمقها التاريخي والحضاري ويستوعب معطيات واقعها ويستشرف آفاق وفرص النهوض.

إن الغاية الكبرى للثورات هي غاية تحررية وليست أبدا تلبية المطالب الفئوية أو استبدال الأشخاص والحكومات، وهذه الغاية التحررية تدور في جوهرها حول التحرر من قبضة السلطة القهرية وهيمنتها، أي تحرر الإنسان وتحرر المجتمع وتحرر الدين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك