قطب العربي

قطب العربي

كاتب صحفي وخبير إعلامي مصري


بناء الأذرع الإعلامية
محاور خطة التغيير
خريطة الإعلام الجديد

تشهد الخريطة الإعلامية المصرية حاليا تغييرات متسارعة بعد مرور عامين من حكم المشير عبد الفتاح السيسي، وتشمل هذه التغييرات نقل ملكيات أو إنشاء منابر إعلامية جديدة، وغياب وجوه إعلامية مع بروز وجوه جديدة، وتغير الخرائط البرامجية لتقليل الجرعات السياسية لصالح المنوعات، ولم تقتصر مساعي التغيير على الإعلام التقليدي بل تعدته إلى الفضاء الإلكتروني.

كان الإعلام الخاص بصحفه وقنواته هو سيد الموقف بعد ثورة يناير 2011، وكان للتمويلات الخليجية لبعض وسائل الإعلام الخاص الدور الأبرز في انتعاشها، وقد عكست هذه الخريطة الإعلامية الكبيرة عدديا (600 صحيفة ومجلة و100 قناة و20 محطة إذاعية وعشرات من المواقع الإلكترونية) تنوعا في المحتوى.

وإذا كان مقالنا يركز بشكل خاص على الإعلام السياسي فقد شملت خريطته تنوعا واسعا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مرورا بتنوعات الإسلاميين، وبلغت حرية الصحافة مستوى لم تبلغه من قبل.

video

بدأ التغيير الأول للخريطة الإعلامية يوم 3 يوليو/تموز 2013 وذلك بإغلاق بعض القنوات الإسلامية الموالية للشرعية ومنها قناة مصر 25 والناس والحافظ والشباب والفتح، وتواصل إغلاق القنوات والصحف والمواقع في الأيام التالية ليرتفع العدد إلى 27 وسيلة إعلامية بحسب تقرير للمرصد العربي لحرية الإعلام (مع ملاحظة عودة بعض القنوات للعمل لاحقا وفقا لتفاهمات سياسية).

بناء الأذرع الإعلامية
ورغم اكتظاظ الساحة بالقنوات والصحف الداعمة للسيسي عقب إعلان الثالث من يوليو/تموز 2013 فإنه لم يكن يضع ثقة كاملة فيها، وكان مدركا أنها قد تنقلب عليه وتفعل به ما فعلته مع مرسي لذا كان حريصا على بناء أذرع إعلامية تابعة للحكم العسكري مباشرة، وقد أفصح عن هذه الخطة في حديثه مع ضباط الجيش يوم 31 أكتوبر/تشرين أول 2013، وهو ما تكرر في أحاديث أخرى للسيسي أو لمدير مكتبه اللواء عباس كامل كما ورد في أحد التسريبات التي أذيعت بتاريخ 19 يناير 2015.

تزامن مع ذلك سحب حلفاء السيسي الخليجيين لتمويلاتهم أو جزء كبير منها التي كانت مخصصة لبعض الصحف والقنوات التي تم استخدامها في تشويه ثورة يناير والرئيس المدني الذي أنتجته، وبعد أن انتهت مهمتها لم يعد هناك مبرر لاستمرار الإنفاق عليها، خاصة مع الانخفاض الحاد لأسعار النفط الذي جاوز 50% من سعره، وقد تسبب ذلك في انحسار عمليات التوسع التي كانت قد شهدتها القنوات الفضائية الخاصة وتحولت بموجبها إلى مجموعات (مجموعة دريم -مجموعة الحياة -مجموعة سي بي سي مثلا)، فعادت هذه المجموعات لتقليص قنواتها وتقليص أعداد العمالة بها، وهو ما تكرر أيضا في بعض الصحف التي اختفى بعضها أو تحولت من يومية إلى أسبوعية أو إلكترونية مثل جريدة التحرير والصباح و"المصريون".

شكوك السيسي في وسائل الإعلام الداعمة له تزايدت بعد مرور عام على توليه السلطة، وذلك مع ظهور حالات تبرم لدى هذه الصحف والقنوات، وسماحها بظهور أصوات ناقدة له بعد أن وجدت نفسها تدفع ضريبة لم تكن تتوقعها من حريتها وحرية العاملين بها، وهي التي كانت تتوقع مكافأتها من النظام الجديد كما كان ملاكها يتوقعون مكافأتهم من النظام الجديد فإذا به يطالبهم بدفع تبرعات إجبارية ضخمة للصناديق التي أنشأها مثل صندوق "تحيا مصر".

في المقابل أظهر السيسي "العين الحمراء" لحلفاء الأمس في أكثر من موضع لكن أهمها يوم 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 في ندوة تثقيفية للقوات المسلحة ظهر فيها مصطلح "ميصحش كده" وكان موجها بالأساس إلى الإعلاميين، وفي تلك الندوة أيضا أطلق السيسي تهديده السافر لقطاع الإعلام باعتباره مليئا بالكوارث، وقال إنه سيشكوه إلى الشعب.

محاور خطة التغيير
تعتمد خطة السيسي على إعادة هيكلة الخريطة الإعلامية على عدة محاورهي:

video

أولا: القمع الأمني عبر إغلاق قنوات ومنع توزيع بعض طبعات الصحف، كما حدث لصحف المصري اليوم، والوطن، وصوت الأمة، و"المصريون"، والصباح، وتهديد مالكي الصحف والقنوات من رجال الأعمال كما حدث مع صلاح دياب مؤسس وصاحب جريدة المصري اليوم الذي تم القبض عليه بطريقة مهينة ووضع "الكلابشات" في يديه ووزِّعت صور ذلك على الإعلام، ومثل تهديد رجل الأعمال نجيب ساويرس حتى اضطر للتخلص من قناته "أون تي في"، وهو ما يتكرر الآن مع السيد البدوي رئيس حزب الوفد ومالك قنوات الحياة الذي يبحث عن مشتر لها، وتأديب نقابة الصحفيين.

ثانيا: استحواذ رجال أعمال أو شركات مجهولة تمثل غطاء للمخابرات العامة أو الحربية على عدد من وسائل الإعلام الكبرى مثل أون تي في، وصحيفة صوت الأمة اللتين استحوذ عليهما رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، وكشراء شركة دي ميديا للإنتاج الإعلامي إحدى الواجهات المخابراتية لقناة الناس ومنحها ترخيصا للبث الأرضي بدءا من يوم الأربعاء 15 يونيو وهو أمر غير مسموح به في مصر إلا لقنوات التليفزيون الرسمي، وستكون مهمة القناة قيادة عملية تجديد الخطاب الديني بعد أن كانت من قبل أبرز منبر للتيار الإسلامي السلفي، وأصبح نجوم القناة الجدد هم الدكتور علي جمعة المفتي السابق والدكتور شوقي علام المفتي الحالي، والدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية في برلمان مبارك، والدكتور أسامة الأزهري مستشار السيسي للشؤون الدينية، بعد أن كان نجوم تلك القناة هم الشيخ محمد حسان، ومحمد حسين يعقوب، وأبو إسحاق الحويني، ومحمد عبد المقصود، وصفوت حجازي، وخالد عبد الله.

ثالثا: تأسيس مجموعة قنوات وصحف جديدة، من بينها قناة إخبارية، وأخرى عامة، تشرف عليها المخابرات الحربية من خلال واجهة تجارية (شركة دي ميديا المالكة لموقع دوت مصر وراديو 9090) وسيكون نجومها لفيف من الإعلاميين والفنانين والصحفيين والمحررين الذين سيتم استقطابهم من القنوات الكبرى الحالية.

رابعا: تغيير تركيبة صناع القرار الإعلامي، حيث تعدد أقطاب صناعة القرار الإعلامي في الفترة الماضية، وإن اتفقوا على دعم النظام، وشملت تلك الأقطاب الرسمية نقابة الصحفيين، والمجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتليفزيون، وغرفة صناعة الإعلام التي انضمت حديثا إلى الركب، وشركات التسويق والإعلانات، بالإضافة إلى الأقطاب الحقيقيين الذين يحركون المشهد بصورة غير رسمية (المخابرات العامة والحربية والأمن الوطني ورئاسة الجمهورية).

ما يجري الآن هو تغيير خريطة صناع القرار الرسميين أيضا، فنقابة الصحفيين يجري تهميشها وإشغالها بمعركة وجودها، والمجلس الأعلى للصحافة ستتم إعادة تشكيله للتخلص من قياداته الحالية بموجب تعديل قانوني سريع بعد انحيازه للنقابة في معركتها، كما سيتم لاحقا تأسيس مجلس أعلى للإعلام يكرس هيمنة الدولة على المنظومة الإعلامية، كما يجري تبديل شركات التسويق والإعلانات التقليدية التي هيمنت على سوق الإعلام الخاص في الفترة الماضية، والتمكين لشركات أخرى تمثل واجهات تجارية للمخابرات المصرية، وقد برز من هذا النوع شركتان وقفتا خلف عمليات نقل ملكية لبعض القنوات والصحف والمواقع مؤخرا هما شركتا بلاك أند وايت لصاحبها ضابط المخابرات ياسر سليم التي تمتلك موقع دوت مصر وتنتج برنامج "أنا مصر" في التليفزيون الرسمي" والتي دعمت نقل ملكية قناة أون تي في من ساويرس إلى أبي هشيمة، ، وشركة دي ميديا صاحبة راديو 9090 وموقع مبتدأ.نت (المعروفين بتبعيتهما لجهاز المخابرات) وقد قامت هذه الشركة مؤخرا بالاستحواذ على قناة الناس وبشراء أكبر إستديوهين داخل مدينة الإنتاج الإعلامي استعدادًا لإطلاق قناة فضائية كبرى تحمل اسم "دى إم سي" من المرجح أن تبدأ بثها خلال العام الجاري.

نتيجة لهذه التغييرات الكبرى ستتغير الخريطة البرامجية للقنوات المصرية خلال المرحلة المقبلة لتختفي منها تدريجيا برامج التوك شو والبرامج السياسية والإخبارية وتحل محلها برامج المنوعات والرياضة إلخ، كما سيختفي عدد من مقدمي البرامج مثل ليليان داوود ويوسف الحسيني وخالد تليمة وجابر القرموطي وإبراهيم عيسى، وربما لميس الحديدي، ووائل الإبراشي ليلحقوا بزملائهم يسري فودة وباسم يوسف وبلال فضل وريم ماجد وعلاء الأسواني، ومحمود سعد، ولتحل محلهم شخصيات جديدة يجري تصنيعها أو إعادة هيكلتها حاليا.

خريطة الإعلام الجديد
تعاظم دور الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي في مصر خاصة بعد أن بلغ عدد مستخدميه حوالي 50 مليون وفقا لبيانات وزارة الاتصالات المصرية، وقد برع خصوم الحكم العسكري سواء في زمن مبارك أو بعده في استخدام الإعلام الجديد نتيجة حرمانهم من الإعلام التقليدي بينما تراجع حضور السلطة في هذا المجال رغم ما تمتلكه من إمكانيات.

video

وتسعى السلطة حاليا للسيطرة على هذا المجال من خلال عدة محاور.
أولا: سلسلة من التشريعات بدأت بقانون مكافحة الإرهاب الإلكتروني لتصل إلى مشروع قانون الإعلام الموحد الجديد الذي يضع قيودا مشددة على إنشاء مواقع إلكترونية ويغلظ عقوبات النشر عبرها.

ثانيا: إغلاق وحجب عشرات المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الإجتماعي فعلا بدعوى نشرها لأخبار كاذبة ودعمها لما يوصف بالإرهاب.

ثالثا: فرض رقابة على الصحف الإلكترونية والمواقع وصفحات التواصل، وتقديم النشطاء إلى محاكم مدنية وعسكرية.

رابعا: إغراق الساحة بمواقع إلكترونية جديدة تابعة للسلطة ولو بشكل غير معلن، والهيمنة على مواقع شهيرة قائمة، وكذا تجنيد مئات الشباب للعمل في مواقع ومكاتب غير معلنة للرد على الخصوم السياسيين (كتائب إلكترونية).

لكن جهود السلطة للهيمنة على الفضاء الإلكتروني لا يتوقع لها النجاح بسبب تعقيدات هذا المجال، وإمكانيات البث من خارج مصر، ولأن الشريحة التي تتعامل معه هي شريحة الشباب الأكثر ديناميكية وقدرة على التطوير والمراوغة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك