مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


إن حركات الإحياء في الفكر الإسلامي المعاصر والقديم، مرت بمراحل من الضبابية في بدايات دعوتها والتبشير بمسارها الجديد، وهو أمر طبيعي يكتنف دعوات التجديد تاريخيا، بما فيها دعوات بعض كبار علماء النهضة والتجديد في الوعي الديني وفي الفكر الإنساني المطلِق للنهضة.

ونحن اليوم بحاجة ماسة لتوضيح أحد أهم هذه الأمور ضبابية في جيل الوعي الإسلامي، وهو جيل واسع وكبير ومتعدد المشارب الفقهية والروحية التي تختطها مدارس أهل السنة ومن يقاربهم، في القديم والحديث.

إن الجواب الذي يسعى هذا المقال لتقديمه لأجيال من الأساتذة والشباب، يتعلق بموقف الفكر الإسلامي التقدمي من الدعوة التربوية، وهي مصطلح يسعى لتنظيم الفكرة، التي تتوسع اليوم مع علماء ومثقفين إسلاميين، لتحرير خطاب جامع لأفق النهضة الإسلامي.

وتحقيق مدار النهضة التي تشترك البشرية من غير المسلمين في ثمرة خلاصاتها، هو مستوى من الأفق المحسوس في صناعة العمران وأفكار وأخلاق الإنسان، يحتاجه الشرق المسلم، شعوبا ودولا.

والوصول إلى المرحلة الفاضلة فيه، يتطلب جهدا وحلقات تفكير وأنشطة حيوية في المجتمع المسلم، في علاقته مع ذاته ومع الآخر، قبل حصاد التأثير الإيجابي لمثل هذه المفاهيم التي من الطبيعي أن تقع مسارات البحث عنها، في أخطاء وتجارب، لكن تزيدها وعيا وتتقدم بها لتحقيق الهدف السامي.

وتقدمية الفكر الإسلامي التقدمي ليست مجاراة لفكرة اليسار ولا الليبرالية الحديثة، وإن وجب عليه أن يستفيد من كل تجارب الدنيا، وتاريخ البشرية المتفقة مع المقاصد الإسلامية، ولكن هذا الفكر في أصل تقعيده وتشريعه يؤمن بأن مقصد الخَلق، الاستخلاف الذي يحقق المصالح الدنيوية والدينية للناس.

كما ينظم علاقاتهم ويستبق أزمانهم، فهو يحث الناس على حراثة الأرض الصالحة لجيل قادم فضلا عن جيلهم الحالي، وبالتالي هو هنا يتقدم لتحقيق هذا الهدف، ويتقدم لغرض الخروج من الأمراض الثقافية التي ضربت الشرق المسلم وعزلت إنسانه، حين تخلى عن سنن الله في التغيير.

وهي مسارات متعددة من الصعب أن تتولاها جهة أو أفراد أو جماعات، وإنما الممكن تنظيم فكرها وفلسفتها وتركها تَدرُجُ.. كلٌّ وبُحيرته ونهره وجدوله في مدارات الوعي الإسلامي الحديث، وتلك مهمة هذا الإحياء الإسلامي الجديد الذي بدأ بالفعل في دعوات أئمة ومثقفين مبشرين به منذ عقود، ولكن انقطع كثير من تسلسل خطابهم، ودخل عليهم خطاب بديل ضيق الأفق، استحوذ على بعض عقول الشباب المسلم، وأفسد أوليات المقاصد بينه وبين مجتمعه، وبينه وبين الناس وبينه وبين خالقه ومولاه.

الفكر الإسلامي التقدمي ليست مجاراة لفكرة اليسار ولا الليبرالية الحديثة، وإن وجب عليه أن يستفيد من كل تجارب الدنيا، وتاريخ البشرية المتفقة مع المقاصد الإسلامية، ولكن هذا الفكر في أصل تقعيده وتشريعه يؤمن بأن مقصد الخَلق، الاستخلاف الذي يحقق المصالح الدنيوية والدينية للناس

واليوم يتضح جليا أن هناك عودة للبحث عن الفكر الإسلامي الجديد، وربط وعي الحاضر بعد التجارب المرة بدعوات المجددين الإسلاميين، وهذا التجديد بعضه في أئمة متقدمين وفقه رشيد، وبعضه من حركة الفكر الإسلامي المعاصر، كالإمام محمد عبده والإمام البنا، وخاصة الشيخ محمد الغزالي والدكتور مصطفى السباعي، ونظرات الطنطاوي وعقل مالك بن نبي و د. إسماعيل الفاروقي.

ضف إلى ذلك قوائم واسعة من شركاء الوعي التجديدي، ليس بالضرورة أن يكونوا جميعا من المنعوتين بالإسلاميين، ولكنهم وصلوا إلى فكرة راشدة تجديدية من فقه الإسلام وحضارته، لكن مهمة اليوم تحتاج إلى بناة جدد بآفاق تعيش التجربة وتستشرف المستقبل.

إن هذا الفكر الإسلامي التقدمي، الساعي للوصول إلى تحقيق النهضة الفاضلة، وتنفيذها عمليا في مجتمعات المسلمين، يقوم على أساس واضح في تجديد ما اندرس من آثار النبوة في تحقيق مقاصد العدالة للإنسانية، عدالة اجتماعية وعدالة سياسية، ونهضة معرفية وقيمية، تعيد تأسيس العقل المسلم في ميدان الفكر الإصلاحي العام للمجتمعات، والعودة إلى الأسرة البشرية بخطاب الإسلام السامي، لا المنحرف المغالي، ولا المؤطر للمعسكر الاستعماري.

وأمام تقدم هذا التعاطي المنهجي الجديد للفكر الإسلامي، تبرز أسئلة حائرة لأجيال التربية الإسلامية المتعددة للدعوات والجماعات والشخصيات:

1- هل رسالة الفكر الإسلامي التقدمي، لا يهمها حفظ القرآن وميراث الفقه، وحفظ السنة وتداول العلماء للحلقات الشرعية، هل هي بديلة عن كل ذلك؟

2- هل رسالة الفكر الإسلامي التقدمي مناهضة لمناهج التربية لهداية الناس ووعظهم بالحسنى والخلق الكريم، ومنابر دعوتهم؟

3- هل هذا المسار الفكري بديل عن العمل الخيري والتبشير بقيم البر والإحسان وبرامج تأهيل الفتيان والشباب الاختيارية، للاستزادة من الخُلق ووعي فقه الشريعة وآدابها؟

وقس على ذلك مسارات شبيهة أخرى.
ولكن قبل أن نجيب على هذه الأسئلة، نروي قصة قصيرة.. فقبل أن يصل حزب العدالة والتنمية التركي إلى الحكم في 2003، وعند أول خطواته في تأسيس حزبه الجديد وتجربته البلدية في 1995، كانت رسالة الأستاذ نجم الدين آربكان وعدد من الوعاظ العرب، قوية جدا في الوطن العربي، بأن مشروع عبد الله غل وأردوغان ومن معهما مشروع غربي له صلة بإسرائيل، وفي أحسن الأحوال فتنة علمانية وتمييع للدين، وخدمة أعداء الامة.

وكان هناك مخاوف لدى العلماء وحلق القرآن والطرق الصوفية في الفاتح وغيرها، من أن هذا المشروع سيؤثر على مكتسبات دعوتهم الشعبية. والطرق الصوفية في تركيا شبيهة بمدارس التثقيف الشرعي والتربوي المنتشرة لدى العرب اليوم، والتي لا تدار مباشرة من كيانات سياسية، بما فيها حزب السعادة التركي.

بعد فترة تبين للخائفين من التربويين أن هذه العملية الفكرية ومشروعها السياسي، أعطتهم مساحات كبيرة في توسيع أنشطتهم، وضمنت لهم حقوقا مدنية كانوا محرومين منها، وتشريعات قانونية عملية لأنشطتهم، فتوسّع حضورهم، ولكن بقي الرأي السياسي لكل منهم، يُدار بحسب الدستور، وليس من منابر الوعظ، ولا الحلقات الدينية.

ومع ذلك بقوا كقوة تأثير في المجتمع، تستقطبهم الأحزاب السياسية وتسعى لكسب أصواتهم، فيما استمر حزب العدالة يراهن على أن المجتمع المتدين الحريص على القيم هو الرديف التربوي له، وهو أحد أسباب الصراع بينه وبين حركة الخدمة، في القاعدة الشعبية السنية الكبرى في تركيا.

وحتى لا نقع في خطأ الاستنساخ المطلق لكل تجربة لم تكتمل بالضرورة، فأذكّر دائما بأني استشهد بموضوع النجاح وليس بالضرورة بكل التجربة الإسلامية التركية.

تضررت الدعوات التربوية من صورة أنها أمة دون الأمة، ووطن دون الوطن، وأثرت التراتبية الحزبية الدعوية عليها مع المجتمع الوطني العام، وأثرت على الانفتاح في كل قُطر، وعلى وعي الإنسان المسلم خارجها وغير المسلم ورسالة شراكته

هنا نحدد أسئلة الشباب والدعوات التربوية، ونوضح لهم أن مسار الفكر الإسلامي التقدمي، يدعم ما هم فيه من ميادين إصلاح اجتماعي وتربوي، بل يرى الدفاع عنه من واجباته، غير أن ذلك لا يُلغي أهمية تصحيح أي خطأ واسع ومستفحل، وعاه الفكر الإسلامي التقدمي ورصد ضرره على التربويين الإسلاميين.. وعلى سبيل المثال:

1- خطاب الأخلاق في الحركة التربوية الدعوية، تضرر كثيرا وعُزل في مسارات التعبد الشخصي، ولم يتحقق في علاقة الفرد بالإحسان السلوكي والعملي لصالح مجتمعه.

2- تضررت الدعوات التربوية من صورة أنها أمة دون الأمة، ووطن دون الوطن، وأثرت التراتبية الحزبية الدعوية عليها مع المجتمع الوطني العام، وأثرت على الانفتاح في كل قُطر، وعلى وعي الإنسان المسلم خارجها وغير المسلم ورسالة شراكته.

3- إن فكرة صناعة التكتل الدعوي ليكون محضنا اجتماعيا وسياسيا تنافسيا، وليس جماعة دعوية تربوية، أثرت على حيوية العلاقة الإسلامية بين كل المجتمع، وعليه فعَزلُ أي صناعة اجتماعية سياسية -وليس العمل السياسي الدستوري فقط- عن شؤون الجماعات الدعوية هو أمر شرعي ووطني وإنساني، من صالحها أن تتقدم فيه، مع التقدير الطبيعي لحقوق الجماعات بالتكتل والانسجام، فهي سجية بشرية.

4- الأمر الآخر هو أن مستوى اختراق الغلو والتشدد الذي يشكل بنية للإرهاب الذي يضرب الشرق، ويعزز اعتداءات الغرب وحلفائه الطائفيين، منتشر في الخطاب الديني المدني، قبل العسكري، وليس ذلك مبررا لكل اتهام ظالم لجماعات تربوية أو فقهية أو دعوية.

لكن تحرير هذه المسالة في عقول الشباب والمجتمع، مهمة واجبة على هذه الجماعات، كما التفريق بين الإرهاب والتوحش، وبين حق الجهاد المشروع وجماعات المقاومة الراشدة، والتشديد على سعة أفق الفقه السني، خلافا لما روج له فقه الغلو المدني.

5- مساحة اختراق الاستبداد السياسي لهذه الجماعة أو تلك الشخصية قضية مشهودة، واستخدامها ضد مبادرات الإصلاح السياسي في المجتمع العربي، أو تفويجها في صراعات محسوبة لصالح الاستبداد، ليس في الحقيقة حكرا على الجماعات الدينية، وقد يُضرب بعضها ببعض، إلا أن بعض الجماعات العلمانية التي تحولت لطوائف قد استخدمها التوحش الحاكم أيضا.

لكن مهمة الفكر الإسلامي التقدمي، توعية هذه الدعوات والأجيال بهذه الاختراقات، صدقا لها وصدقا مع الله لأجلها، وليس على الناس أن ينخرطوا جميعا، في مسارات هذا الفكر.

فكل له سجيّته وطبيعته ومسارات الإسلام واسعة، لكن المهم أن لا يتحولوا أداة ضده، خشية تضرر شعبية حزبيتهم الدعوية، وأن يُصلحوا أخطاء خطابهم بما يرتضيه إسلامهم، لا المستبد السياسي أو الرأي الشعبي المغالي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك