تيدا سكوكبول

تيدا سكوكبول

أستاذة الإدارة الحكومية وعلم الاجتماع في جامعة هارفارد


خلال الفترة الأخيرة اختطف دونالد ترامب، المرشح الجمهوري المحتمل لرئاسة الولايات المتحدة، عناوين الصحف الرئيسية مرة أخرى. فقد أعلن أن رئيسا سابقا يتمتع بشعبية كبيرة "مغتصِب"، وبَدَّل مواقفه من سياسة تلو الأخرى، وتباهى بأن رفيقه المرشح لمنصب نائب الرئيس قد يكون "أي شخص" أيّده، وقال للرابطة الوطنية للبنادق إن هيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية المحتملة، تعتزم "إطلاق سراح المجرمين العنيفين من السجن".


ولعل الأمر الأكثر إثارة للانزعاج والقلق من منظور عالمي هو أن ترامب بدأ بعد ساعات فقط من سقوط طائرة مصر للطيران في البحر الأبيض المتوسط، وقبل فترة طويلة من معرفة أي وقائع مؤكدة، يُطلق الاستنتاجات الشخصية حول ما حدث ويدين "الضعف" الأميركي في مواجهة الإرهاب.

لقد انتهت تقريبا كل الجهود الرامية إلى منع ترشح ترامب لمنصب الرئاسة، ويتحرك الجمهوريون في المؤسسة بثبات نحو حمل أنفسهم على الرضوخ لحقيقة استيلاء شخص أخرق وفظ ونرجسي وغير مهيأ ومتقلب المزاج وبلطجي على حزبهم. وقد أوضح مساعد سابق للحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ ذلك قائلا: "امتطاء الوحش يجعلك في حال أفضل من محاولة تجاهله".

video

من المؤكد أن كثيرين حاولوا تجاهل الوحش؛ فبعد إعلان ترامب عن سعيه إلى الترشح عن الحزب الجمهوري في الصيف الماضي، سرعان ما بدأ الخبراء وعلماء السياسة يجدون أسبابا مقنعة لتجاهل محاولاته.

وكنت شخصيا أقل يقينا، لأنني ذهبت إلى تقييم ظهور ترامب والتوقعات بشأنه على خلفية بحثي الجاري الذي يتناول اليمين السياسي في الولايات المتحدة. في عامي 2010 و2011، قمت أنا وفانيسا ويليامسون بدراسة القوى الشعبية والنخبوية التي أدت إلى صعود حزب الشاي وساعدت في سحب الحزب الجمهوري لمسافة أبعد نحو اليمين.

وفي وقت أقرب إلى الحاضر، عملت مع ألكسندر هيرتل فرنانديز وغيره من الباحثين لفك طلاسم التحولات التي طرأت على السياسة المحافظة المنظمة. وتشمل هذه التحولات ارتفاع نفوذ تشارلز وديفيد كوتش، الأخوين من أصحاب المليارات اللذين شجعت الشبكة المملوكة لهما من المراكز البحثية والمنظمات المناصِرة أجندة اقتصادية تقوم على السوق الحرة المطلقة بين المرشحين وشاغلي المناصب من الجمهوريين على مستوى الولايات والمستوى الوطني. وبعد سحبه في اتجاهات مختلفة من قبل الممولين من الأثرياء والأرستقراطيين والشعبويين الغاضبين، أصبح الحزب الجمهوري مجهزا للاستحواذ عليه بطريقة عدائية على غرار طريقة ترامب.

بدأ ترامب يكتسب شعبيته في وقت مبكر من رئاسة أوباما مع احتلال الشعبويين من حزب الشاي مركز الصدارة، لأنه دافع عن جهود نزع شرعية أول رئيس أسود لأميركا. وقد أشار استطلاع للآراء أجري في أبريل/نيسان 2011 إلى تقدم ترامب على كل المرشحين للرئاسة عن الحزب الجمهوري لعام 2012، مع دعم قوي بشكل خاص من قبل الجهوريين الذين يعتقدون اعتقادا راسخا أن أوباما -كما يصر ترامب- لم يولد في الولايات المتحدة، كما يشترط دستور الولايات المتحدة.

ولم يترشح ترامب لانتخابات 2012، ولكن أحزاب الشاي الشعبية كانت تركز بالفعل على الهجرة غير الشرعية وكراهية أوباما. وعلى مدار الانتخابات التمهيدية في ذلك العام، حاول أكثر من نصف الناخبين الجمهوريين مرارا وتكرارا إيجاد بديل للمرشح الجمهوري المحتمل مِت رومني، ولكنهم لم يتمكنوا من الالتفاف حول مرشح قادر على المنافسة.

كان فشل قادة الحزب الجمهوري في وقف تقدم أوباما في عام 2012 ودحر مبادراته سببا في اشتداد غضب الجمهوريين الشعبويين على حزبهم، وبحلول بداية الدورة الرئاسية في عام 2016، بدا من الواضح أن كثيرين منهم قد يسعون إلى مرشح "مناهض للمؤسسة" يوحد صفوفهم.

video

وفي محاولة للسيطرة على هذا التمرد من قبل الناخبين، جاهد السيناتور تِد كروز من تكساس قادة الكونجرس من الحزب الجمهوري مرارا وتكرارا، ولكن ترامب المخضرم إعلاميا باغت كروز وكل المنافسين الآخرين. فابتداء من صيف 2015، تبنى ترامب خطابا متطرفا يلعب على وتر عداء المهاجرين، والخوف المرضي من الإسلام، والغضب على النخبة في الحزب الجمهوري. وقدمت وسائل الإعلام ما قيمته 2 مليار دولار أميركي من التغطية المجانية، فساعدته على التقدم في استطلاعات الرأي ومعظم الانتخابات التمهيدية.

من المعتقد على سبيل الخطأ أن أنصار ترامب الأساسيين من العمال الكادحين المشردين الذين يفتقرون إلى الأمان الاقتصادي، ولكن حقيقة الأمر هي أن متوسط الدخل السنوي لناخبيه، الذي يبلغ نحو 72 ألف دولار، أعلى كثيرا من المتوسط على مستوى الولايات المتحدة والذي يبلغ 56 ألف دولار.

ويشبه أنصاره أحزاب الشاي؛ فأغلبهم من الذكور كبار السن من ذوي البشرة البيضاء المنتمين إلى الطبقة المتوسطة. وهم يعربون عن قلقهم بشأن الاقتصاد ـ كما يفعل أغلب الجمهوريين- ولكن الفارق بينهم هو إنكار شرعية أوباما، والغضب إزاء الهجرة، والاستياء بسبب تراجع أميركا الوطني المفترض.

الواقع أن أنصار ترامب أكثر ميلا من غيرهم من الجمهوريين إلى التمسك بصور نمطية سلبية حول السود واللاتينيين. ويبدو من المرجح إلى حد كبير، كما وجدنا مع أحزاب الشاي في عام 2011، أن يوافق أنصار ترامب على فوائد الضمان الاجتماعي التي تذهب إلى "الأميركيين الحقيقيين" من أمثالهم من ذوي البشرة البيضاء الذين يعارضون الإنفاق العام على الأقليات وذوي الدخل المنخفض.

وبالتالي فإن أجندة ترامب تشبه أجندات العديد من الأحزاب الشعبوية الأوروبية: مزيج من الصرامة في معاداة المهاجرين، والنزعة الاقتصادية الوطنية، واقتصار الفوائد الاجتماعية على المواطنين المولودين على أرض الوطن. ولكن لم يقدم أي من أحزاب الولايات المتحدة الرئيسية مثل هذا البرنامج، فحتى زعماء الحزب الجمهوري وكبار مموليه الآن، والذين دفعوا بالحزب إلى مسافة أبعد نحو اليمين المناصر للسوق الحرة خلال سنوات حكم أوباما، يعارضونه.

وفي الكونجرس والمجالس التشريعية للولايات، خضع الجمهوريون لمواقف متطرفة لا تحظى بشعبية كبيرة في عموم الأمر (خفض الضرائب المفروضة على الأثرياء، واستئصال القيود التنظيمية المفروضة على الأعمال، وخفض الإنفاق الاجتماعي، وفرض القيود على الأنشطة النقابية).

ولكن يُقال إن تطرف الجمهوريين المناصرين للسوق الحرة المطلقة أدى إلى نتائج عكسية؛ فعندما وافق كل المرشحين الجمهوريين لانتخابات 2016 تقريبا على هذه الأجندة، استغل ترامب فرصة نزوع حركة "أميركا أولا" إلى معاداة المهاجرين وتأييد تدابير الحماية. وفي إطار ذَم ترامب للمهاجرين من أميركا اللاتينية، والنساء المستقلات، والأقليات "المتغطرسة"، تسمع قاعدته الانتخابية وعد "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى" من خلال إعادة التأكيد على هيمنة الذكور من ذوي البشرة البيضاء.

لا شيء من هذا قد يكون مثيرا للدهشة. فلسنوات، لعبت النخب الجمهورية بالنار بإذكاء نار مشاعر كراهية المهاجرين والمخاوف العنصرية لتعبئة الناخب الأكبر سنا من ذوي البشرة البيضاء. ومع عرض وسائل الإعلام الأميركية المحافظة لتيار ثابت من التلميح والغمز العنصري، كان خطاب الحزب الجمهوري مستصغرا حتى قبل أن يظهر المرشح ترامب، وهو ذاته من جهابذة الإعلام.

video

ولكن تُرى هل سيتمكن ترامب من الفوز حقا؟ لقد بدأ المسؤولون المنتخبون من الحزب الجمهوري، والذين يخشون تحريك مشاعر الناخبين، يعلنون تأييدهم، ورغم أن بعض المانحين الأثرياء يعيدون توجيه أموالهم نحو مرشحي الكونجرس والمرشحين على مستوى الولايات، فإن كثيرين آخرين امتطوا الموجة، وسوف يحذو آخرون حذوهم، إلى الحد الذي يجعل ترامب يبدو قادرا على التغلب على كلينتون.

في أي نظام يتألف من حزبين يتسمان بنفس القدر من الاستقطاب والتوازن كما النظام الانتخابي الحالي في الولايات المتحدة، قد تتسبب أزمة منفردة، مثل وقوع هجوم إرهابي، في قلب الكفة. والآن يحاول الساسة الجمهوريون والممولون وقادة الجماعات المناصِرة إقناع أنفسهم بأن ترامب، في البيت الأبيض، يمكن التحكم فيه وتوجيهه لتنفيذ الأجندة الجمهورية. وعلى المحك، هناك ترشيح المحكمة العليا البالغ الأهمية، كما أعد رئيس مجلس النواب بول ريان بالفعل ميزانية تقضي بخفض حجم الحكومة بشكل كبير لعرضها على الرئيس الجمهوري لتوقيعها.

سوف يخضع ريان، الذي لم يؤيد ترامب رسميا بعد، لضغوط متنامية لحمله على القيام بذلك. وسوف يمتطي الجمهوريون الوحش الذي خلقوه على أمل أن لا يلتهمهم.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك