عماد مفرح مصطفى

عماد مفرح مصطفى

عماد مفرح مصطفى, صحفي سوري

تجربة حمص
معركة مصيرية
أهداف موسكو

تكتسب معركة الاستيلاء على مدينة حلب أهمية قصوى لكل الأطراف السورية المتحاربة والقوى الإقليمية والدولية المتصارعة، فتداعيات هذه المعركة لن تقف عند تحديد دفة الصراع ووجهته بين القوى المعارضة والنظام السوري فحسب، بل ستتجاوز ذلك إلى التأثير الفعلي والمباشر على العديد من المعادلات الإقليمية الحساسة في المنطقة.

تجربة حمص
وإدراكا منها بأهمية دور هذه المدينة في رسم مستقبل الصراع ومعالم التسوية القادمة، يحاول النظام وحلفاؤه، استباق الظروف وتجاوز كل التفاهمات والاتفاقيات الخاصة بوقف "الأعمال العدائية"، وإطلاق معركة الاستيلاء على حلب بمحاولة استنساخ "تجربة حمص" وفرض حصار على المدينة وقطع خطوط الإمداد عن مقاتلي المعارضة، وصولا إلى فرض "تسوية" وفق منهج "الجوع أو الركوع" الذي اتبعه النظام في مناطق مختلفة من البلاد.

يحاول النظام وحلفاؤه، استباق الظروف وتجاوز كل التفاهمات والاتفاقيات الخاصة بوقف الأعمال العدائية، وإطلاق معركة الاستيلاء على حلب بمحاولة استنساخ تجربة حمص وفرض حصار على المدينة وقطع خطوط الإمداد عن مقاتلي المعارضة، وصولا إلى فرض "تسوية" وفق منهج "الجوع أو الركوع"

غير أن ما تحتاجه هذه الخطة "الجهنمية" هو تفريغ المدينة من غالبية سكانها عبر القصف الوحشي، ودفعهم إلى النزوح أو الهجرة، وهو ما يفسر التصعيد الحالي في عدد وكثافة غارات طيران النظام وحليفه الروسي منذ أكثر من عشرة أيام على أحياء في مدينة حلب، والذي أسفر حتى الآن عن مقتل ٢٥٠ مدنيا بينهم نحو خمسين طفلا وفقا لمنظمات حقوقية.

الواضح أن النظام بات يعول على معركة كبيرة في حلب، كبوابة عبور للإخلال بالتوازن المستقر نسبيا مع قوات المعارضة منذ أربع سنوات. معركة يدشن بها المرحلة الأولى من الحرب الشاملة التي سيخوضها مع حلفائه ضد قوات المعارضة المعتدلة على كامل الأراضي السورية، خلال الأشهر القادمة، بالتزامن مع دخول الولايات المتحدة فترة "الصمت الانتخابي".

لكن قبل الوصول إلى تلك الفترة، يسعى النظام من وراء اعتدائه على حلب وسكانها لدفع المعارضة إلى إعلان انسحابها الكامل من مفاوضات جنيف، وبالتالي تنصل النظام من تحقيق أي اتفاق سياسي في المستقبل أو التنازل عن بعض سلطاته في قادم الأيام، إذ يعتقد النظام بأن إنجاز السيطرة على العاصمة الاقتصادية للبلاد، سيمكنه من التفرغ للعاصمة السياسية (دمشق) وجوارها، والتعامل بفعالية أكبر مع قوات المعارضة هناك، مع إبقاء خيار محاربة إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية في البقاع السورية الأخرى، محل ابتزاز سياسي مع الغرب، من خلال مبادلة خطوة القضاء عليه بخطوة إعادة الاعتراف بـ"شرعية" و"أهلية" نظام الأسد.

معركة مصيرية
في المقابل، تبدو معركة حلب بالنسبة للمعارضة "قضية حياة أو موت"، إذ يحتمل أن يكون وقع خسارة مدينة كحلب كبيرا ومدويا على التيارات المعارضة، وألا تنحصر خسارتها على الجانب العسكري والسياسي فقط، لما تشكله حلب من قيمة رمزية ومعنوية في الوجدان السوري. لذا حتى وإن اكتفت قوات النظام بمحاصرة المدينة فقط، ستجد المعارضة نفسها أمام معضلة سياسية وميدانية صعبة، في ظل تسجيل النظام السوري لسابقة تاريخية لم ينجزها أي نظام ديكتاتوري في العالم، وهي محاصرة شعبه والتفاوض على محتنهم وجوعهم في الخارج.

والواقع أن المعارضة تخشى من أن تؤدي سيطرة النظام على مدينة حلب إلى تغيير مهم في جغرافية المعارك، وأن تتجاوز تلك التغييرات، بانعكاساتها السلبية، الريف الحلبي إلى العمق السوري مرورا بمحافظة إدلب، وصولا إلى كامل المناطق الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة وبالتالي افتقاد المعارضة للقوة اللازمة لخوض المفاوضات.

غير أن الخشية الكبرى التي تنتاب المعارضة حاليا تتعلق بإمكانية وجود توافق غير معلن بين واشنطن وموسكو حول مصير حلب على حساب المعارضة وإنهاء وجودها هناك، أملا في التأثير على الخيارات التركية بما يخص دعم المعارضة والوضع السوري بشكل عام، ومحاربة "تنظيم الدولة".

تريد موسكو من معركة حلب تحقيق إنجازين هامين، أحدهما تشكيل كيان كردي على طول الحدود الجنوبية لتركيا، لإشغالها بالورقة الكردية، ومحاصرتها بالنفوذ الروسي، في حين يرتبط الإنجاز الآخر بإبعاد تركيا عن الملف السوري وقطع خطوط إمدادها للمعارضة
صحيح أن معركة حلب شبيهة من حيث التعقيد وتداخل المصالح وتناقضها بأي معركة أخرى في سوريا، إلا أن هذه المعركة بالذات تمتاز بالحدية ووضوح رسائلها الإقليمية مع توفر الرغبة الروسية الواضحة في جعل معركة حلب ورقة ضغط على الجار التركي، فخسارة المعارضة للمدينة والريف الحلبي، سيعني وصول قوات الأسد والميليشيات الإيرانية "الطائفية"، إلى الحدود التركية، بما يحمل ذلك من تهديد للعمق التركي، هذا إن لم تستفد "قوات الحماية الشعبية الكردية" الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من الأوضاع، وتستولي على مدينة إعزاز، ومن ثم تقوم بربط مناطق سيطرتها على طول الحدود الجنوبية التركية وتثبيت حضورها على الخارطة السورية.

أهداف موسكو
والحقيقة أنموسكو تريد من معركة حلب تحقيق إنجازين مهمين، كانت تطمح إليهما منذ بداية تدخلها في سوريا، الأول تشكيل كيان كردي على طول الحدود الجنوبية لتركيا، بما يحمل ذلك من إشغال أنقرة بالورقة الكردية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ومحاصرتها بالنفوذ والوجود الروسي في الشمال والجنوب. في حين يرتبط الإنجاز الآخر بإبعاد تركيا عن الملف السوري وقطع خطوط إمدادها للمعارضة السورية، وتشكيل فاصل جغرافي كردي بين سوريا وتركيا، وحرمان الأخيرة من أي فرصة لإقامة منطقة آمنة على الحدود السورية.

وعليه تدرك كل الأطراف حجم الاستحقاقات التي سيمليها واقع التغيرات الميدانية بعد معركة حلب في المشهد السوري وانعكاساته، وهي استحقاقات قد لا تنتهي بمحاولة روسيا محاصرة نفوذ أنقرة وتأسيس وقائع جديدة على حدودها الجنوبية، وتأمين أجزاء منها لصالح قوات الحماية الشعبية الكردية، بل قد تتجاوز موسكو "البوتينية" كل ذلك، وتقدم على توفير غطاء جوي وسياسي لكيان كردي يمتد من جبال قنديل إلى عفرين، مع تحويله إلى قاعدة خلفية تساند حزب العمال الكردستاني في صراعه المسلح داخل تركيا.

واقع الحال أن كل القوى المحلية والإقليمية والدولية تتحسب لخسارتها في حلب، والتي قد تفتح الباب أمام هزائم أكبر في سوريا. لكن مهما تكن خسارة تلك القوى الدولية والإقليمية، فهي لن تكون بمستوى الخسارة السورية الممزوجة بطعم الدم والألم والتشرد والخذلان الدولي لشعب أراد الحرية والكرامة.

لذا يدرك السويون اليوم أن معركة حلب تعني معركة وجود بالنسبة لبلدهم ونسيجه الاجتماعي وكيانه المستقبلي، معركة ستنتصر فيها حلب بأهلها وتاريخها وحضارتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك