مجموعة كتاب

مجموعة كتاب

مجموعة كتاب

تاداتيرو كونويه وبيتر ماورير*

الزيارة التاريخية التي يقوم بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى مدينة "هيروشيما"، من شأنها أن تعطي دفعة جديدة للجهود الرامية إلى تطهير العالم من الأسلحة النووية. ففي ظل مناخ سياسي دولي مشحون بصورة متزايدة يشهده العالم اليوم يزداد حجم المخاطر، وبات لزاما على الدول اتخاذ إجراءات ملحة لحماية مستقبل البشرية.

نعلم الآن أكثر من أي وقت مضى الأخطار الناجمة عن تفجير سلاح نووي سواء بصورة عرضية أو متعمدة. وندرك كذلك أن ليس ثمة استجابة إنسانية ملائمة إذا ما وقع هذا السيناريو الكارثي.

ووفقا لشهادات خبراء ومسؤولين سابقين في مجال القوة النووية، فإن حوادث تفجير أسلحة نووية، سواء بشكل متعمد أو عرضي في العديد من الحالات منذ عام 1945 جاءت تقريبا نتيجة خلل وظيفي، أو حوادث، أو إنذارات كاذبة، أو معلومات جرى تفسيرها بشكل خاطئ.

وخلال العامين الماضيين فقط، وثقت حملة الصفر الشامل (الحملة العالمية للقضاء التام على الأسلحة النووية) عشرات من "الحوادث العسكرية" التي تورطت فيها دول حائزة للأسلحة النووية وحلفاؤها، إضافة إلى المخاطر المتزايدة الناجمة عن الهجمات الإلكترونية.

لا يمكن لأي شخص يزور متحف نصب السلام بـ"هيروشيما"، أو يرى بعينيه معاناة الآلاف من الناجين، أن يساوره أدنى شك في الآثار الكارثية للأسلحة النووية والتي لا يمكن التعافي منها. ولا يمكن أن يدفع شخص ذو ضمير سليم بأن هذه الأسلحة هي بشكل ما وسيلة لضمان الأمن العالمي

إذا ما وضعنا ذلك إلى جانب الدراسات المتفحصة مؤخرا التي أظهرت الأثر الصحي المروع لانفجاري "هيروشيما" و"ناغازاكي" على المدى البعيد، وحجم التكلفة البشرية لأي انفجار ناجم عن قنبلة نووية في المستقبل، سنجد أنفسنا أمام صورة مفزعة حقا.

في العام الماضي زرنا "هيروشيما" و"ناغازاكي"، وتحدثنا إلى الناجين، أو من يعرفون باسم "هيباكوشا". مر أكثر من 70 عاما، ولا تزال ظلال هذين الحدثين الفارقين في تاريخ الحرب الحديثة تخيم على حياة هؤلاء، وحياة أعداد لا حصر لها من اليابانيين.

وبعد الانفجارين، كافح فريق الصليب الأحمر في ظروف تفوق أي تصور لتخفيف المعاناة التي خلفها الانفجاران النوويان؛ إذ استحالت المستشفيات أنقاضا ورمادا، وتلوثت الإمدادات الطبية، وكان تقديم الرعاية الصحية -حتى الأساسية منها- شبه مستحيل.

لكن فصول هذا الكابوس أبعد ما تكون عن نهايتها حتى في يومنا هذا.
يقول الأطباء في المستشفيات التابعة لجمعية الصليب الأحمر الياباني في "هيروشيما" و"ناغازاكي" إن قرابة ثلثي حالات الوفاة في أوساط كبار السن من "الهيباكوشا" نتيجة الإصابة بسرطانات متعلقة بالتعرض للإشعاع؛ وفضلا عن الأعراض البدنية، لا تزال الصدمة النفسية حاضرة.

لا يمكن لأي شخص يزور متحف نصب السلام بـ "هيروشيما"، أو يرى بعينيه معاناة الآلاف من الناجين من كبار السن أن يساوره أدنى شك في الآثار الكارثية للأسلحة النووية والتي لا يمكن التعافي منها. ولا يمكن أن يدفع شخص ذو ضمير سليم بأن هذه الأسلحة هي بشكل ما وسيلة لضمان الأمن العالمي أو لحماية البشرية جمعاء.

لا شك أن القنابل التي تحتوي عليها ترسانات الدول المسلحة نوويا باتت أقوى وأشد تدميرا اليوم عما كانت عليه في السابق. وتسهم الأبحاث الحديثة حول هذه الأسلحة في تعزيز الموقف المناهض لها. وتشير الدراسات إلى أن استخدام الأسلحة النووية في يومنا الحاضر حتى وإن كان على نطاق محدود يفضي إلى عواقب كارثية طويلة الأمد على صحة الإنسان والبيئة والمناخ وإنتاج الغذاء والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وقد تمتد المشاكل الصحية ليطال أثرها أجيالا، إذ تواجه ذرية الناجين مخاطر بالغة جراء الضرر الوراثي الذي لحق بآبائهم.

والآن، ورغم مرور سبعين عاما على بزوغ فجر "العصر النووي"، قد لا تكون هناك وسيلة فعالة أو ملائمة لمساعدة عدد لا يستهان به من الناجين فورا في أعقاب تفجير نووي.

ومن المعروف يقينا، أن الانفجار الناتج عن أي قنبلة نووية في المستقبل لن يقف عند حدود بلد ما؛ والمرجح أن انفجارا كهذا سيعصف بمجتمعات في أماكن تتجاوز حدود البلد الذي يستهدفه، ما يجعل استمرار وجود الأسلحة النووية والمخاطر التي تستتبعها "شاغلا" عالميا.

لكي ينال الذين فقدوا أرواحهم أو الذين تغيرت حياتهم بلا رجعة بسبب هجومي "هيروشيما" و"ناغازاكي" النوويين ما يستحقون من تكريم وإجلال، يجب أن تكون زيارة الرئيس أوباما بمثابة حافز للمجتمع الدولي للتحرك دون إبطاء نحو عالم خال من الأسلحة النووية

إذا ما وضعنا هذه الاستنتاجات نصب أعيننا، بإمكاننا أن نتخيل مدى ضرورة أن يتراجع المجتمع الدولي الذي يقف على شفا مأساة محتملة، وأن يتخذ خطوات ملموسة للقضاء على هذه الأسلحة.

وكان من المؤسف أن أخفق مؤتمر استعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية العام الماضي في تحقيق تقدم في مجال نزع الأسلحة النووية، على الرغم من توفر الفرصة لتحقيق ذلك.

ودعت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر الدول إلى التفاوض للتوصل إلى اتفاق دولي لحظر استخدام الأسلحة النووية والقضاء عليها نهائيا في إطار جدول زمني ملزم. ونحن اليوم نكرر هذه الدعوة، إذ إن توفر الإرادة السياسية لتخليص العالم من هذا التهديد ضرورة ملحة.

وحتى يتخلص العالم من آخر سلاح نووي، ثمة خطوات ضرورية بإمكان الدول النووية اتخاذها بل ويجب عليها ذلك، للتقليل من خطر وقوع "هيروشيما" و"ناغازاكي" أخرى.

إنه من الواجب على هذه الدول وحلفائها تقليص دور الأسلحة النووية في خططها، وعقيدتها، وسياساتها العسكرية، وتقليل عدد الرؤوس الحربية النووية الموضوعة في حالة تأهب شديد. فالتطوير والانتشار الذي تشهده الترسانات النووية حاليا يقودنا إلى كارثة محتملة.

ولا تزال أجواء الفزع التي عايشتها "هيروشيما" و"ناغازاكي" إبان الهجومين النوويين والمعاناة الإنسانية المترتبة عليهما تحمل في طياتها دروسا قوية، ولا شك أن زيارة الرئيس باراك أوباما التاريخية لهيروشيما تمثل رسالة تذكير قوية بهول الدمار الذي تحدثه الأسلحة النووية.

علينا أن نستمد الزخم من هذه الرسالة.
ولكي ينال الذين فقدوا أرواحهم أو الذين تغيرت حياتهم بلا رجعة بسبب هجومي "هيروشيما" و"ناغازاكي" النوويين ما يستحقون من تكريم وإجلال، يجب أن تكون زيارة الرئيس أوباما بمثابة حافز للمجتمع الدولي للتحرك دون إبطاء نحو عالم خال من الأسلحة النووية.

ولا يمكن أن يشكل عدم استخدام هذه الأسلحة طوال السبعين عاما الماضية ضمانة لمستقبل خال من المخاطر لأبنائنا؛ وحده حظر الأسلحة النووية والقضاء عليها هو الضمان لذلك.
-----------------------------
* تاداتيرو كونويه هو رئيس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر ورئيس جمعية الصليب الأحمر الياباني.
بيتر ماورير هو رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك