ريتشارد ن. هاس

ريتشارد ن. هاس

رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي


لأسباب مفهومة ينصب معظم اهتمام العالم على التطورات الجارية في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، إذ تمثل هذه المناطق الغالبية العظمى من السكان والثروة على سطح الكوكب، وتعد من حيث الأهمية الجيوسياسية من أشد المناطق تأزما وخطورة، فضلا عن أن هذه المناطق كانت في العقود الأخيرة ـ إن لم يكن طوال القرون الأخيرة- مصدرا لمعظم أحداث التاريخ العالمي.

بيد أن إحدى النتائج غير المقصودة لهذا الاهتمام هي أن العديد من الحكومات والشركات والناس غاب عنهم الكثير مما يجري في أميركا اللاتينية، ويتصادف أن يكون الكثير مما يجري في أميركا اللاتينية الآن جيد.

وقد لا يبدو هذا واضحا. فالبرازيل، أكبر دول المنطقة، تقع في خضم أزمة سياسية طاحنة، حيث قد تخضع الرئيسة الحالية للبلاد ديلما روسيف للمحاكمة بينما يجري تنظيم دورة الألعاب الأولمبية في بلادها في وقت لاحق من هذا الصيف، وفي الوقت نفسه انكمش الاقتصاد بنسبة تقارب 4% عام 2015 ومن المتوقع أن ينكمش بنسبة مماثلة هذا العام. فضلا عن أن تأثير فيروس زيكا على الصحة العامة في البرازيل أكبر من تأثيره على أي مكان آخر. أما الفساد فأصبح ظاهرة مزمنة تطال تقريبا كل الشخصيات بالحياة العامة.

لا تخلو أميركا اللاتينية من مشاكل وتحديات حقيقية، فهي تعاني الكثير منها؛ ولكنها إلى حد بعيد، قضايا تتعلق بالحوكمة السياسية والاقتصادية وقدرة الدولة والفساد داخل الدول. ولا تعاني مطلقا من المشاكل الناجمة عن العلاقات بين الدول التي تسود وتحل كالكوارث في أجزاء أخرى من العالم، وتلك ميزة رائعة

ولكن المذهل في الأمر في البرازيل هو أن كل هذا قد حدث دون اللجوء للعنف حتى الآن. ويتسم بنفس القدر من الأهمية جانب آخر وهو أن العمليات السياسية جرت وفقا للمتطلبات الدستورية وتولاها قضاة كانوا يعملون بشكل مستقل، وكانت وسائل الإعلام من كل نوع تغطي ما يجري بكثافة شديدة. والقدرة على التصحيح الذاتي أمر ضروري لأي بلد، وقد يكون امتلاك ناصية التصحيح الذاتي هو ما أنقذ البرازيل من أخطاء الماضي وسوء الإدارة.

صحيح أن فنزويلا -ذلك البلد المبارك، أو المبتلى، بأكبر احتياطات نفط في العالم- أسوأ حالا؛ فقد انهار اقتصاد البلاد وعملتها مع انهيار أسعار النفط، واستفحل التضخم واشتد الخلل السياسي على نحو لا يمكن معه استبعاد الاضطرابات المدنية والعنف الداخلي واسع النطاق.

ومع ذلك، حتى هنا، يوجد ضوء في آخر النفق؛ فقد فازت المعارضة السياسية بأغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية في ديسمبر/كانون الأول 2015، وقد تشعل أسعار النفط المنخفضة شرارة تغير سياسي أعمق يفضي بدوره في نهاية المطاف إلى حكومة تبدأ عملية تحويل فنزويلا إلى دولة مؤسسات وقوانين، وليس بلد عبادة الشخصيات وإساءة استخدام السلطة.

وإذا تناولنا الأمر على نحو أكثر عمومية، فالعديد من الاتجاهات الأكثر أهمية في المنطقة تتسم بتوازن إيجابي. فالمكسيك، دولة الحزب الواحد طوال عقود، أرست الآن ديمقراطية قوية شهدت تقلبات عديدة للقيادة السياسية عبر صناديق الاقتراع، فضلا عن أن اقتصادها يبلي بلاء حسنا نسبيا. ولا شك مع ذلك في وجود تحديات وبشكل خاص حين يتعلق الأمر بالتصدي للجرائم ذات الصلة بالمخدرات والعنف، بيد أن هذه مشاكل يمكن التغلب عليها بالمثابرة على بذل الجهد لحلها.

أما كولومبيا، فقد خرجت بعد طول انتظار من صراع أهلي امتد طويلا. وجزئيا بفضل مساعدة الولايات المتحدة، أصبحت الحكومة قوية بالقدر الكافي لتثبت لمتمردي القوات المسلحة الثورية الكولومبية (الفارك) في البلاد أن ليس بوسعهم شق طريقهم للسلطة بقوة السلاح. ومازال وقف إطلاق النار ساريا بين الطرفين، وتبدو آفاق التوصل لاتفاق سلام جيدة. هذا بينما ينمو الاقتصاد بمعدل سنوي 3%، أي منخفضا عن معدلات النمو في الماضي القريب، ومع ذلك أعلى من معدلات نمو العديد من الاقتصاديات الناشئة.

تبدو أميركا اللاتينية في حال أفضل من غيرها من قارات العالم. وفي الواقع، إذا استمرت الاتجاهات الحالية على حالها يمكن لأميركا اللاتينية أن تحل محل أوروبا كمنطقة عالمية يتطلع إليها الآخرون بأكثر من مجرد إعجاب بسيط، أو ربما حتى يتطلعون إليها بحسد

وتقدم الأرجنتين لنا الخبر السار الأحدث، فقد اتخذت الحكومة الجديدة، في شهورها الست الأولى، عددا من الخطوات الصعبة لاستعادة ثقة المجتمع الدولي، الأمر الذي لا يقلص على الإطلاق من شأن ما يجب على الحكومة تحقيقه للحد من التضخم واستعادة معدلات النمو المستدام، بيد أن هناك شعورا ملموسا بأن البلاد -التي يقودها الآن فريق موهوب من التكنوقراط- قد اجتازت عنق الزجاجة.

وهذا خبر سار؛ ليس فقط بالنسبة للأرجنتين، لأن ما يحدث هناك سوف يؤثر على التفكير والسلوك في أماكن أخرى، وبشكل خاص في البرازيل. فالتقدم في الأرجنتين من شأنه البرهنة على أن من ينتهك القانون يمكن محاسبته، وأن التدخل المفرط للدولة في الاقتصاد يقود إلى الإفلاس ويشجع الفساد، وأن الديمقراطية والأسواق هي المستقبل. وعلى الأرجح أن تصبح كوبا في غضون عشرة أعوام شبيهة بجيرانها الأكثر انفتاحا سياسيا واقتصاديا وليس العكس.

ومرة أخرى، لا يعني أي من هذا أن أميركا اللاتينية تخلو من المشاكل والتحديات الحقيقية،على العكس، فهي تعاني من الكثير منها؛ ولكنها إلى حد بعيد، قضايا تتعلق بالحوكمة السياسية والاقتصادية وقدرة الدولة والفساد داخل الدول. ولا تعاني أميركا اللاتينية إطلاقا من المشاكل الناجمة عن العلاقات بين الدول (المشاكل الجيوسياسية) التي تسود وتحل كالكوارث في أجزاء أخرى من العالم، وتلك ميزة رائعة، إذ أنها تعني أن اهتمام الحكومات ومواردها يمكن توجيهها لتلبية الاحتياجات المحلية.

الشرق الأوسط يتفسخ وتنحل خيوطه، وتعاني آسيا من نزاعات السيادة على الأراضي ومن صعود القوة الصينية ومن تهور كوريا الشمالية. أما أوروبا فقد اجتاحها اللاجئون والإرهاب والانتقام الروسي. وأفريقيا تعرقلها الصراعات الأهلية والإرهاب والحوكمة السيئة.

وعلى العكس، تبدو أميركا اللاتينية في حال أفضل. وفي الواقع، إذا استمرت الاتجاهات الحالية على حالها يمكن لأميركا اللاتينية أن تحل محل أوروبا كمنطقة عالمية يتطلع إليها الآخرون بأكثر من مجرد إعجاب بسيط، أو ربما حتى يتطلعون إليها بحسد.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك