إليزابيث درو

إليزابيث درو

مؤلفة كتاب يوميات واشنطن


الآن، انتهى تقريبا سباق تحديد مرشحي الحزبين السياسيين الرئيسيين في أميركا، الديمقراطي والجمهوري، للانتخابات الرئاسية. وهذا يجعل الحزبين في مواجهة التحدي المتمثل في إعادة توحيد الصفوف استعدادا لحملة الخريف، وهي المهمة التي سوف يكون القيام بها هذا العام أصعب كثيرا مما كانت عليه في أغلب سنوات الانتخابات الرئاسية الأخرى.

رغم أن علم الرياضيات يؤكد استحالة حصول بيرني ساندرز على العدد الكافي من الوكالات الموعودة للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، فإنه باق في السباق، وهو ما يعني أن هيلاري كلينتون لا يمكنها بعد أن تبدأ جهود علاج الجراح لتوحيد صفوف حزبها. ولكن الفوز بدعم الملايين من الناخبين الذين يؤيدون ساندرز بحماس شديد يشكل تحديا بالغ الخطورة. الواقع أن ساندرز ليس مجرد خصم؛ فهو يقود حركة تعارض ما تمثله كلينتون و"المؤسسة الحاكمة".

في عام 2008، بدا السباق بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما وكأنه انتهى وديا إلى حد كبير؛ فبرغم بقاء كلينتون في السباق إلى النهاية، فإنها خففت من خطابها ضد أوباما مع اقتراب السباق من نهايته. وفي ذلك الصيف اتخذت خطوة غير عادية عندما ذهبت إلى المؤتمر الانتخابي لحث الحزب على ترشيحه بالتصفيق.

تتمتع كلينتون بعدد كبير من المؤيدين المتحمسين بطبيعة الحال، ولكن حملتها الانتخابية في المرتين كانت تعاني من شُح العاطفة. ويتمثل الخطر الأعظم الذي يواجهها في الانتخابات الحالية في أن كثيرا من الديمقراطيين لن يكلفوا أنفسهم عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع

مع ذلك، لم تكن الجهود التي بُذلت عام 2008 لتوحيد صفوف الحزب الديمقراطي ناجحة كما قد يوحي الرأي السائد. فمن الوارد أن يقرر المرشحون اتخاذ موقف كريم في الهزيمة، ولكن الإصلاح بين أتباعهم أمر أصعب كثيرا، فبعد عام 2008، ظلت التوترات بين بعض أقوى أنصار كلينتون وأوباما باقية لسنوات.

تتلخص إحدى طرق توحيد فصائل الحزب في اختيار المرشح لمنافسه نائبا له؛ فقد اختار جون كينيدي خصمه اللدود سابقا ليندون جونسون (لم تكن نتيجة ذلك الاندماج مثالية)؛ ولكن كلينتون لن تجعل ساندرز زميلا لها في الحملة كنائب. ذلك أن ساندرز لا يصلح مزاجيا لدور التابع، كما تعكس الخلافات بينهما فيما يتصل بالسياسات تمسك كل منهما الشديد بوجهات نظر متباينة حول دور الحكومة الفيدرالية.

ربما اختار أوباما خصمته السابقة هيلاري كلينتون لكي تكون أول وزيرة خارجية لأسباب تتجاوز ما تتمتع به ذكاء، فكان من الأفضل إبقاؤها في الخيمة وليس خارجها. وحتى مع ذلك، لم يكن ولاء كلينتون مطلقا.

ففي كتابها "اختيارات صعبة"، وجهت بعض الانتقادات لطريقته في التعامل مع الحرب الأهلية في سوريا، وكانت حريصة في حملتها أحيانا على تبرئة نفسها من سياساته، ولكن من المؤكد أن أوباما سوف يناصر كلينتون بكل قوته بمجرد خروج ساندرز من السباق.

من الواضح أن ساندرز يعتزم تحدي كلينتون بشأن بعض القضايا المدرجة على البرنامج السياسي للحزب في 2016، فقد تمكن خلال حملة الترشح من سحبها إلى حد ما إلى يسار التجارة، والحد الأدنى للأجور.. ولكنها لا تستطيع أن تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في الانتخابات العامة دون أن تخسر أصوات المستقلين.

وفي حين تحظى مقترحات ساندرز بشعبية كبيرة، وخاصة بين الشباب، فإن الكثير من أجندته -مثل تحويل برنامج "أوباما كير" (حماية المرضى والرعاية الميسرة) إلى نظام صحي يقوم على جهة دفع منفردة- لا يمكن تنفيذه سياسيا. وعلى نحو مماثل، من غير المرجح أن يخضع عمالقة الخدمات المصرفية في وال ستريت لمحاولات ترويضهم.

وعلاوة على ذلك، يشعر كل من ساندرز وكلينتون في هذه المرحلة بالغضب الشديد إزاء الآخر، كما تشعر هيلاري وزوجها بيل كلينتون بالانزعاج الشديد بسبب استمرار ساندرز في إدارة حملته الانتخابية -رغم أنها فعلت نفس الشيء عام 2008- ولأنه لم يخفف من انتقاداته لسجلها.

الواقع أن الناخبين نادرا ما ينسون مثل هذه الأمور. فبعد ثلاثين عاما، كان كارتر ما زال يتحدث بمرارة عن حدث شهده اجتماع الحزب الديمقراطي عام 1980، فقد اضطر كارتر، الرئيس الشاغل لمنصبه آنذاك، إلى ملاحقة منافسه المهزوم إدوارد كينيدي حول المسرح سعيا إلى الحصول على الصورة التقليدية للمنافسين السابقين وهما يرفعان أذرعهما متشابكي اليدين. وبدلا من استعراض الوحدة في ابتهاج، لم يحصل كارتر إلا على مصافحة فاترة على مضض.

السبب الرئيسي المحتمل وراء عجز كلينتون عن كسب تأييد أنصار ساندرز هو أن عددا كبيرا منهم لا يحبونها؛ فقد قال واحد من كل ثلاثة منهم إنهم لن يصوتوا لصالحها. وفي إبريل/نيسان، أعطاها 40% فقط من الديمقراطيين درجات عالية في ما يتصل بصدقها وجدارتها بالثقة، واعتبرها 50% فقط من الديمقراطيين مُرضية في الإجمال. (بلغت نسبة تأييد أوباما عام 2008 نحو 60%).

للمرة الأولى في التاريخ الأميركي، يحظى مرشحا الحزبين بقدر من الكراهية أكثر مما يتمتعان به من حب بين الأميركيين ككل، وإن كان ترامب يتفوق على كلينتون في هذا المضمار. وهو ما لا يشكل على الإطلاق أساسا طيبا لبدء الرئاسة المقبلة

في حين يستطيب الجمهوريون احتمال توجيه الاتهام إلى كلينتون بسبب مزاولتها لشأن رسمي عبر خادم بريد إلكتروني خاص عندما كانت وزيرة للخارجية، فسوف يكون لزاما على المدعين العموميين أن يثبتوا أنها كانت عازمة على مخالفة القانون، وهو أمر غير مرجح. ولكن مسألة البريد الإلكتروني سلطت الضوء على بعض الأسباب التي تجعل الناس يكرهون كلينتون: فهي بتعبير ملطف كانت مراوِغة في ردودها على أسئلة بشأن تصرف متهور على نحو لا يمكن إنكاره. ونتيجة لهذا، تراجعت منزلتها خلال الحملة الانتخابية.

تتمتع كلينتون بعدد كبير من المؤيدين المتحمسين بطبيعة الحال، ولكن حملتها الانتخابية في المرتين كانت تعاني من شُح العاطفة. ويتمثل الخطر الأعظم الذي يواجهها في الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني في أن كثيرا من الديمقراطيين لن يكلفوا أنفسهم عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع ببساطة.

وتعتمد حملتها على تصرفات وتصريحات دونالد ترامب لتوحيد الحزب، وربما يحدث هذا؛ ولكن عملها سوف يكون مبتورا، وخاصة بين الشباب وأولئك الذين يصوتون لأول مرة والذين أيدوا ساندرز بأغلبية كبيرة.

سوف يواجه الجمهوريون أيضا مشكلة التوحد حول ترامب، الذي أصبح الآن مرشح الحزب المفترض. ذلك أن أغلب الجمهوريين المنتخبين يعتبرونه أكثر جهلا وحذلقة من أن يصلح رئيسا. وفي أواخر إبريل/نيسان، قال 40% من الجمهوريين المشاركين في الاستطلاع إنهم لن يدعموا ترامب في الانتخابات العامة.

كما يخشى الجمهوريون أن يُمنى ترامب بهزيمة منكرة إلى الحد الذي قد يكلفهم السيطرة على مجلس الشيوخ ويخفض من أغلبيتهم في مجلس النواب. ولهذا السبب، يواجه كثيرون صعوبة كبيرة في اتخاذ القرار بشأن ترامب، بل ويذهب البعض إلى القول بأنهم يدعمون ترامب، ولكنهم لا يُصدِّقون عليه. وقد قال جورج بوش الأب وجورج بوش الابن إنهما لن يتدخلا في هذا السباق.

للمرة الأولى في التاريخ الأميركي، يحظى مرشحا الحزبين بقدر من الكراهية أكثر مما يتمتعان به من حب بين الأميركيين ككل، وإن كان ترامب يتفوق على كلينتون في هذا المضمار. وهو ما لا يشكل على الإطلاق أساسا طيبا لبدء الرئاسة المقبلة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك