مجموعة كتاب

مجموعة كتاب

مجموعة كتاب


أندريس اسلوند وسايمون كوماندر*

إن الآفاق الاقتصادية لروسيا تبدو قاتمة بشكل متزايد، ففي العام الماضي ساهم الانخفاض الكبير في أسعار الطاقة والعقوبات الدولية بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.7%.

لقد تراجعت الأجور الحقيقية في البلاد بحوالي 10% تقريبا، ومن المتوقع هذا العام أن يستمر هذا الاتجاه السلبي حيث من المقرر أن ينخفض الإنفاق العام على التعليم والرعاية الصحية سنة 2016 بمقدار 8%.

إن محاولات الكرملين غير المنهجية في تنويع الاقتصاد الروسي قد فشلت إلى حد كبير، وما تزال الإنتاجية العمالية منخفضة بشكل مزمن، كما جفت منابع الاستثمارات سواء الخارجية أو المحلية.

وللأسف من غير المرجح أن يحصل أي تحول إيجابي، وطبقا للمعطيات الحالية فإن أسعار الطاقة الأعلى ورفع العقوبات لن تكون كافية لإعادة تنشيط اقتصاد البلاد الذي يعد في حالة احتضار.

لقد قام نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال العقد الماضي بتهميش المؤسسات الضرورية لعمل أي اقتصاد حديث، فالنظام القضائي على سبيل المثال في حالة يرثى لها إلى حد كبير، وفوق ذلك كله فإن ملكية وإدارة الأصول والموارد الرئيسية هي تقريبا في أيدي الحكومة

لقد قام نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال العقد الماضي بتهميش المؤسسات الضرورية لبناء أي اقتصاد حديث، فالنظام القضائي على سبيل المثال في حالة يرثى لها إلى حد كبير، وفوق ذلك كله فإن ملكية وإدارة الأصول والموارد الرئيسية هي تقريبا في أيدي الحكومة.

وقد أشار صندوق النقد الدولي سنة 2012 إلى أن القطاع العام بشكل عام ساهم بحوالي 70% من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرغم من عدم توفر تقديرات مقارنة مفصلة للسنوات السابقة فقد كانت حصة القطاع العام في السنوات الأولى من العقد الماضي حوالي 30-40%.

إن الذي زاد من سيطرة الدولة على الاقتصاد الروسي هو انتشار المؤسسات المملوكة للدولة، والتي تصل التزاماتها الإجمالية إلى 150% من الناتج المحلي الإجمالي.

لقد تم تأميم شركات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والمصارف والتسلح، وفي سنة 2014 شكلت الكيانات المملوكة للدولة أو التي تتحكم بها الدولة حوالي 70% تقريبا من دورة رأس المال، و85% من التوظيف في أكبر 15 شركة روسية، وبالنسبة لأكبر 100 شركة كانت النسبة 54% و68% على التوالي، والآن يشكل القطاع العام الموحد حوالي ثلث إجمالي التوظيف.

يتم التحكم في المؤسسات الروسية الكبيرة المملوكة للدولة بشكل عام -مع نقص كبير في الشفافية- من قبل إدارة يتم تعيينها من بوتين شخصيا؛ حيث يتم اتخاذ الكثير من القرارات التجارية المهمة خلال اجتماعات على انفراد بين بوتين والرئيس التنفيذي لتلك الشركة، كما أن العديد من حالات الدمج والاستحواذ تتطلب الموافقة الشخصية للرئيس.

إن انعدام الشفافية منتشر بشكل كبير، فهناك قلة من الشركات المملوكة للدولة تقدم تقارير محاسبية تتوافق مع المعايير الدولية المتعلقة بالتقارير المالية، والعديد منها لديها أعداد ضخمة من الشركات الفرعية التي يمكن أن تقلل من الفوائد التي تصل للمساهمين، بينما تقدم الفرص للمدراء والأطراف المرتبطة بهم من أجل إثراء أنفسهم، فشركة السكك الحديدية الروسية على سبيل المثال لديها أكثر من 23 ألف شركة فرعية، وشركة غاز بروم لديها أكثر من 4300 شركة فرعية.

إن نقص المعلومات المفصلة يجعل من الصعوبة بمكان توثيق المحفظة الكاملة لأصول الدولة ناهيك عن إقامة نظام مراقبة فعال وشفاف. إن الوكالة المكلفة بإدارة ممتلكات الدولة (روسيماشيستفو) غير قادرة على التصرف كمساهم فعال ومسيطر.

إن روسيا بوتين تذكرنا بشكل متزايد بإندونيسيا إبان حكم الرئيس سوهارتو (نظام معقد من رأسمالية المقربين والأعوان بدون حقوق ملكية حقيقية). إن العديد من المقربين لبوتين قد اكتسبوا ثروات ضخمة من خلال علاقاتهم مع الشركات الحكومية، إن إحدى طرق الإثراء هو الاستيلاء سرا على التدفقات المالية للشركات الحكومية، وإحداها أيضا تتعلق بعلاقات النفوذ، وذلك من أجل تأمين عقود بدون مناقصات أو شراء أصول حكومية مقابل مبالغ زهيدة.

ففي سنة 2014 كان صافي ثروات أولئك الخاضعين للعقوبات من قبل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي يقدر بحوالي 17 مليار دولار أميركي، كما أن بنكا واحدا فقط من البنوك التي تخضع للعقوبات لديه أصول تقدر بأكثر من 11 مليار دولار أميركي

لقد تم التلميح لحجم اقتصاد المقربين والأعوان في أوراق بنما، ولكن حتى تلك المعلومات تعتبر قمة جبل الجليد فقط؛ ففي سنة 2014 كان صافي ثروات أولئك الخاضعين للعقوبات من قبل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي يقدر بحوالي 17 مليار دولار أميركي، كما أن بنكا واحدا فقط من البنوك التي تخضع للعقوبات لديه أصول تقدر بأكثر من 11 مليار دولار أميركي.

إن هذا النظام يكلف الاقتصاد الروسي الكثير فهو نظام يفضل التربح على حساب نمو الإنتاجية. إن روسيا تمتلك بعض الشركات الخاصة الفعالة والديناميكية، ولكن مساحة الحركة لتلك الشركات تتناقص بشكل سريع.

إن التجربة توحي بأن القطاعات العامة الكبيرة عادة ما ترتبط بالنمو الأقل من المعدل ومزاحمة الاستثمار في القطاع الخاص، وفي واقع الأمر ومع توسيع الشركات الحكومية الضخمة والعديد منها في أيدي المقربين والأعوان فقد انخفضت المنافسة بشكل كبير في قطاعات عديدة.

على الرغم من كل ذلك فإن التزام بوتين بالنظام الذي بناه هو التزام راسخ وثابت، فحتى الإجراءات المقترحة لتحصيل الإيرادات -مثل تخصيص حصص الأقلية في 7 شركات تملكها الدولة- على الأرجح ستتم بطريقة تحابي المقربين منه.

إن جزءا من التردد في التغيير يرجع لحقيقة أن بوتين يتمتع بشعبية كبيرة حتى الآن، وبينما يستمر الاقتصاد في الانهيار، فإن الأمر يمكن أن يتغير بسرعة كبيرة ويبدو أن بوتين يعترف بذلك، حيث انعكس ذلك على قراره -في توقع واضح للمتاعب- بإنشاء حرس وطني يبلغ تعداده 400 ألف من القوات شبه العسكرية ووضعه تحت قيادة الحارس الشخصي له منذ فترة طويلة.

نظرا لاعتماد النظام على شخصنة السلطة فمن الصعب إيجاد طريق للتغيير ذي مصداقية يمكن بموجبه الاحتفاظ بصلاحيات بوتين والمقربين منه، وإن فتح الاقتصاد للمنافسة وتوسيع القطاع الخاص سيقوض نظام الثروة والسلطة الذي يتمتع به رفاق بوتين، ولهذا السبب من المرجح أن تستمر متاعب روسيا الاقتصادية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك