توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


لفهم الغرض من أي تشريع, ينظر المشرعون في الأسباب الموجبة له والتي ترفق به كقاعدة، وفي حال اقتناع المشرعين بوجاهة تلك الأسباب ينظر في مدى تحقيق نصوص التشريع المقترح لتلك الغايات. وهذا ما ظل ممارسا في الأردن منذ قيامه كدولة.

ومؤخرا للأسف طرح وأقر أخطر تشريع جرى تقديمه في تاريخ المملكة منذ إقرار عقد الحكم فيها ممثلا بدستور عام 1952, إذ خرجت علينا الحكومة فجأة بحزمة تعديلات دستورية جذرية، واللافت أن هذه التعديلات لم ترفق بأسباب موجبة تستحق التسمية، والأغرب أن الحكومة "أقرتها" بجلسة واحدة، ولم يبين الخبر المفاجئ من اقترح تلك التعديلات.. وواضح أن غالبية الوزراء الذي أقروها لم يعرفوا بها أو بفحواها, قبل تلك الجلسة؛ فلو عرفوا لكان تسرب الأمر ليقول فيه الشعب ونخبه كلمتهم.

فكما بينت في مقالات سابقة, لا يوجد سر في عمل الحكومات ومؤسسات عديدة أخرى في الأردن، لأنه بلد صغير, والسبعة ملايين أردني تربطهم روابط قرابة أو نسب أو صداقة أو جوار أو زمالة دراسة أو عمل، وقد أسّس ذلك لشبكة إعلامية معلوماتية قديمة متجددة سابقة على توتير.

اللافت أن هذه التعديلات لم ترفق بأسباب موجبة تستحق التسمية، والأغرب أن الحكومة "أقرتها" بجلسة واحدة، وأن غالبية الوزراء الذي أقروها لم يعرفوا بها أو بفحواها, قبل تلك الجلسة؛ فلو عرفوا لكان الأمر قد تسرب ليقول فيه الشعب ونخبه كلمتهم

ولتسريب الأسرار -إن وضعنا جانبا بيان المسرب أهمية منصبه- أسباب مشروعة, منها حشد الرفض لقرار أو سياسة يُعد لها ولا يقوى على رفضها ذو المنصب المعيّن في بلد يطال فيه التعيين الصريح حتى المناصب المنصوصة دستوريا وقانونيا على كونها منتخبة (نشرت الصحافة الأردنية مفاخرة عضو مجلس أعيان أنه حين كان مديرا للمخابرات "عيّن" نصف أعضاء مجلس النواب ولم يرتد هذا سلبا عليه). والتعديلات الدستورية ليست سرا ولا يجوز أن تكون سرا, بل ينبغي أن تعرض على الشعب كله لتجري مناقشتها، وأغلب الدساتير الديمقراطية تشترط طرح التعديلات بعد إقرارها من المشرعين على استفتاء شعبي لتصبح نافذة.

لم يحصل شيء من هذا؛ ولهذا جوبهت التعديلات المفاجئة بأعنف حملة رفض نيابية وحتما نخبوية من غير النواب، ولكن غضب النواب تركز على التعديل المتعلق بتولي مزدوجي الجنسية مناصب عليا (الوزارة وما في حكمها), ليس لكونها الأخطر, فالأخطر هي التعديلات التي تغير سمة الحكم في الأردن من "ملكية دستورية " لتشارف "الملكية المطلقة".

وكما بيّن كثر, فهي ترفع الحصانة عن الملك بتبرئة الحكومة من كل ما قد ينتج عن استثنائها من شرط توقيع رئيسها والوزراء المعنيين على الإرادة الملكية, كما تنص المادة 40 وتعتبر توقيع الملك فوق هذه التوقيعات "موافقة" عليها وليس منشئا لها وبالتالي مسؤولا عنها.

ويليها في الخطورة تعيين الملك وحده دون تنسيب أحد لمدير "الدرك", ثم التعديل الذي يتضمن حجرا على إرادة النواب في التجديد أو عدم التجديد لرئيس مجلسهم بتمديد مدة انتخابه لسنتين بدل سنة. فهذا التعديل- عمليا- سيقيد إرادة "نواب الشعب" في نصف فترة ولايتهم, ويشلها تقريبا في النصف الثاني.
ناهيك عن كون تقليص ولاية الحكومة يقلص ما يتاح للنواب محاسبتها عليه، وفي هذا انتقاص غير جائز لحقوق المواطن. وعدم جواز الانتقاص من حقوق المواطن في أي تعديل, يرد في نصوص دساتير عدة بعضها عربي, كالدستور التونسي والدستور القطري (مع أن الأخير شبيه جدا بدستورنا).

ومع ذلك فإن أبرز ما اعترض عليه النواب -للأسف- هو موضوع "تبوأ المناصب" لجعل تلك المناصب حصرية بمواصفاتهم هم, وقد وصل الأمر حقيقة حد تكريس محاصصات مناطقية وعشائرية امتدت لمناصب علميّة كرئاسة الجامعات!

ويبقى رفض هذا التعديل مبررا بمخاطر وضع قرارات مصيرية في يد مزدوجي الولاء، ولكن القناعة الشعبية الغالبة -لم تأت اعتباطا بل لها ما يبررها- تتجاوز هذا للقول بأن التعديل جاء مفصلا أساسا على مقاسات شخوص بعينهم مرفوضين شعبيا يراد تنصيبهم أو إعادتهم للمناصب, منهم رئيس الحكومة الحالي الذي لم يرد على سؤال لنائب عن حمله للجنسية الكندية! وهذا يؤشر على شائبة تشريعية توجب رد التعديل, إذ لا يجوز وضع تشريع لخدمة أو استهداف أفراد بعينهم, بل يجب أن يكون التشريع محايدا ولخدمة مصلحة عامة.

وما يضعف حجة النواب تجاه الحكومة التي تشرّع خدمة لرئيسها أو لشخوص آخرين, أن أغلبهم سكت، بل وتواطأ على بقاء تشريعات خرقت الدستور صراحة لاستهدافي بمنع ترشحي للنيابة بثلاثة قوانين فصلت تحديدا لي (كتب مختصون منهم نقيب المحامين والوزير السابق صالح العرموطي والفقيه الدستوري الدكتور محمد الحموري أن حكومة علي أبو الراغب عدلت الدستور بقانون مؤقت لمنع ترشحي).

ولكن ما يضعف السلطة التنفيذية بالمقابل أن التعديلات التي أجرتها "لجنة ملكية" عام 2011, وسميت "إصلاحية" -رغم انتقاص حقوق المواطنين الدستورية عند إنشاء المحكمة الدستورية والذي سبق وأن كتبت عنه- تضمنت إضافة للمادة 42 من الدستور التي تقول "لا يلي منصب الوزارة وما في حكمها إلا أردني", عبارة جديدة تقول "لا يحمل جنسية دولة أخرى".. أي أن التعديل "الإصلاحي" تعمّد سد الطريق أمام أي تفسير للمادة يقول بكفاية كون شاغل المنصب أردنيا دون أي أثر مضاد لكونه يحمل "أيضا" جنسية أخرى. وهنا يأتي الانقلاب العجيب على هذا في التعديل الجديد الذي يطالب بحذف العبارة المضافة حديثا, بما يدعم وصف التعديلات الجديدة بكونها جاءت "سلقا"!

غياب الأسباب الموجبة المقنعة يدفع إلى التفكير بأسباب أخرى يتم القفز عليها، والتفكير هنا يجب أن يوسع جغرافيا وزمانيا؛ كوننا نعيش في إقليم مضطرب ووسط تغيرات كبرى تشارك فيها كبريات القوى الدولية, توجب علينا الحذر والسعي للخروج منها سالمين, دون التفكير بأن نصبح "غانمين"

وكل هذا يستشف كسبب كامن وراء هذه التعديلات التي لم ترفق بأسباب موجبة تُذكر. ولا يسعف ما نشر في ثلاث جمل مقتضبة من قول الحكومة إنها تخدم "فصل السلطات"(بينّا أعلاه كيف يجري التدخل في إرادة النواب, فيما استقلال القضاء يكون بمزج انتخاب القضاة للهيئات العليا بتولية أصحاب الأقدمية منهم).. فيما حجة منع تسييس "الدرك" غير مقنعة كونه جهاز أمن ميداني تنفيذي صغير، ولكن الخطورة تكمن في حدوث تجاوزات من قِبله ينبغي الحرص حتما على أن لا تنسب لرأس الدولة.

وعدم اقتناع أحد بمثل هذه الأعذار كأسباب موجبة لتغيير قواعد دستورية, يتجلى في حالة كاتب احترف التسبيح بحمد الحكم والحكومة حد نيله وعدا "بجنة" تتمثل في محطة تلفزيونية يترأسها قيل إنها ستكون شبيهة "البي بي سي" و "دويتشة فيله".. فإذا الرجل "الواصل المطّلع" يجد نفسه "غايب فيله" لا حجة تعينه على الرد على "سيل الأسئلة والاستفسارات التي انهالت من النخب، وحتى عامة الناس حول مغزى التعديلات وتوقيتها ودلالاتها المستقبلية".. بل لم يجد حلقة وصل بالحضن الذي تربى فيه فاضطر لمخاطبة المسؤولين عبر مقالته قائلا: "من الخطأ تجاهل أسئلة الرأي العام وملاحظات المختصين، والوقت لم يفت على توفير الغطاء السياسي لحزمة التعديلات. المهم أن يخرج كبار المسؤولين والمعنيين عن صمتهم، ويتقدموا للناس ببيان شامل يضع التعديلات المقترحة في سياقها الموضوعي، ويرسم ملامح المرحلة المقبلة، ولو بقلم رصاص".. أي أنه يطلب تبريرات قابلة للمحو, ما يوازي توسّل "واكذب عليّ, الكذبة مش خطيّة"!

غياب الأسباب الموجبة المقنعة يدفع إلى التفكير بأسباب أخرى يتم القفز عليها، والتفكير هنا يجب أن يوسع جغرافيا وزمانيا، كوننا نعيش في إقليم مضطرب ووسط تغيرات كبرى تشارك فيها كبريات القوى الدولية, توجب علينا الحذر والسعي للخروج منها سالمين, دون التفكير بأن نصبح "غانمين" مما يجري.. فنحن لسنا قوة إقليمية، وقوتنا الناعمة, التي يحلو لنا تسميتها "أنموذجا", يلزمها أن نكون ديمقراطيين وسلميين. وأية حركة خارج حجمنا الطبيعي تصبح مجازفة بحجم"نكون أو لا نكون"!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك