محمد غازي الجمل

محمد غازي الجمل

باحث في الشؤون السياسية

دلالات
مؤشرات المستقبل
أسئلة عالقة

تبرز انتفاضة القدس مؤشرات على تغير ذي مغزى في أساليب النضال الفلسطيني، وتشير أساليبها إلى أن الشعب يتكيف بوعي وذكاء ليواجه حالة الجمود التي وصل إليها المشروع الوطني الفلسطيني.

فقد اتضح أن عملية التسوية "طبخة حصى"، كما أن مسار تدويل التفاوض بطيء وغير جذاب، فيما تضاءلت حظوظ العمل العسكري المنظم بفعل الضغط الأمني المزدوج من السلطة والاحتلال، وبفعل انكشاف البنية التنظيمية للفصائل عموما ولحركة حماس خصوصا. وفي هذا التكيف مؤشر على حيوية الشعب الفلسطيني وعزمه على الخلاص من الاحتلال.

وتقاطع هذا مع تبني الرئيس محمود عباس إستراتيجية "إقامة الدولة تحت الاحتلال" التي تتضمن إغضابا لإسرائيل وللولايات المتحدة، وتستلزم إسنادا شعبيا؛ أقله من حركة فتح التي كانت تتعالى فيها أصوات عديدة مطالبة بالعودة إلى مواجهة الاحتلال، وهو ما جعل السلطة تخفف من قبضتها على الحراك الجماهيري في مطلع الانتفاضة، إلا أن التغاضي عن التظاهرات والمواجهات مع جيش الاحتلال لم يستمر طويلا خوفا من خروجها عن السيطرة.

مما يصعب مهمة الاحتلال في وأد الانتفاضة الحالية عدم وجود هياكل للعمل المقاوم يستطيع ضربها، وهو ما يعبر عنه سياسيون وعسكريون صهاينة بقولهم "لا يوجد عنوان للانتقام وتدفيع الثمن"؛ خلافا لما كان عليه الحال في الانتفاضتين والحروب مع غزة ولبنان

وبدورها كانت حركة حماس تشجع على اندلاع الانتفاضة، وأسهم المرابطون في إثارة قضية المسجد الأقصى وقدموا نماذج ملهمة للشعب الفلسطيني.

وتزامنت هذه الظروف مع ازدياد مستوى انتهاكات المستوطنين بحق الفلسطينيين في الضفة، واعتداءات المتطرفين على المسجد الأقصى ومحاولة فرض التقسيم الزماني عليه، بدعم وتغطية من حكومة الاحتلال شديدة التطرف.

ومما يصعب مهمة الاحتلال في وأد الانتفاضة عدم وجود هياكل للعمل المقاوم يستطيع ضربها، وهو ما يعبر عنه سياسيون وعسكريون صهاينة بقولهم "لا يوجد عنوان للانتقام وتدفيع الثمن"؛ خلافا لما كان عليه الحال في الانتفاضتين والحروب مع غزة ولبنان التي اعتمد فيها جيش الاحتلال إستراتيجية الردع و"كي الوعي" وما سماه "عقيدة الضاحية" إشارة إلى الدمار الواسع الذي أحدثه في الضاحية الجنوبية لبيروت في عدوانه عام 2006.

وحتى عقاب عائلات منفذي العمليات لم يشكل ردعا للمقاومين؛ إذ طور المجتمع ردا عليه وهو تمويل إعادة البناء، كما أن له كلفة مرتفعة على صورة الاحتلال دوليا، فعائلات المنفذين يعدون أبرياء ولا تجوز معاقبتهم على أفعال أبنائهم.

ومما صعب على قيادة السلطة وأد التظاهرات أن موضوعي انتهاكات المستوطنين وتقسيم الأقصى يعدان موضوعي إجماع داخل الشعب الفلسطيني بكافة فصائله.

دلالات
هناك مجموعة من المؤشرات الدالة في سياق الحراك الحالي من الضروري التوقف عندها.
- تشير وقائع الانتفاضة إلى نمو حس المبادرة لدى الأفراد وتجاوز حالة انتظار الفصائل، وهذا جزء من علاج "عقدة الانتظار" التي تمنع العمل والمبادرة عند طوائف من المسلمين (انتظار الإمام الغائب، انتظار المهدي، انتظار نزول عيسى عليه السلام، انتظار زوال إسرائيل عام ٢٠٢٢).

وظهر هذا الأمر بشكل واضح عند أفراد الفصائل الذين كانوا يبادرون إلى العمليات دون الترتيب مع تنظيماتهم.

وفي ظهور المبادرة إعادة للأمور إلى نصابها الطبيعي؛ إذ الهدف من العمل الجماعي تنسيق مبادرات وجهود الأفراد، وليس أن يتوقف الأفراد عن المبادرة ويكتفوا بانتظار الأوامر من قيادتهم.

- التوجه نحو نمط الفردية في العمل الجهادي، وهو ما يدلل عليه طغيان نمط العمليات الفردية، وهذا التغير لا ينفصل عن نمط التوجه نحو الفردية في العديد من مناحي الحياة لدى الشباب العربي في عصر ثورة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي و"تمكين الأفراد".

ومن الشواهد على هذا التطور تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي "غادي آيزنكوت" الذي قال فيه: لا نرى في الأحداث الحالية تشابها مع الانتفاضتين الأولى والثانية "لأننا لا نرى قيادة تقود الأحداث، فهناك نموذج جديد من الفلسطينيين يأخذون قراراتهم على عاتقهم بشكل فردي".

- حصول تغير فكري وثقافي لدى الجمهور الفلسطيني، وتآكل إستراتيجية إنتاج "الفلسطيني الجديد" التي تبنتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، من خلال جهود الجنرال كيث دايتون في بناء مؤسسات الأمن، وجهود رئيس الوزراء السابق سلام فياض في "بناء مؤسسات الدولة"، والتي تتماهى مع طرح السلام الاقتصادي المتمثل في ربط أقوات مئات آلاف الفلسطينيين بمؤسسات مرتبطة وجوديا بالاحتلال.

- أهمية دور شبكات التواصل الاجتماعي، وزيادة تأثيرها في المجال السياسي والاجتماعي، وكان من أبرز أدوارها في الانتفاضة "ترميز الشهداء" وتمجيد ما قاموا به، وهو ما كان له أثر بالغ في إلهام الكثير من "سكان العالم الافتراضي" ليحذوا حذوهم.

تشير وقائع الانتفاضة إلى نمو حس المبادرة لدى الأفراد وتجاوز حالة انتظار الفصائل، وهذا جزء من علاج "عقدة الانتظار" التي تمنع العمل والمبادرة عند طوائف من المسلمين (انتظار الإمام الغائب، انتظار المهدي، انتظار نزول عيسى عليه السلام، انتظار زوال إسرائيل عام ٢٠٢٢)

- الدور التعبوي الهام لوسائل الإعلام وعلى رأسها فضائيات الأقصى، القدس، فلسطين اليوم؛ إذ أشارت إحصائية حديثة لجهاز الشاباك الإسرائيلي إلى أن 95% من المنفذين هم من صغار السن الذين تأثروا "بالتحريض" من التلفاز.

مؤشرات المستقبل
إن العامل الأساس في العمليات هو الرأي العام وهو ذو طبيعة ثقافية فكرية قائمة على التقييم الشعبي لمسيرة النضال الفلسطيني، وتغيره لا يمكن أن يتم في وقت قصير-ومن المتوقع أن يبذل الاحتلال جهودا كبيرة في هذا المجال- ولذلك فإن تقديرات الاحتلال الأمنية لا تتوقع توقفا قريبا للعمليات الفردية.
وهذا المتغير مرتبط بمجموعة من المدخلات التي تؤثر فيه وعلى رأسها:

1- مستوى اعتداءات الاحتلال والمستوطنين في القدس والمسجد الأقصى.

2- استمرار الجمود في مساري التسوية والمقاومة المسلحة؛ إذ أن تحرك مسار التسوية سيؤثر سلبا على العمليات الفردية، كما سيزيد من قدرة السلطة على قمع التظاهرات، أما تحرك المقاومة المسلحة فقد يستقطب قطاعا من الشباب نحوه، فيما يصعب التنبؤ بتأثيره على الحالة الجماهيرية.

3- الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في الضفة والقدس.

4- مستوى التوافق أو الصراع بين الفصائل، إذ أن أجواء التهدئة الفلسطينية الفلسطينية توفر بيئة مشجعة على العمل الجماهيري، والعكس بالعكس.

أسئلة عالقة
إن هذا التكيف الشعبي الذي أدخل سمات جديدة على النضال الفلسطيني يضع مفكري الشعب وقادته أمام تحد جديد يتعلق بالإجابة عن أسئلة هامة، منها كيف يمكن إدامة العمليات وتوظيفها كقوة دافعة للمشروع الوطني الفلسطيني؟ وكيف يستطيع العمل الجماعي المنظم التكيف وتجاوز التحديات التي دفعت الكثير من الشباب إلى تبني نمط العمل الفردي باعتباره أكثر فعالية؟

إن الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة ووضع إجاباتها موضع التنفيذ سيكون عاملا أساسيا في تحديد مسيرة المشروع الوطني الفلسطيني في قابل الأيام.

المصدر : الجزيرة

التعليقات