توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


مما يجمع عليه العلماء وتؤكده الأديان على اختلافها, أن النفس البشرية واحدة في طبيعتها عند خلقها، ويقر الجميع بأن تلك النفس يمكن "توطينها" على رفض أو قبول ممارسات عنف بعينها (كمنظومة العقوبات) بحيث تبدو صائبة بل وأخلاقية في نظر من وطنوا عليها، أو قبولها باعتبارها حتمية وطبيعية، كما الموت والحياة.

وكل المجتمعات البشرية مرت بحالات توطين للعنف بتبريره بمختلف الذرائع, حتى وصل الأمر حد إلباسه لبوسا دينيا، وقد عانى الغرب المسيحي قبلنا من عنف الكنيسة في مواجهة العلم والعلماء حد اتهامهم بالهرطقة وحرقهم، أما النساء فكن يتهمن بممارسة السحر إذا أبدين اهتماما علميا وحضورا شخصيا، حتى شاع في أوروبا خلال عصور الظلمات ما سمي بـ"حرق الساحرات".

وظلمة تلك العصور تتأتي حقيقة من كون الجموع البشرية المسحوقة كانت تؤيد ذلك الحرق, بل وتصطف الجماهير برجالها ونسائها وأطفالها لمشاهدته, وهو ذات ما تفعله داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) الآن، إذ تصور وتبث عمليات حرق أو قطع رؤوس من تتهمهم بذات التهم, وما فعلته من قبل "القاعدة" بتحويل المدرجات الرياضية إلى أمكنة عرض لقطع الرؤوس أو الرجم.

كل المجتمعات البشرية مرت بحالات توطين للعنف بتبريره بمختلف الذرائع, حتى وصل الأمر حد إلباسه لبوسا دينيا، وقد عانى الغرب المسيحي قبلنا من عنف الكنيسة في مواجهة العلم والعلماء بل واتهامهم بالهرطقة وحرقهم، أما النساء فكن يتهمن بممارسة السحر إذا أبدين اهتماما علميا

بيد أن أوروبا تحررت من ظلمتها بسلاسل ثورات ربيعها ضد ما كان يعرف بـ"التحالف غير المقدس بين الكنيسة والملوك"، ولأننا -بدورنا- في طور ثورات ربيعنا, يتوجب أن نتفهم حقيقة أن بلورة أهداف الثورات لا يأتي بمجرد قلب صفحة حكم, بل يلزمه إيمان الشعوب بمبادئ تلك الثورة وصيانتها, وإلا تصبح "الثورة" مجرد "انقلاب" على الحكم يفتح الباب أمام إعادة الانقلاب.

ونجاح الثورات الأوروبية هو في تثبيت أجيال لمبادئها في دساتير وقوانين حاكمة تضمن حقوق المواطن والإنسان عموما, ولهذا نجد أن الحركات والأحزاب المناوئة لحقوق المهاجرين تلقى مقاومة من الشعوب بدءا بتسمية تلك الحركات والأحزاب باليمين "المتطرف".

والواقع أن هذه المقاومة -وإن ضعفت قليلا- ما تزال قائمة، رغم أن أوروبا تواجه "تهديدا حياتيا" بالمعنى الحرفي للكلمة, إذ يتساقط القتلى الأبرياء من مواطنيها في عمليات قتل جماعي ينفذ أغلبها انتحاريون من أصول غير أوروبية، ومع ذلك نجد مقاومة شعبية لقانون نزع الجنسية، والأهم أن لا طرح ابتداء لإعادة حكم الإعدام, رغم أن الموقوفين لجرائم قتل جماعي كانوا انتحاريين, أي كانوا حكموا على أنفسهم بالموت مع أكبر عدد ممكن من ضحاياهم العشوائيين.. بل ونسمع إصرارا على عدم تعذيب الموقوفين للحصول على اعترافات تؤدي لما هو أكثر من مجرد تنفيذ مجازر مماثلة.

بل واللافت أن الرأي العام في أوروبا ما زال منقسما تجاه اتهام عالمنا العربي الإسلامي بتصدير ثقافة العنف، وأغلب من يؤيد هذا الاتهام ينسبه لقوى متطرفة يقول إنها "لا تمثل الإسلام حقيقة", مقابل شبه إجماع على كون المتسبب بثقافة العنف هو الأنظمة القمعية الفاسدة.

ما لا يدركه هؤلاء هو درجة توطن العنف في مجتمعاتنا, لا نقصد فقط العنف السياسي، بل العنف الاجتماعي أيضا الذي ما زال يجري غض الطرف عنه بزعم كونه من "خصوصية" مجتمعاتنا العربية وأنه من "تقاليدنا" بل ومن "ديننا"! وتتلقف الأنظمة هذا الزعم بترحاب لتبرر بطء أو غياب الإصلاح في منظومة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة, وتعطي المنابر, بل وتضع في مواقع القرار المفترض أن يشغلها ممثلون للشعب منتخبون عنه, من يهاجمون أي إصلاح "حقوقي" بذريعة أنه تدخل "غربي" في تلك الخصوصية.

وهذا بالذات ما شهدناه في "مجلس نوابنا", إذ جرى حشد سهل لرفض قانون "حماية الأسرة" المعدل بما يُلزم مقدمي الخدمات الطبية والاجتماعية والتربوية, بالتبليغ عن حالات الإساءة للأطفال والنساء التي تمر عليهم تحت طائلة العقوبة بغرامة, وتلك إحدى أهم التوصيات التي خرجت بها ورشة عمل وطنية عن "الإساءة للطفل" بادرتُ لعقدها بجهد ناد نسائي عام 1984، ولم يؤخذ بأي من توصياتها.

إن نجاح الثورات الأوروبية هو في تثبيت أجيال لمبادئها في دساتير وقوانين حاكمة تضمن حقوق المواطن والإنسان عموما, ولهذا نجد أن الحركات والأحزاب المناوئة لحقوق المهاجرين تلقى مقاومة من الشعوب بدءا بتسمية تلك الحركات والأحزاب باليمين "المتطرف"

وتقول الإحصاءات الآن إن معدل حالات العنف الأسري "المسجلة" في الأعوام من 1997إلى 2015 تصل نحو1800 حالة سنويا, مع ارتفاع في ذلك المعدل بحيث وصل في العام 2011 إلى 4 آلاف حالة، نصف ضحاياها من الأطفال والنصف الثاني من النساء. ومع ذلك قفز الرافضون للقانون لكيل تهم التدخل الغربي في مجتمعاتنا "لتفكيكها والسيطرة عليها", وبزعم عدم جدوى قوانين كهذه، كون القضايا التي كشفت أو بُلغ عنها أحيلت كلها للمدعي العام، وهو ما اعتبره هؤلاء "فتكا بالخصوصية الأسرية العربية والمسلمة"! علما بأنه لا يحال للمدعي العام إلا ما يرقى لجريمة حق عام ويوجب عقوبة منفصلة باسم المجتمع, وليس فقط الحق الشخصي للمعتدى عليه.

ولكي أبين ما تعنيه حالات العنف هذه, سأعود لوثائق ورشة العمل تلك, ولورشة عمل أخرى عقدناها بجهد ذات النادي بداية عام 1989 (أي قبل انتفاضة أبريل/نيسان 1989), وتناولت ما يسمى "جرائم الشرف"، ومن بين ما بيناه أن الإسلام لا يجيز القتل الجاري باسم الشرف, بدلالة إباحة "اللعان" بين الزوجين, ولأن الحكم في كل التهم المماثلة في الإسلام من سلطة "القاضي" وليس الزوج أو الأب أو الأخ.

ولكن الأهم الذي بيناه في الورشتين بوثائق وشهود أطباء وقانونيين وتربويين, والذي يكمن وراء رفض دور القضاء, هو-للأسف- طبيعة أغلب جرائم العنف التي يتعرض لها الأطفال والنساء، فغالبية جرائم الشرف كانت قتلا (يورط فيه أخ قاصر في الأغلب للتخفيف من حكمه) للتغطية على جرائم اغتصاب مكررة من محارم, للتستر على ثبوت جرمهم بحمل الضحية إن كانت أنثى، والكشف الطبي على الضحية القتيلة أو المنتحرة (كثيرا ما تدفع الأنثى للانتحار لضمان تبرئة تامة لقاتليها), يعتبر دليلا على انحرافها ومبررا لوقوع "جريمة الشرف", بل وحصول القاتل على إشادة مجتمعية لأن شرفه غسل بدم القتيلة!

الواقع أن جريمة كهذه لا تطال الإناث فقط, فقد ثبت أن ما دفع سيدة قتلت أبناءها وبناتها ثم انتحرت, هو اعتداء زوجها على أبنائه وبناته، ولكن حين يكون الضحايا من الذكور لا تتكشف الجريمة بحقهم بشكل دائم, ولا يجري تقصي أو متابعة وجود اعتداء من هذا النوع في حالات انتحار شبان وفتيان, لأن إعلانه سيمس شرف العائلة بغض النظر عمن تسبب به.

ولكن الأسوأ يكون حين يتم إنكار الاعتداء، حيث يتكاتف النافذون في العائلة الأوسع من أجل التغطية على الأمر بالحجة ذاتها (حماية خصوصية العائلة)، وهو ما يسهل من تحولها لسلاح حربي صعد من العنف المتبادل في منطقتنا بدرجة غير مسبوقة، هذا في وقت يجري الحديث فيه فقط عن كون مؤسسي "داعش" من خريجي المعتقلات الأميركية في العراق وغوانتانامو والسجون العربية التي استأجرتها أميركا كي لا تحاسب على ما جرى فيها.

ما لا يدركه كثيرون هؤلاء هو درجة توطن العنف في مجتمعاتنا.. لا نقصد فقط العنف السياسي، بل أيضا العنف الاجتماعي الذي ما زال يجري غض الطرف عنه بزعم كونه من "خصوصية" مجتمعاتنا العربية وأنه من "تقاليدنا" بل ومن "ديننا"!

ولكن ما الفرق بين جرم منفذي تفجيرات تحصد أبرياء بينهم أطفال, وبين جرم أبوين قتلا طفلتهما ذات السنتين وبضعة شهور نتيجة الضرب المكرر الذي غطت آثاره أغلب جسدها وأدى لنزيف داخلي، مع تجويع وجفاف, ولم تنقل للمستشفى إلا بعد أن فارقت الحياه؟ وما الفرق بين أب رفض تسليم ابنتيه اليافعتين لحضانة أمهما المتزوجة من رجل آخر, وانتهت سلسلة عنفه تجاههما بحرقهما حيتين, وبين من حرقوا الطيار الأردني معاذ الكساسبة؟ أليس هؤلاء "الآباء" أشد جرما؟

إن جرائم كهذه تقودنا لحقيقة أن "الخلايا النائمة" لا تتشكل فقط من معتنقين للدين متشددين في مواقفهم وآرائهم، بل من آخرين هم نتاج بيئات توطن فيها العنف, ولا اعتبار فيها ولا حتى اعتراف بالحقوق من أية سلطة, بدءا من الأب وذكور الأسرة المتنمرين، وانتهاء بكل من يملك سلطة فيفرض قوانينه التي لا تجيز محاسبته، وهو ما يؤدي للتطبيع مع مختلف أشكال العنف, حيث لا فرق بين الضحية والجلاد, إذ يصبح خلاص الضحية المتاح في أن يصبح من الجلادين.

وهذا ما توفره التنظيمات المتطرفة للطرفين, وتضمن -زيادة عليه- فوائد مالية سخية لمن يحتاجها, مع ثبوت أن الحاجة المالية ليست السبب الرئيسي بل الحاجة النفسية.. كالرد بعنف, أو حيازة نساء بأعداد كبيرة -في سن فورة الهرمونات- وصولا للسماح ببعض الانحرافات كالاغتصاب والتعذيب والقتل بزعم كونها مباحة شرعا، لاستهدافها "أعداء الدين" ونساءهم السبايا.

وتلك نتائج وخلاصات مؤيدة بشهادة أطباء نفسيين يؤكدون أن المرء إن تجاوز ما يسمونه "عتبة العنف", يمكن أن يتصاعد عنفه ويتوالى بسرعة، الشيء الذي يفسر تحول من كنا نعتبرهم أهلا أو جيرانا وأصدقاء ثقة, لما هو أشد وأخطر من الوحوش الضارية.. حتما ليس فقط بفعل واعظ ممن يجندون المتطرفين, بل لأن المجندين كائنات هشة دُفعت عبر عتبة العنف.. فكيف بمن كسر العنفُ عتبة بيته وأسرته التي يفترض تكون مصدر الأمان وملاذ القيم الإنسانية الأول والأخير؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك