مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


يتجه المشهد السوري إلى وضع معقد مع عبوره قبل أيام للذكرى الخامسة لاندلاع الثورة، ورغم النزيف والتضحيات الكبيرة، فإن شراسة الانحياز العالمي ضدها لم تتغيّر، وهي شراسة غطّت ودعمت أفعالا إرهابية ضخمة، وتحريضا طائفيا غير مسبوق.

وهو تحريض متأصل عندما يتعلق الأمر بميلشيات إيران الطائفية، وظرفي من خلال استدعاء توحش داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) الذي استُثمر بفعالية قصوى ضد الثورة وشعبها، واستُغلت لافتة الحرب عليه لتحقيق المشاريع المركزية الدولية المناوئة للشرق المسلم.

ورغم أننا نعيش مرحلة وقف إطلاق النار -وإن وجدت اختراقات شاملة- وأجواء استئناف مفاوضات جنيف، في مرحلة صفقة مؤكدة بين واشنطن وموسكو، وغامضة في شراكة كل الأطراف المتبقية، كثوار ونظام، وكشركاء إقليميين -بمن فيهم إيران- وإن كانت شراكتها ثابته في تموضعها الجديد في المنطقة.

إن تجميع الثوار تحت قيادة عسكرية موحدة، سيُحقق استثمارا أكبر وأذكى يخترق الصفقة الدولية، ويرعى مسارا سلميا أهليا أقوى في المدن السورية، لو بدأت رحلة جديدة لجمهورية ما بعد الثورة، وهو في صالح أنقرة إستراتيجيا.. وأجواء علاقتها الحالية مع الرياض قد تعزز هذا النوع من المبادرات

لكن هذه الشراكة الإيرانية، حُيدت عن الطاولة الرئيسية المركزية لإقرار قواعد اللعبة الكبرى في حل سياسي انتقالي يقتضي تصفية الثورة السورية وإسقاط الأسد كشخص مع بعض أركانه، أو استثمار هذه المرحلة لتحقيق تقدم نوعي للوجود الروسي الذي لا يبدو أن انسحابه المزعوم غيّر من وضعية تقدمه، تحت علم النظام أو الميلشيات.

تناقضات واسعة تقدمها رسائل الميدان العسكري والسياسي، وربما يُشكل واقعها سمة واضحة لنتائج قد تنتهي إليها هذه الزاوية أو تلك من رقعة الشطرنج المضطربة، لكن المؤكد أن كل ما يقال عن أن الرؤية الدولية قررت أو هي قادرة على وضع حد للمشهد السوري -مهما كانت تكلفة التصفية النهائية- حديث لا يجزم به أبدا.

الرسائل المتبادلة بين واشنطن وموسكو والمتضمنة لهذه الرؤية واضحة تماما، مثلها مثل الرسائل العملية التي بعثها الكرملين للنظام وإيران والمتعلقة بأن نهاية المشهد ستوقع عبر مصالحه لا أمانيهم، أو رسائل واشنطن للخليج العربي، أن عليهم القبول بقواعد اقتسام النفوذ مع إيران، ولكن كل تلك القوى لا تملك تحقيق مضامين هذه الرسائل على الأرض، فانهيار أي زاوية راهنوا عليها من الميدان، سيبقى أمرا محتملا.

وتراهن المعارضة السورية في ظل اضطرار سياسي مع إبقاء قوة الميدان، على اختراق هذه الترويكة المضطربة لتحقيق توافقات للخروج بسوريا من حروب الوكالات التي ضغطت عليها، وخنقت الشعب بأخطاء منها عدم وحدة الميدان، والعقيدة القتالية، ومن خلال تدخل رسمي وتيار ديني من الخليج العربي، ساهم في تأثيرات العدوان الدولي الإقليمي وكل فصوله التآمرية.

فهل ستنجح الثورة السياسية بعد حضور وتفاعل أكبر للميدان وانسجام جديد بين خطوطه السياسية والعسكرية، رغم بقاء التعدد الفصائلي، هذا وارد لكنه صعب للغاية، والمراهنة النهائية عليه وحده خطأ، كما أن حق المضي فيه مع الحذر الشديد خيار مقبول للغاية، في ظل هذا التفتت الشامل لمستقبل سوريا.

إن الانسجام الميداني الفعال الواقع مؤخرا بين فصائل الجيش السوري الحر، والفصائل الإسلامية الأخرى القريبة من مفاهيم أهل السنة في الشام، يُعزز قوة القرار ولكنه ليس بديلا عن مشروع وحدة قيادية لا يُعرف أين وصلت المشاورات بشأنه في أنقرة، بعد أن أعلن عنها مؤخرا، لكن لا يبدو أنها انتهت إلى قرار تنفيذي للمجلس العسكري الموحد.

وهي مهمة تأخرت أنقرة كثيرا في دفعها للأمام، فتشرذم الميدان بسبب المال الشعبي العسكري من بعض التيارات أو تدخل بعض الأطراف العربية، مما فاقم الوضع إلى مستوى سيء للغاية، ومكّن داعش من تقوية نفوذها، وعزّز قدرات النظام وداعمه الروسي في حصد نتائج هذه الفوضى.

وكان بالإمكان أن يتقلص تأثيره، لو تمكنت أنقرة عبر دفع تنفيذي وسياسي من الوصول إلى غرفة العمليات والقيادة الموحدة، وفي ظني أن هذا الخيار لا يزال يتمتع بأهمية بالغة، حتى لو تحقق بداية انتقال سياسي رمزي في جنيف.

فتجميع الثوار تحت قيادة عسكرية موحدة، سيُحقق استثمارا أكبر وأذكى يخترق الصفقة الدولية، ويرعى مسارا سلميا أهليا أقوى في المدن السورية، لو بدأت رحلة جديدة لجمهورية ما بعد الثورة السورية، وهو في صالح أنقرة إستراتيجيا، وأجواء علاقتها الحالية مع الرياض قد تعزز هذا النوع من المبادرات.

إن قوة تماسك الثورة أمام المنعطف الحالي سيرشحها لقلب القاعدة، وانتظار انهيار مربعات شطرنج مختلفة بين النظام وداعش تملؤها الثورة بهدوء وثقة، لتعزيز قوتها التفاوضية، والبدء بمرحلة تحرير متدرج لسوريا، بعيدا عن نموذج التحرير الفوضوى كما جرى في ليبيا

وقواعد اللعبة هنا، تقوم على استثمار أي فراغ تحققه المعادلة الدولية الجديدة، بما في ذلك استثمارها تراجع داعش المتزايد، لكي يغطي الثوار لمصلحة شعبهم هذا الفراغ ويقوون جبهتهم، فيما استثمار فراغ داعش المتراجعة والمتوقع انهيارها في بعض المناطق، وانسحابها إلى العراق، لصالح النظام وإيران، سيخنق الثوار والشعب مجددا.

أي أنه بالإمكان تحويل واقع تفتت رقعة الشطرنج لصالح الثورة بتفكير سياسي وحراك ميداني ذكي، دفعا للعدوان ووقفا للحرب الشرسة، في نقطة توازن تفتح مشروعا سياسيا جديدا للثورة المحاصرة، ولا يعني ذلك مواصلة حرب تُنهي ما تبقى من مناطق وشعب الثورة، كما حصل لتجارب مرة في الشرق الإسلامي تحولت إلى محارق لا تدمع فيها عينٌ لمجلس الأمن. والحال أن أصدقاء الثورة يتخندقون حول مصالحهم وأمنهم، ولن يخاطر أحدهم بخطوة يصادم بها العالم الجديد.

فقاعدة الذكاء المتحرك، وتحشيد الموقف بين شركاء الثورة السياسيين والعسكريين، وبقاء الخطوط مفتوحة مع مفاوضات جنيف والمباحثات الإقليمية المختلفة يبدو اليوم الخيار الوحيد أمام الثوار لتحقيق مفصل إنقاذ شرعي ووطني، بعيدا عن أي كلام عاطفي تذروه الرياح.

وليس المقصود هنا تكرار أخطاء الماضي بالاعتماد على نصائح الأصدقاء الذين كشفوا ظهر الثورة مرارا، لكن المقصود هو حسن ضبط الموقف والميدان معا، والقبول بقاعدة التقدم التدريجي، والاستفادة من توحد عدد كبير من فرقاء الثورة في هيئة المفاوضات للبناء عليها.

وبالتالي فإن قوة تماسك الثورة أمام هذا المنعطف سيرشحها لقلب القاعدة، وانتظار انهيار مربعات شطرنج مختلفة، بين النظام وداعش تملؤها الثورة بهدوء وثقة، لتعزيز قوتها التفاوضية، والبدء بمرحلة تحرير متدرج لسوريا.

ومن المهم ألا يتوجه الثوار لتحرير فوضوي يكرر المشهد الليبي، وخاصة أن سوريا بجوار الدولة الاحتلالية المدللة الأولى عالميا، فحينها ستُفتح عليها مجددا هولوكوست مذابح، حتى تفنى أي روح وقدرة لدولة متماسكة تنافس إيران أو إسرائيل أو المشروع الدولي بين الغرب وموسكو.

والذكاء هنا ليس في هتافات الحرب، ولا معلقات التخوين، ولا الخضوع لابتزاز عاطفي للغلاة من داعش أو النصرة، ووكلائهم في ثياب وعاظ تشدد تدفعهم أجهزة، بل بتثبيت قواعدك في رقعة الشطرنج حتى مع أصدقائك، عبر نظرية الدعم للخطة المركزية، لا الميدان المفتت. وقوة التدرج هي التي ستحسم في آخر اللعبة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك