عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


لعل الكثير من الناس يذكرون روبرت ماكنامارا، باعتباره الشخص الذي ارتسمت صورته بحرب فيتنام على مدى سبعة أعوام، ولاريب أن الباحثين في الاقتصاد السياسي يعرفون بدورهم ماكنامارا باعتباره أحد رواد نظرية الإنفاق العسكري ومناهجه.

وحتى وقتنا هذا، فإن مناهج التحليل التي طرحها ماكنامارا، تمثل أهم مرجعية يستند إليها دارسو الإنفاق الدفاعي، وقد أصبحت جزءا من مناهج البحث العلمي الإستراتيجي المعتمدة على صعيد عالمي. على المستوى الشخصي، لم تقع يدي طوال كل السنين الماضية على كتاب خاص بالإنفاق العسكري لم يرتكز لهذه المناهج كليا أو جزئيا.

ومن ناحيتهم، يعرف دارسو الدفاع ماكنامارا باعتباره أحد أبرز خبراء التسلح النووي وموقعه من نظرية العلاقات الدولية.

بعض هذه الأمور ربما أصبحت الآن معروفة لدى الرأي العام عن ماكنامارا، الذي كان في الأصل خبيرا في تحليل النظم والتحليل الإحصائي العام، قبل أن يصبح رئيسا لشركة فورد لفترة وجيزة، ثم وزيرا للدفاع على مدى سبعة أعوام.

إن بعضا من إستراتيجيات الحرب الراهنة المعتمدة من قبل الولايات المتحدة، قد وضعت لبناتها الأساسية أو الأهم في عهد ماكنامارا، ومن قِبله شخصيا، ويشمل ذلك سياسة الارتكاز للفرق الخاصة، وإرسال المستشارين العسكريين إلى مسارح العمليات الخارجية، وتنفيذ الضربات الخاطفة، والتسليح المكثف للحلفاء الإقليميين

وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره، فإن البُعد الأكثر بروزا في المسار الفكري لماكنامارا يكمن في مكان آخر.

إن الكثير مما هو قائم اليوم في الولايات المتحدة على صعيد البنى العسكرية يعود لسنوات ماكنامارا، وقد شمل هذا بالذات تأسيس أهم القيادات على المستويين الإستراتيجي والتكتيكي، واستحداث العديد من أنظمة الإدارة والتخطيط والمالية العسكرية.

وما هو أبعد من ذلك، فإن بعضا من إستراتيجيات الحرب الراهنة المعتمدة من قبل الولايات المتحدة، قد وضعت لبناتها الأساسية أو الأهم في عهد ماكنامارا، ومن قِبله شخصيا، وقد شمل ذلك سياسة الارتكاز للفرق الخاصة، وإرسال المستشارين العسكريين إلى مسارح العمليات الخارجية، وتنفيذ الضربات الخاطفة، والتسليح المكثف للحلفاء الإقليميين.

هذه الأفكار شكلت بعد سنوات من استقالة ماكنامارا، لبنات الإستراتيجية التي تبنتها كليا الولايات المتحدة، وعبر عنها بداية مبدأ نيكسون (أو مبدأ غوام)، الذي عُرف أيضا بـ"الفتنمة"، وعنى الاعتماد على الحلفاء المحليين (أو الإقليميين)، وتجنب الانخراط العسكري المباشر.

كذلك، لم تبتعد عن جزء أساسي من هذه الأفكار إستراتيجية التدخل المباشر التي جسدها مبدأ كارتر، الصادر في يناير/كانون الثاني من العام 1980، على الرغم من كون هذا المبدأ يُعد نقيضا تاما لمبدأ نيكسون، في مدلوله الإستراتيجي، وتطبيقاته العملية.

إن فلسفة تشكيل قيادات عسكرية جديدة لمناطق مختلفة حول العالم، وزيادة تسليح الحلفاء، قد جرى تطبيقها من قبل إدارتي كارتر وريغان، وقد ارتكزت -على نحو ملحوظ- على الخيارات التي قال بها ماكنامارا في الستينيات.

واليوم، مازال مبدأ كارتر يُمثل الدليل النظري لسياسة الولايات المتحدة في عدد من مناطق العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط وغالبية آسيا، الباسيفيك.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ماكنامارا كان في الأصل مسؤولا عن أحد أكبر أشكال الانخراط العسكري الأميركي في التاريخ، مجسدا بحرب فيتنام، وبعد ثلاثين سنة، أصدر ماكنامارا كتابه الشهير "نظرة إلى الوراء"، انتقد فيه هذه الحرب، وخاصة فلسفة الانخراط العسكري الواسع.

إن جوهر الفكرة البديلة التي بلورها ماكنامارا هي على النحو التالي: هناك مناطق في العالم تنطوي على قيمة جيوسياسية ثابتة، ومصالح أكيدة للأمن القومي الأميركي، بيد أن مقتضيات هذا الأمن تتطلب، في الوقت ذاته، تجنب أي انخراط عسكري كبير أو مباشر في هذه المناطق (أو الأحداث)، ومن هنا، تأتي أهمية البحث عن خيارات حذرة، تقع بين قطبي الحرب والانكفاء.

هذه الفلسفة تحديدا، هي التي اعتمدها الرئيس باراك أوباما في إدارتيه الأولى والثانية، وقد طبقها في الصومال وسوريا والعراق.

لاحظوا مسار التطوّرات وفق هذه الفلسفة.
في الصومال، عارضت إدارة أوباما أية فكرة لإرسال قوات برية، أو التوّرط في أشكال أخرى من التدخل الذي يُمكن ترجمته على أنه حرب أميركية جديدة هناك.

في المقابل، دعمت وجود القوة الأفريقية المشتركة، وساهمت في تدريبها في دول أفريقية مختلفة، كما دربت القوى الأمنية الصومالية، وساهمت في تسليحها وتمويلها، وتمويل الحكومة الصومالية عامة.

وعلى مستوى الدور المباشر، أقامت الولايات المتحدة مراكز قيادة واتصال في كل من جيبوتي وكينيا، تنفذ من خلالها ضربات جوية خاطفة، وعمليات خاصة على الأرض، ومهام أمنية مختلفة.

في سوريا هناك "فتنمة" متدثرة، وتلك أولى التمايزات عن الحالة الصومالية. ويعود ذلك ربما إلى قناعة الرئيس أوباما وخشيته من مضاعفات غير محسوبة، ناجمة عن تعقيدات الوضع السوري ذاته. وكان العديد من الخبراء الأميركيين قد نصحوا -منذ سنوات- بتجنب أي فتنمة للأزمة السورية

كذلك، تضطلع القوة العسكرية الأميركية بأدوار خاصة ومشتركة في جهود مواجهة القرصنة البحرية على سواحل الصومال وأجزاء أخرى من المحيط الهندي، وتتولى قيادة الأسطول الخامس تنسيق هذه الجهود بالتعاون مع عدد كبير من الدول.

خلاصة الأمر أن السياسة الأميركية الراهنة في الصومال هي، على المستوى الفلسفي، خليط من الفتنمة والانخراط الحذر، إنها الوصفة التي قال ماكنامارا بها في خلاصة تجربته.

في سوريا، لا تختلف السياسة الأميركية، من حيث الجوهر، عن تلك المعتمدة في الصومال، ورغم ذلك فإن القضايا التي تواجه الإدارة الأميركية في الأزمة السورية تفوق في تعقيداتها التحديات الماثلة في حالة الصومال.

في سوريا هناك فتنمة متدثرة، وتلك أولى التمايزات عن الحالة الصومالية. ولعل ذلك يعود إلى قناعة الرئيس أوباما شخصيا، حيث عبر مرارا عن خشيته من مضاعفات غير محسوبة، ناجمة عن تعقيدات الوضع السوري ذاته. وكان العديد من الخبراء الأميركيين قد نصحوا -منذ سنوات- بتجنب أي فتنمة للأزمة السورية.

وفيما يرتبط بالشق الآخر من المقاربة، أي الانخراط الحذر، تمكنت الإدارة الأميركية من إعطاء سياستها بُعدا عاما، تمثل في قيادة ائتلاف دولي من الطيران الحربي لضرب قواعد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، كما العراق.

والآن، تستطيع إدارة أوباما القول بأن إعلان روسيا البدء بسحب قواتها من قواعدها في سوريا يُمثل نجاحا للدبلوماسية التي تبتعد عن النهج الأحادي والمغامرات العسكرية.

على صعيد مقاربتها للحدث العراقي، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام حالة تكاد تكون فريدة من نوعها في تجارب الانخراط الأميركي في الشؤون الدولية، فهي قد قررت انسحابا بعد حرب حشدت لأجلها عددا متعاظما من القوات، ودون أن تكون هناك ترتيبات لاحقة على الأرض.

وفي الوقت ذاته، كان هناك عدد من الاتفاقات التي أسست مبدئيا لتحالف إستراتيجي. وبين هذا وذاك، كان العراق في حالة بناء أولي لقدراته الجديدة، في ظل تحديات داخلية بدت متعاظمة.

في سياق هذه المعادلة، واتساقا معها، وفي ضوء التداعيات الإقليمية الجلية لانفجار الساحة العراقية، عادت الإدارة الأميركية لبناء خياراتها الأمنية.

وهنا، اعتمد قدر يسير (أو افتراضي) من الفتنمة، متمثلا في الائتلاف الجوي الدولي، وتقرر-في الوقت نفسه- تبني منظومة خيارات من الانخراط الحذر، بما في ذلك إرسال المزيد من المستشارين العسكريين، وبعض القوات الخاصة (وإن بمسميات حذرة)، وزيادة برامج تدريب وتسليح القوى الأمنية العراقية.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المقاربة الأميركية في العراق ما تزال -وفق عدد من المحللين الأميركيين- أقل مما يُمكن وصفه بنصف الخطوة. ويطالب هؤلاء، على وجه التحديد، بتزويد العراق بالتكنولوجيا العسكرية التي يحتاجها لحفظ أمنه، وخاصة الطائرات الحربية الحديثة، والمروحيات الهجومية، ومنظومات الاستطلاع. ويُمكن للمرء العثور على الكثير من هذه الدعوات منذ بدايات العقد الراهن.

وأيا يكن الأمر، فالثابت في المقاربة التي نحن بصددها هو أننا بصدد إعادة إنتاج للعديد من الأفكار التي طرحها ماكنامارا في ستينيات القرن العشرين، لكن القليل فقط هم الذين يدركون ارتباطها به، أو عودتها إليه.

والسؤال بعد ذلك هو أي مستقبل لفلسفة نصف الخطوة هذه؟ نحن هنا أمام ما يشبه الرسم البياني على لوحة جيوسياسية كبيرة حدودها العالم بأسره.

في المناطق التي تبدو فيها المصلحة الجيوسياسية أكيدة، لكنها أقل ارتباطا بالأمن القومي الأميركي، فإن سياسة نصف الخطوة تبدو هي الأصل في الخيارات الأميركية. وينطبق هذا على الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الانسحاب من العراق، وينطبق بصورة أكبر على القرن الأفريقي

في المناطق التي تبدو فيها المصلحة الجيوسياسية أكيدة، لكنها أقل ارتباطا بالأمن القومي الأميركي، فإن سياسة نصف الخطوة تبدو هي الأصل في الخيارات الأميركية. وهذا ينطبق على الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد الانسحاب من العراق، وينطبق بصورة أكبر على القرن الأفريقي.

في المقابل، تغيب هذه السياسة عن مناطق مثل آسيا الباسفيك، حيث يبدو التنافس الأميركي الصيني على أوجه في هذه الحقبة التي جرى تسميتها بحقبة آسيا في سلم السياسة الخارجية الأميركية.

إن هذه السياسة غير قائمة فيما يرتبط بالتحدي الكوري الشمالي، وبدعم كوريا الجنوبية واليابان، بل إن ما ذهبت إليه إدارة أوباما في دعمها للحلفاء الآسيويين يُمثل تطورا غير مسبوق في السياسة الأميركية منذ الحرب الكورية، وقد وصل إلى حد الاستعداد لمد مظلة نووية على اليابان، وربما أستراليا، إن تطلب الأمر ذلك.

هذا التباين في الخيارات هو تباين جيوسياسي، ويشير إلى رسم جديد للوحة المصالح والتهديدات على مستوى كوني.

إن دولا كالصومال تبقى حيوية في المقاربة الكلية للأمن القومي الأميركي، إلا أن الذهاب بعيدا في الانخراط في قضاياها قد ينعكس سلبا على هذا الأمن، وهكذا الحال بالنسبة لبلدان أخرى حول العالم. وهذه هي أصل الفلسفة.

إن الأخذ بفلسفة نصف الخطوة سوف يتواصل على الأرجح في حال فاز الديموقراطيون في الانتخابات الرئاسية القادمة، وعلى دول المنطقة أن تستعد للتعامل معها على مدى بعيد.

وفي الأحوال كافة، ليس ثمة ما يبرر الدعوة لتورط أميركي غير محسوب في شؤون المنطقة. وبالنسبة للولايات المتحدة نفسها، فإن هذه الفلسفة ربما بدت رؤية متوازنة لمقاربة أمنها القومي في سياق كوني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك