محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون


النظام والبرنامج
المقاومة والحكم
التفرد والشراكة
الانكفاء والانفتاح

عاشت غزة عشر سنوات تحت حصار مطبق وعدوان عسكري متكرر خلّفا معاناة متفاقمة، عقوبة لها بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية 2006، حيث كانت سنوات حكمها مخاضا لرواية جديدة لحركة تحرر وطني تعيش تجربة حكم تحت حراب الاحتلال.

ومن هنا كانت تجربة حماس في الحكم استثنائية، وتحتاج إلى دراسة عميقة في كافة تفاصيلها ومآلاتها، ليس على أساس تقييم أو محاكمة، وإنما ضمن محاولة تأصيلية لطبيعة ومنهجية إدارة الحكم السياسية في ظل المعوقات الذاتية والموضوعية.

يمكن النظر إلى حكم حماس السياسي من أبعاد ثلاثة:
- الشعب الفلسطيني وإرادته وطموحه والتي مثلت حاضنة شعبية مهمة لهذه التجربة في تحولاتها الصعبة.
- أهداف حركة حماس من الحكم والمشاركة السياسية عموما.
- المطلوب من حماس تحقيقه من خلال المشاركة السياسية كنظام حكم وليس كحركة.

يمكن القول إن حماس لم تمتلك إستراتيجية واضحة لإنزال برنامجها في التغيير والإصلاح على النظام السياسي الفلسطيني المعروف أصلا بِعلاته، ولم تكن موفقة في تقدير حجم التكاليف المحتملة، وحجم الخصومة والعداء الذين ستواجههما، كما لم تنجح في تقدير حجم المعاناة التي سيتعرض لها الشعب الفلسطيني بسبب ذلك

بالتأكيد مرت تجربة حكم حماس بمجموعة من المراحل المفصلية والمتداخلة مع ذاتها وواقعها، وكانت المحطات السياسية التي عايشتها خلال حكمها بينة وفارقة، بدءا من مرحلة تشكيل كتلة التغيير والإصلاح ووضع برنامجها الانتخابي، ثم مرحلة الحكومة العاشرة وتشكيلها بشكل منفرد، مرورا بمرحلة ما بعد الحكومة العاشرة وصولا إلى اتفاق مكة، والتي كانت أخطر المراحل التي واجهت فيها التجربة السياسية لحماس حملة من "الإشغال" الأمني الداخلي، مما تسبب بصورة متراكمة ومتدرجة بتدحرج كرة النار إلى مرحلة الحسم الميداني والسيطرة المنفردة على القطاع، ومن ثم مواجهة الحصار والدفاع عن غزة في أربع جولات عدوانية غير مسبوقة في تاريخ الشعب الفلسطيني.

ويرفض العديد من الخبراء والنقاد أن توصف تلك الفترة بفترة حكم حماس، على اعتبار أن حماس لم تُمنح الفرصة للحكم، بل كانت تلك الفترة فترة إدارة أزمات وكوارث وصراعات سياسية واقتصادية واجتماعية وحربية، وهي كوارث لو واجهتها دول بكامل قدراتها وقوتها لاستنزفتها أشد الاستنزاف في زمن قياسي يتسبب في إسقاطها.

حقا إن تجربة حماس السياسية جديرة وخليقة أن تدرس بعمق للخروج بنظريات وإستراتيجيات إبداعية للخروج من الأزمات أو على الأقل تقليل آثارها، وهذا ما سنحاول التعمق فيه لاحقا، لكنني آثرت أن نبدأ بمناقشة بعض جدليات حكم حماس السياسي.

النظام والبرنامج
النظام السياسي الفلسطيني لم يكتمل بعد باتجاه بناء مؤسسي حقيقي للدولة، وعلاقته بالاحتلال والقوى الدولية انطلاقا من الاتفاقيات الموقعة والتزامات منظمة التحرير، شكلت منطلقا مربكا لموقف حماس من النظام الفلسطيني بمؤسساته وفلسفته القائمة، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية 2006 ثم محاولات إفشالها داخليا وخارجيا، ومن هنا بدأت المشكلة بالتناقض بين برنامج حماس والنظام السياسي الذي قامت السلطة على أساسه، وكذلك المعوقات التي واجهت التجربة.

يمكن القول هنا إن حماس لم تمتلك إستراتيجية واضحة لإنزال برنامجها في التغيير والإصلاح على النظام السياسي الفلسطيني المعروف أصلا بِعلاته، ولم تكن موفقة في تقدير حجم التكاليف المحتملة، وحجم الخصومة والعداء الذين ستواجههما، كما لم تنجح في تقدير حجم المعاناة التي سيتعرض لها الشعب الفلسطيني بسبب ذلك، ومستوى القدرة على إجراء تغيرات في النظام ليتلاءم معها أو يسعها في بنيته المؤسسية.

إن حكم حماس كشف عن الخلل الحاصل في النظام السياسي الفلسطيني سواء على صعيد البنية أم على صعيد الفلسفة، وأثبت أن رفع سقف المطالب الفلسطينية من داخل السلطة الفلسطينية ليس مرهونا بالموافقة الإسرائيلية والأميركية، وأعاد شيئا من الحيوية وتصويب المسار في مستوى الاهتمام بالقضية وخيارات تحقيق الأهداف الوطنية.

المقاومة والحكم
مثّلت جدلية الجمع بين المقاومة والحكم في برنامج حماس (يد تبني ويد تقاوم) إحدى معضلات الحكم، حيث وجدت حماس نفسها ملتزمة بإرادة الجماهير بتشكيل حكومة متفردة والعمل على نجاحها بامتلاك منهجية ومتطلبات العمل الحكومي في لحظة واحدة، مع تعارض ذلك مع المسار المقاوم للحركة ورمزيتها وأهدافها الإستراتيجية كحركة ذات مشروع تحرير.

مثّلت جدلية الجمع بين المقاومة والحكم في برنامج حماس إحدى معضلات الحكم، حيث وجدت حماس نفسها ملتزمة بإرادة الجماهير بتشكيل حكومة متفردة والعمل على نجاحها بامتلاك منهجية ومتطلبات العمل الحكومي في لحظة واحدة، مع تعارض ذلك مع المسار المقاوم للحركة

وقد أكدت حماس أكثر من مرة أنها تستطيع تجاوز هذا التناقض، وربما شكَّل ذلك ضغطا عليها، مما دفعها أحيانا لطرح خيارات بديلة من قبيل "الانسحاب الآمن"، وفي المقابل أثر برنامج المقاومة وخيارات حماس المتصلة به على قدرتها على المراوغة السياسية عبر حكومتها.

وقد حققت حماس في إطار فلسفتها في الجمع بين الحكم والمقاومة مكاسب إستراتيجية، فقدمت غطاء سياسيا للمقاومة وبرنامجها مع المحافظة على الثوابت والحقوق والتمسك بها.

والواقع أنه من الصعب تخيل الجمع بين المقاومة المسلحة والحكم الرشيد في ظل سلطة سقفها الاحتلال، ولذلك فإن على القوى الفلسطينية أن تعيد التفكير مليا في وضعية السلطة الفلسطينية ودورها وعلاقاتها ومحددات الإطار السياسي الذي يجب أن تدور في فلكه، مع إعادة إنتاج إستراتيجية للتوفيق بين متطلبات التخلص من الاحتلال ومستلزمات التنمية والبناء.

التفرد والشراكة
ظل سؤال الشراكة يؤرق حماس على أساس الديمقراطية التمثيلية وهي التي رفعت شعار "شركاء في الدم شركاء في القرار"، ولكنها واجهت فور فوزها معضلة رفض فتح تسليم مقاليد الحكم واللجوء إلى اعتماد الخيار الأميركي (الفوضى الخلاقة).

وقد واجهت حماس في هذه الفترة أخطارا ثلاثة في الوقت ذاته، يتعلق الأمر باعتقال الوزراء وأعضاء التشريعي من قبل الاحتلال، والإضراب العام في الوظيفة العمومية، وتصعيد وتيرة الفلتان الأمني ولكن بشكل سياسي، مما أدى إلى تطوره باتجاه اقتتال فلسطيني داخلي بين أبناء حماس وفتح.

وبغض النظر عن الأسباب ومن يتحمل وزرها إلا أن حماس عانت أثناء قيادتها للحكومة من تعامل الأطراف الفلسطينية معها، وكأنها خارج البيت الفلسطيني، ورغم محاولة الفصائل التمايز عن موقف حركتي فتح وحماس فإن أي مراجعة لطبيعة الحدث السياسي الفلسطيني توضح أن الفصائل الفلسطينية كانت أقرب بل وأحيانا متساوقة مع موقف حركة فتح أو على الأقل محاولة لاستغلال الظرف السياسي وتبيان عدم قدرة فتح أو حماس على قيادة المركب السياسي.

هذا الرفض الفتحاوي للشراكة أثر على منهجية حماس في الحكم، إذ تمت الاستعانة في هذه المرحلة بعدد من الموظفين المحسوبين تنظيميا على حماس لإدارة دفة العمل في الوزارات، وبالتالي لم يكن بالإمكان في هذه المرحلة الاستناد إلى الكفاءة والخبرة فقط، فالالتزام التنظيمي لعب دورا كذلك نتيجة لحساسية المرحلة وطبيعة المهام المناطة بالأشخاص الذين تم توظيفهم.

وقد استطاعت حماس أن تثبت أنها قادرة على حكم الشارع الفلسطيني، فمنذ سيطرتها على الحكم في قطاع غزة انتهت مظاهر الفلتان الأمني، وقد كان لسيطرة حماس على القطاع انعكاساته الإستراتيجية عليها في الضفة، حيث واجهت خطرا وجوديا على الصعيد الاجتماعي والسياسي والمؤسساتي ما زالت تعاني آثاره.

الانكفاء والانفتاح
منهجية المقاطعة والحصار وفرض الشروط كانت تريد دفع حماس نحو الانكفاء والتراجع، ولكنها على الرغم من ذلك حافظت -إلى حد ما- على علاقات دولية متوازنة حتى بين أطراف متناقضة مثل إيران والسعودية، كما لم تستجب لسياسة المحاور والاستقطاب الإقليمي والدولي، وذهبت أبعد من ذلك إلى مستوى التوسط في خلافات عربية.

عانت حماس أثناء قيادتها للحكومة من تعامل الأطراف الفلسطينية معها، وكأنها خارج البيت الفلسطيني، ورغم محاولة الفصائل التمايز عن موقف حركتي فتح وحماس فإن أي مراجعة لطبيعة الحدث السياسي الفلسطيني توضح أن الفصائل الفلسطينية كانت أقرب بل وأحيانا متساوقة مع موقف حركة فتح

ورغم المواقف الأميركية والأوروبية المتشبثة بما يعرف بشروط الرباعية فإن حماس أحدثت اختراقا نسبيا في الساحة الأوروبية وتقدما أكبر في العلاقة مع روسيا.

على صعيد العلاقة مع الإقليم العربي فلم تكن في أحسن أحوالها باستثناء عواصم معدودة، ومع ثورات الربيع استطاعت حماس أن تحدث اختراقا في العلاقات العربية الرسمية تجاه القضية الفلسطينية، واستطاعت أن تبني منظومة من العلاقات الخارجية على الرغم من بعض العقبات التي شابت هذه العلاقة في فترات متقطعة.

كما تمكنت من تحقيق اختراقات هامة على جبهات عدة بعضها يتعلق بدول أجنبية وطدت معها الحركة علاقات غير معلنة. وبالتأكيد واجه حكم حماس في علاقاته الخارجية عقبة جوهرية تتمثل في الفيتو الأميركي وشروط الرباعية المتصلبة.

ويحسب لحماس أيضا في هذه المرحلة إقامة شبكة علاقات كبيرة بمنظومات العمل غير الرسمي والجماهيري سواء على الصعيد العربي والإسلامي أم على الصعيد الدولي، ومما يشير إلى هذا الدور بشكله الساطع سفن فك الحصار وقوافل الإغاثة، والمظاهرات التي قادتها المؤسسات المدنية والحزبية الدولية تجاه مناصرة الشعب الفلسطيني في غزة.

إن تفحص معالم أداء حماس السياسي في الحكم تمنح المراقب والمحلل إشارات واضحة على أن حكم حماس استطاع أن يتجنب إشكالات رئيسية، واستطاع أن يثبت أنه ليس شرطا أن تترافق المقاومة مع الفلتان الأمني، وأنه يمكن -نسبيا- الجمع بين المقاومة والحكم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك