يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي


في الخامس والعشرين من شهر فبراير/شباط الماضي، قرر المغرب تعليق جميع اتصالاته الرسمية مع مختلف مرافق الاتحاد الأوروبي، بسبب حكم صادر عن محكمة العدل الأوروبية يقضي بإلغاء اتفاق لتجارة المواد الفلاحية بين المغرب والاتحاد، كان الطرفان قد وقعا عليه وبات ساري المفعول منذ شهر مارس/آذار من العام 2012. (أعاد المغرب الاتصال مع الاتحاد الأوروبي في 17مارس/آذار الجاري).

لا يتعلق الأمر هنا بقطع ما للعلاقات بين الطرفين، بل تحجيم هذه الأخيرة إلى حدها الأدنى، أي الاقتصار (والاقتصار فقط) على الاتصالات التي ترتبط بموضوع الحكم والاستئناف الذي أقدم عليه الاتحاد الأوروبي، لنقضه أو تليين مضامينه أو التخفيف من الخشونة المباشرة التي اعتمدها قضاة المحكمة في حيثيات ومنطوق الحكم.

يقول منطوق القرار القضائي الصادر عن المحكمة الأوروبية -والذي أتى بعد دعوى رفعتها جبهة البوليساريو (باعتبارها شخصا معنويا من حقه التظلم لدى المحكمة) في العام ذاته ضد المغرب- يعتبر "الاتفاق الموقع بين الرباط وبروكسيل في 8 مارس/آذار 2012، والمتعلق بإجراءات التحرير المتبادل في مجال المنتجات الفلاحية والمنتجات الفلاحية المحولة ومنتجات الصيد البحري، لاغيا".

المغرب لم يعد يستسيغ -فما بالك أن يقبل- نظام الوصاية الذي تمارسه عليه أوروبا، ولا بالنظام الأبوي الذي لا تتوانى أوروبا في إعماله كلما تعلق الأمر ببلد من بلدان جنوب المتوسط. إنه يطالب، بل بات يتعامل مع أوروبا من باب الشراكة الذي تقتسم بموجبه الأرباح، ويتم تحمل التكاليف بالتساوي

في حيثيات القرار، بررت المحكمة قرارها بكون "الاتفاق لم يشر بوضوح إلى الصحراء الغربية، ما يفتح الباب على احتمال أن الاتفاق ينطبق على المنطقة المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو".

وإذا كان من الطبيعي ألا يستسيغ المغرب قرار المحكمة، نظرا "للخلفية السياسية" التي حكمته، فإنه لم يستسغ لا مبدأ ولا مسطرة النقض التي ركبت مصالح الاتحاد الأوروبي ناصيتها للطعن في الحكم، باعتبارها "غير شفافة"، ولا هي من الأساليب العملية التي يجب أن تطبع العلاقات بين طرفي واقعة تجمعهم اتفاقات ومعاهدات إستراتيجية عديدة.

يقول رئيس الحكومة المغربي، بخصوص الحكم الصادر: إن الحكومة المغربية ترفض حكم المحكمة الأوروبية وتعتبره "ذا طابع سياسي محض، ويتنافى مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".

ويضيف، بخصوص واقعة استئناف الحكم من لدن مصالح المجلس الأوروبي، بأن المغرب "لا يقبل أن يتم التعامل معه كمجرد موضوع لمسطرة قضائية، أو أن يتم تقاذفه بين مختلف مصالح ومؤسسات الاتحاد الأوروبي".

ويتابع بخصوص تبعات القضية برمتها: "يجب أن تكون الأمور واضحة بالنسبة للأوروبيين. نحن لا نطلب منهم أن يتدخلوا في عدالتهم، ولكن يجب أن يحسنوا تقدير الأمور، لأن القضية جيوإستراتيجية وليست لعبا أو مزاحا. وهي مهمة لنا وبالنسبة إليهم.. إن المملكة المغربية لا يمكن أن تتهاون بشأن وحدتها الترابية، و(الموقف) يقتضي التعامل مع الاتحاد الأوروبي في مستقبل هذه القضية بطريقة مختلفة لما تم التعامل به في المرحلة السابقة.. إن قضية الصحراء ليست عادية بالنسبة للمغرب، وليست قضية ثانوية، بل هي قضية وجود أو عدم وجود".

وعلى هذا الأساس، فإن تعليق المغرب للاتصالات مع الجانب الأوروبي إنما هو قرار مؤقت، يبقي العلاقات في حدها الأدنى "في انتظار التفسيرات الضرورية وتقديم الضمانات اللازمة من الجانب الأوروبي"، وهو ما سارعت مندوبة هذا الأخير بالمغرب إلى توضيحه بالقول بأن "قرار المحكمة لن يكون له تأثير مباشر على التجارة مع المغرب، إلى أن يصدر في الطعن الذي تقدم به الاتحاد".

الأمر جلل إذن وبكل المقاييس، على الأقل من زاوية أنه يضع وجها لوجه، حكما قضائيا ملزما صادرا عن قضاة معتبرين، بمحكمة عدل مستقلة تمام الاستقلالية عن الهياكل المؤسساتية التي تكوَّن مجتمعة منظومة الاتحاد الأوروبي، ويضع قبالته بلدا لا يعتبر فقط الشريك الأساسي لأوروبا في جنوب المتوسط، بل ويتمتع معها بوضع متقدم يخال المرء معه ولكأن المغرب أضحى جزءا من أوروبا، حتى وإن لم يقتسم معها بعد الجغرافيا أو ميزات العضوية.

ثمة قراءتان أساسيتان للقرار الذي أقدم عليه المغرب إزاء قرار المحكمة كما إزاء قرار الطعن المقدم:

يحس المغرب بأن قرار المحكمة لم يأخذ في الحسبان مجريات الأمور بالداخل وبالصحراء على وجه التحديد. إذ بصرف النظر عن أن الملف ما زال يراوح مكانه بردهات الأمم المتحدة، فإن مشروع الحكم الذاتي المعروض وواقع الجهوية المتقدمة المعمول بها منذ مدة، يجعل من منطقة الصحراء دولة داخل الدولة

- الأولى مفادها أن المغرب لم يعد يستسيغ -فما بالك أن يقبل- بنظام الوصاية الذي تمارسه عليه أوروبا، ولا بالنظام الأبوي الذي لا تتوانى أوروبا في إعماله كلما تعلق الأمر ببلد من بلدان جنوب المتوسط. إنه يطالب، بل بات يتعامل مع أوروبا من باب الشراكة الذي تقتسم بموجبه الأرباح، ويتم تحمل التكاليف بالتساوي والإنصاف. ولذلك، فهو يعتبر أن قرار المحكمة لا يلزمه، بقدر ما يلزم أعضاء الاتحاد مجتمعين، لهم أن يتدبروه ويتعاملوا معه بالصيغة التي لا تتطاول على وحدة المغرب أو تطال كبرياءه.

-أما القراءة الثانية فمؤداها إحساس المغرب بأن قرار المحكمة لم يأخذ في الحسبان مجريات الأمور بالداخل وبالصحراء على وجه التحديد. إذ بصرف النظر عن أن الملف ما زال يراوح مكانه بردهات الأمم المتحدة، فإن مشروع الحكم الذاتي المعروض وواقع الجهوية المتقدمة المعمول بها منذ مدة، يجعل من منطقة الصحراء دولة داخل الدولة أو أكثر، إذ لن يبقى للمغرب بموجب ذلك، إلا سك العملة ورمزية علم الانتماء، فيما سيؤول الباقي لساكنة المنطقة بالجملة والتفصيل، شأنهم في ذلك شأن باقي مناطق وجهات المغرب. ما الداعي إذن لاستصدار حكم قضائي يوسع نطاق الخلاف ولا يدفع بالمرة بمنطق التقريب؟

وما السر الذي دفع قضاة محنكين إلى الخوض في "ملف سياسي خالص"، تثوي خلف تدبيره منظمة دولية، ولا حاجة له إضافية لخلط الأوراق على أساس من هذا الاعتبار أو ذاك، حتى وإن كان اعتبارا قانونيا صرفا؟

ليس في الأمر تحيزا ما من لدنا، إذ إن قراءة دقيقة لبعض ما تسرب من معطيات، تبين أن هذا الحكم لا يمكن أن يقوم فما بالك أن يستقيم، حيث استبعد معطيات السياق واقتصر على نصوص جافة، مبنية على هذه المنظومة القانونية أو تلك. فالقاضي لا يحكم في النازلة بناء على الخيط الذي ينظم عناصرها أو بالتبعات التي قد تترتب عنها في الحال والمآل، بل يبت بعين واحدة قد تذهب بجريرتها مصالح الناس سدى جراء عيب في الشكل، أو بسبب صوت نشاز واحد، قد يزكي -عند المداولة النهائية- كفة هذا الطرف دون ذاك، ولربما دون وجه حق ثابت.

يبدو إذن أن تعليق الاتصالات بين الطرفين سيبقى ساريا إلى حين، وسيبقى الاتفاق التجاري قائما إلى أن تبت المحاكم في طلب النقض المقدم. أما "طمأنة" مندوبة الاتحاد الأوروبي، فتبقى مشروطة بقرار النقض، والذي لن يكون بمستطاع دول الاتحاد الأوروبي تجاوزه أو تغافل إلزاميته. أي أن الاتفاق سيبقى قائما، لكن عند صدور الحكم سيكون لكل حادث حديث.

ومع أننا لا نستطيع التكهن بقرار هيئة النقض، ولا بالمدى الزمني الذي قد تستهلكه مسألة اعتماده وتصريفه في دهاليز الاتحاد الأوروبي، فإن الأمر لن يخرج برأينا كثيرا عن ثلاثة مشاهد كبرى، ستكون لها تبعات مؤكدة في علاقات المغرب بالاتحاد الأوروبي:

- المشهد الأول يكمن في إلزام الاتحاد من لدن المحكمة، باستثناء المنتوجات الفلاحية ومصائد الأسماك من الاتفاق وإبقائه ساريا فقط على المنتوجات والمصائد التي تأتي من باقي ربوع البلاد. ستأخذ المحكمة في هذه الحالة بمنطوق وجوهر قرار محكمة العدل، وتلزم أعضاء الاتحاد الأوروبي بتطبيقه نفاذا عاجلا، أو مؤجلا إلى حين. بالتالي، سيلغى الاتفاق في جزء كبير منه، وسيطلب من الاتحاد مباشرة الاتصالات مع المغرب لحذف ما لا يتماشى مع القرار الجديد.

يبدو أن تعليق الاتصالات بين الطرفين سيبقى ساريا إلى حين، وسيبقى الاتفاق التجاري قائما إلى أن تبت المحاكم في طلب النقض المقدم. أما "طمأنة" مندوبة الاتحاد الأوروبي، فتبقى مشروطة بقرار النقض، والذي لن يكون بمستطاع دول الاتحاد تجاوزه أو تغافل إلزاميته

لن يقبل المغرب قطعا بهذا المشهد، إذ سيرى فيه مسا حقيقيا بسيادته وتطاولا غير مسبوق على وحدته، بل وسابقة "خطيرة" لا يدري المرء إلى أي مدى قد تذهب.

- المشهد الثاني يتمثل في التفاوض على إيجاد آلية تدخل للمجلس الأوروبي، "للتأكد بنفسه من عدم وجود مؤشرات لاستغلال الثروات الطبيعية للصحراء". لن يلغى الحكم الابتدائي في هذه الحالة أيضا، بل سيرمم بآليات تنفيذية جديدة، مؤداها الإبقاء على الاتفاق في شكله الحالي، لكن باستثناء مفاده أن تبقى ثروات الجهة حصرا على الصحراء.

قد يقبل المغرب بهذه الصيغة، لا سيما وأن عناصرها متضمنة بمقترح الحكم الذاتي وبمنطوق الجهوية المتقدمة التي تمنح كل جهات البلاد استقلالية واسعة في تدبير مواردها، لكنه لن يقبل بآلية التدخل المقترحة، لا سيما وهي توحي بنوع من الوصاية غير مقبول، تماما كما كان سيكون عليه الحال عندما صادق البرلمان الأوروبي على التقرير الذي يطلب من الأمم المتحدة تكليف قوات المينورسو بمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء.

- أما المشهد الثالث فمؤداه مباشرة التفاوض حول اتفاق جديد يضمن للمغرب سيادته وكرامته، مع التأكيد على حق كل جهة من جهات البلاد في مصادر ثروتها وما يتأتى لها من متاجرة أو استثمار مع الخارج. يتقاطع هذا المشهد مع المشهد الثاني، لكن خاصيته أنه سيفتح الباب أمام سبل أخرى، لا تمس بوحدة البلاد أو بسيادته.

هي كلها مشاهد واردة، لكن تصريفها يحتمل المعالجة السياسية بالبداية وبالمحصلة النهائية. دور القضاء هنا يجب ألا يكون فعلا مباشرا، بل فعلا موجها، تماما كما يقوم منطق السوق بذلك، إذ لا يعمد هذا الأخير إلى تحديد حجم العرض والطلب، بل يعمل فقط على تنظيم فضائهما بما يضمن تثمين مصلحة البائع والمشتري.

لو عمد القضاء -والقانون من خلفه- إلى تضييق الفعل بالسوق، فإن من شأن ذلك أن ينفر الفاعلين، ويدفع كل واحد منهم إلى اعتماد السلوك الذي لا يضر بمصلحته حالا أو مستقبلا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك