هشام جابر

هشام جابر

عميد وباحث في الشؤون الاستراتيجية ومكافحة الإرهاب


مما لا شك فيه أن الدخول الروسي إلى الميدان السوري في آخر سبتمبر/أيلول من العام الماضي قد أحدث تغييرا عسكريا وميدانيا ودراماتيكيا بدا واضحا. وكما هو معلوم فإن التدخل الروسي لم ينحصر بالمساندة الجوية للقوات الأرضية السورية وحلفائها، بل تعداها إلى تزويد هذه القوات بأسلحة متطورة وعتاد جديد وخبراء ميدانيين.

ورغم أن روسيا لم تأت إلى سوريا لقتال تنظيم الدولة الإسلامية حصرا ولم تدّع ذلك -إذ لم تنل ضرباتها الجوية للتنظيم إلا جزءا فرضته المعارك المباشرة بينه وبين الجيش السوري- فإن انحسارا واضحا وتراجعا ميدانيا للتنظيم بدآ يظهران للعيان على الخريطة العسكرية السورية.

وعندما بدأ تطبيق اتفاق وقف العمليات العسكرية في مطلع الشهر الحالي واستثني تنظيم الدولة مع جبهة النصرة من هذا الاتفاق أدرك التنظيم أنه أصبح هدفا لعمليات عسكرية من جهات عدة بما فيها التحالف الدولي، ويرى مراقبون -ونحن منهم- أن العد العكسي لاحتواء تنظيم داعش -وبالتالي تراجعه وانحساره- قد بدأ جديا.

بنظرة إلى الخريطة الميدانية في سوريا نجد أن تنظيم "داعش" لا يزال يسيطر حتى الآن على أكثر من نصف مساحة سوريا، من الشدادة جنوبي الحسكة في الشمال الشرقي إلى مدينة إعزاز في الشمال الغربي إلى معظم خط الحدود مع العراق شرقا، وجنوبا معظم البادية السورية حتى الحدود مع الأردن، كما يسيطر التنظيم على عدة مدن ذات موقع إستراتيجي

وبنظرة إلى الخريطة الميدانية في سوريا نجد أن تنظيم "داعش" لا يزال يسيطر حتى الآن على أكثر من نصف مساحة سوريا، من الشدادة جنوبي الحسكة في الشمال الشرقي إلى مدينة إعزاز في الشمال الغربي إلى معظم خط الحدود مع العراق شرقا، وجنوبا معظم البادية السورية حتى الحدود مع الأردن، كما يسيطر التنظيم على عدة مدن ذات موقع إستراتيجي.

وبالإضافة إلى عاصمته الرقة يتواجد في دير الزور ويحتل البو كمال (معبر الحدود مع العراق) ومدينتي تدمر وإعزاز، وتشكل الحدود مع تركيا أو ما تبقى منها تحت سيطرة داعش وتحديدا من جرابلس شرقا إلى إعزاز غربا الرئة التي يتنفس منها هذا التنظيم.

ورغم أن الموقف التركي من الأزمة السورية وبالتالي من تنظيم داعش قد "بدأ يتغير بعد الهجمات الإرهابية في أنقرة حسب صحيفة واشنطن بوست الأميركية بتاريخ السابع من مارس/آذار الحالي بتصد واضح لتدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا -ومنها إلى تنظيم داعش- فإن هذه الحدود المفتوحة المتعددة المسالك والمعابر الشرعية وغير الشرعية تبقى الشريان الأساسي للقوة البشرية والعتاد واللوجستية والتمويل التي تربط التنظيم بالخارج.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل "داعش" في سوريا دون ربطه بوضع هذا التنظيم في العراق، حيث نشرت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية بتاريخ الـ11 من مارس/آذار الحالي تقريرا للكاتب ريتشارد سبنسر بعنوان "اغتيالات، وتململ وهزائم.. هل دارت الأيام على داعش؟".

حيث يشير التقرير إلى أن تململا بدأ يظهر ضد تنظيم الدولة في أكثر من مكان، وحتى مدينة الفلوجة التي استقبلت "داعش" في بداية عام 2014، وكانت حاضنة للتنظيمات الجهادية بدأت تنقلب ضد التنظيم رغم أنها محاصرة من كافة الجهات.

والواقع أن تنظيم الدولة -الذي أحرز تقدما دراماتيكيا في بداية العام الماضي باحتلاله الرمادي في العراق وتدمر في سوريا- بدأ بعدها يشهد تراجعا ملموسا، وعانى من خسائر في المساحات التي يسيطر عليها، وخسائر في مصادر التمويل ونقص في الرجال، علما بأن العدد الكلي لتنظيم "داعش" الذي فاق في العام الماضي الثلاثين ألف مقاتل تراجع إلى 22 ألف مقاتل في سوريا والعراق معا.

والحقيقة أن قاعدة تنظيم الدولة في سوريا، وذراعه الطولى في العراق وليس العكس، فسوريا هي المنبع وليست المصب، فعاصمة "الدولة" هي الرقة ولن تكون الموصل، وسيطرة التنظيم على كافة المعابر بين سوريا والعراق حتى هذه الساعة، كما سيطرته على مئات الكيلومترات من الحدود مع تركيا كما ذكرنا تمثل السبب الأول لبقائه وانتشاره وصموده في العراق، وإذا ما تحققت خطة احتوائه وحصره وانحساره في سوريا فإن العد العكسي لهزيمته في العراق -تحديدا تحرير الفلوجة والموصل- يكون قد بدأ.

وهذا ما دفع الرئيس العراقي فؤاد معصوم إلى القول "إن الغارات الروسية على داعش في سوريا تصب في مصلحة العراق". وقال إنه رغم أن العراق ليس جزءا من التحالف بين سوريا وروسيا وإيران فإن التنسيق قائم عبر غرفة عمليات في بغداد".

ولم يتعرض تنظيم الدولة في سوريا إلى عمليات عسكرية والحد من الموارد المالية والبشرية فحسب، فقد ذكرت صحيفة التايمز البريطانية في العاشر من مارس/آذار الحالي أن وثائق سرية حصلت عليها الأجهزة البريطانية تتضمن أسماء وعناوين واتصالات نحو 22 ألف مجند في التنظيم -بينهم عشرات البريطانيين- قام بتسريبها ضابط سابق في "الجيش السوري الحر" التحق بالتنظيم، ثم تركه فارا الشهر الماضي.

وتشير الوثائق إلى أن تنظيم داعش قام بتجنيد مقاتلين من خمسين دولة، وأن 70% منهم عرب والباقين من دول أخرى، أغلبيتهم من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ويعتبر هذا التسريب ضربة موجعة للتنظيم.

يرى الكثير من المراقبين أن  الانسحاب الروسي -الذي أعلنه الرئيس بوتين في الـ14 من مارس/آذار الجاري- جزئيا وإعادة انتشار، إذا لم يكن استعراضيا واختصارا لفائض من القوة لم تعد تقتضيه الحاجة، وله أسبابه العسكرية والاقتصادية والسياسية التي لا يتسع المجال لشرحها

كما تلقى تنظيم الدولة ضربات أليمة بقتل عدد من قادته، أهمهم عمر الشيشاني الذي أصيب في الأسبوع الأول من مارس/آذار الحالي بغارة جوية لطائرات التحالف الدولي خلال معارك مع "قوات سوريا الديمقراطية" في منطقة الشدادي بريف الحسكة الجنوبي، ثم علم مؤخرا أنه دخل في حالة موت سريري، وقد وصفته وزارة الدفاع الأميركية بـ"وزير الحرب" لدى داعش.

والآن يطرح السؤال: ما هي التحديات التي يواجهها تنظيم الدولة، وماذا تحمل له الأسابيع والأشهر المقبلة؟

بداية، يجب الإقرار بأن التنظيم كان إلى أمد قريب ولا يزال إلى حد ما يعول على واجهته أو حدوده مع تركيا ومعابرها لرفد قواته بالرجال والعتاد كما ذكرنا، إلا أن موجة الهجمات الدموية التي شهدتها تركيا منذ منتصف العام الماضي -ومن بينها اعتداء انتحاري مزدوج في أنقرة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي والذي أدى إلى مقتل 103 أشخاص ألقيت مسؤولية معظمها على تنظيم الدولة الإسلامية- لا بد من أن تحدث تغييرا دراماتيكيا في الموقف التركي رغم انشغال أنقرة بالحرب ضد حزب العمال الكردستاني.

بعد أقل من شهر من الدخول الروسي إلى سوريا بدأ العالم يشهد تبلورا ووضوحا في الموقف الأميركي من "داعش"، فمن تصريح المرشحة للرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون التي اعترفت ضمنا بأن التحالف الدولي لم يكن يهدف إلى إنهاء التنظيم بل إلى احتوائه، حيث قالت "لقد آن الأوان للانتقال من إستراتيجية الاحتواء إلى إستراتيجية القضاء على داعش"، إلى تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال مؤتمر صحفي على هامش قمة رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) في العاصمة الماليزية التي أكد فيها "أن تدمير داعش ليس هدفا واقعيا فحسب، بل سنحققه وندمره، ونستعيد الأراضي التي يسيطر عليها، ونوقف تمويله ونلاحق قادته، ونفكك شبكاته.. إلخ".

ثم أتى -كما ذكرنا- الاتفاق الأميركي الروسي بوقف إطلاق النار الذي أصبح قرارا أمميا وأكده مجلس الأمن ليضع التنظيم في قمة اللائحة المستهدفة، مما يشكل تحديا جديا له لم يكن سابقا.

هذا في الجانبين السياسي والإستراتيجي، أما في الواقع الميداني فإن تنظيم الدولة الذي يواجه وينتظر أن يواجه بكثافة أكثر الضربات الجوية الروسية وطائرات التحالف، سيواجه تقدما للجيش السوري وحلفائه في الشمال الغربي لريف حلب وتحديدا من مارع باتجاه إعزاز، وكان هذا الهجوم قد توقف بانتظار تسوية مع تركيا، أو ما يمكن اعتباره جائزة ترضية.

كما يواجه التنظيم هجوما محتملا من ريفي حماة وحمص الشرقيين -أعني منطقة السلمية- يؤدي إلى تراجعه نحو البادية السورية، إلا أن هذا الهجوم ليس وشيكا، إذ إنه يستوجب السيطرة على المنطقة الفاصلة بين حمص وحماة (تلبيسة والرستن)، حيث تنظيمات إسلامية نواتها جبهة النصرة تتمركز بها وتدافع عنها بضراوة منذ سنوات.

ثم إن هنالك تحديا ميدانيا آخر لا يقل أهمية يواجهه تنظيم الدولة من جهة الشمال، وتحديدا من الحسكة والشدادة جنوبا من قبل قوات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية التي تلاقي دعما سياسيا وعسكريا من جهات عدة، أهمها ألمانيا والولايات المتحدة والتشيك.

بما أن تنظيم الدولة لا يخشى هجوما بريا واسع النطاق في الميدان السوري باستثناء جبهة تدمر -على الأقل في الوقت الحاضر- فإنه سيعتمد التخفي والمناورة للحد من أضرار الضربات الجوية، والتحلي بالمرونة وعنصر المفاجأة، والتكثيف من العمليات الإرهابية، واغتنام الفرص للقيام بهجوم مباغت لخلط الأوراق

والهدف هو دفع تنظيم الدولة إلى التراجع جنوبا باتجاه دير الزور، كما أن خطة استعادة مدينة تدمر لن تتأخر، وقد بدأت هذه الخطة في ظل تحديات جمة يدركها تنظيم داعش بلا شك. ويتساءل الكثيرون عن خطة وإستراتيجية المواجهة لدى التنظيم.

إن تنظيم "داعش" الفريد من نوعه في التاريخ العسكري يتمتع بجدارة وكفاءة قتالية، وهو ذو وجهين، الأول هو الجيش النظامي الذي يعتمد الآليات الثقيلة ومدفعية الميدان وراجمات الصواريخ وقوات كبيرة العدد ضد أهداف محدودة الإمكانات بعمليات خاطفة وسريعة وصادمة، فقد استغرق احتلال 185 قرية في ريف عين العرب أسبوعا واحدا، والوجه الآخر هو أسلوب حرب العصابات من تفخيخ، وتفجير، وعمليات انتحارية أثبتت نجاحها في الموصل والرقة ومطار الطبقة، كما يلجأ التنظيم غالبا إلى تكتيك الهجوم بدلا من الدفاع كما فعل مؤخرا بهجماته المتكررة على تل أبيض، والانكفاء قبل التحضير لهجوم معاكس، كما يعتمد على الحرب النفسية بكفاءة واضحة، بالإضافة إلى مراكز قيادة وسيطرة ترتكز على نظام اتصالات متطور.

أما عن الانسحاب الروسي -الذي أعلنه الرئيس بوتين في الـ14 من مارس/آذار الجاري- فيراه الكثير من المراقبين جزئيا وإعادة انتشار إذا لم يكن استعراضيا واختصارا لفائض من القوة لم تعد تقتضيه الحاجة، وله أسبابه العسكرية والاقتصادية والسياسية التي لا يتسع المجال لشرحها، بل تستدعي مقالا مفصلا.

وبناء على ما تقدم وبما أن تنظيم الدولة لا يخشى هجوما بريا واسع النطاق في الميدان السوري باستثناء جبهة تدمر -على الأقل في الوقت الحاضر- فإنه سيعتمد التخفي والمناورة للحد من أضرار الضربات الجوية، والتحلي بالمرونة وعنصر المفاجأة، والتكثيف من العمليات الإرهابية، واغتنام الفرص للقيام بهجوم مباغت لخلط الأوراق.

وأخيرا، وإجابة عن السؤال المطروح بالعنوان الرئيسي لهذا المقال، نعم، ستشهد الجغرافيا السورية انكفاء وانحسارا لداعش في أكثر من مكان أو موقع، وقد بدأ ذلك، ولكن لا يمكن لأحد أن يتوقع القضاء على هذا التنظيم في سوريا أو حتى العراق على مدى الأشهر القادمة.

وإذا لم يكن لدى التحالف الدولي والتعاون الأممي بالتنسيق مع القوة العسكرية الروسية الباقية في سوريا القدرة أو ربما الإرادة لتدمير تنظيم الدولة وإنهاء هذه الظاهرة في سوريا والعراق تمهيدا لملاحقة فروعه في ليبيا ومصر وشمال وغرب أفريقيا وغيرها، فإنه على الأقل يستطيع ويتوقع أن ينجح بتقليم أظافره ونزع أنيابه والحد من توسعه. غير أن سؤالا آخر يبقى مطروحا: هل انتهت وظيفة داعش؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات