مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


مراجعة الخلاصات الدامية والفوضى العامة التي أوجدتها الثورة المضادة بفعلها الذاتي، أو بأخطاء رئيسية لبعض شركاء الكفاح السياسي للربيع العربي، وخاصة في التيار الإسلامي، تطرح أسئلة كبرى لا تقف عند لحظة اصطدام المشروع، وإنما تتجاوزها إلى البحث عن خلل التفكير وتاريخ مصادرة العقل المسلم المعاصر من قبل العقل التعبوي المحافظ.

وتنتصب أمامنا في مسار البحث هذا تجارب أعطت ثمرة مختلفة وجنّبت الواقع العربي في أرضها -حتى تاريخ اليوم- مسار الاصطدام المؤدي إلى الأرض المحروقة، ولعل إحدى هذه التجارب هي مشروع الخيار الثالث في المملكة المغربية الذي نتطارحه اليوم لفهمه قبل تزكيته أو نقده.

تعود أصول الأسرة الملكية في المغرب إلى قرابة الـ400 عام، منذ تأسيس الدولة العلوية من المولى علي الشريف، وهو المنتمي لأسرة علوية شريفة من آل البيت تعود جذورها لمحمد ذي النفس الزكية، ولذلك اصطبغت الأسرة بهذا المفهوم من العصبية الدينية والولاء المجتمعي لها.

ولذلك يُطلق مصطلح أمير المؤمنين على ملوكه، بمن فيهم الملك محمد السادس عاهل المغرب الحالي، وتُعظّم الأسرة بتقدير ديني واجتماعي من الشعب، وإن كانت بعض طقوس التعامل مع الحالة الملكية مستهجنة إسلاميا وإنسانيا، كالإيماء بالركوع لهم وغيره.

وقد انتمت الأسرة الحاكمة طيلة مسارها التاريخي إلى التصوف الإسلامي المعتدل وفقه مدرسة الإمام مالك رحمه الله، ورغم الظروف السياسية المتعددة والصعبة التي مرت بالبلاد فقد صمدت الملكية المغربية باختياراتها تلك، وبالذات خلال الاحتلال الفرنسي، حيث اشتعلت في مواجهته مقاومة إسلامية في إطار وطني من خارج قوات العاهل المغربي التي حُيّدت كليا، لكن أصر المغاربة على بقاء الرمزية الملكية، وبقي الملك محمد الخامس، رمزا للاستقلال.

في ظل الإصلاحات الدستورية والسياسة شعر الرأي العام المغربي أنه يستيقظ على صباح جديد، وشعر أيضا أن الملكية هي أيقونة استقرار وتقدم سياسي، وأنها لا تقف في وجه طموحه، وبقي يمين الحركة اليسارية وجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين معارضين للمشروع

كيف توافقت بعض الشعوب المغاربية على ذلك، وأين كانت أفكار التقدم والحقوق السياسية والمشاركة الشعبية في طموح المناضلين وتياراتهم العربية؟ هناك تفاصيل طويلة، لكن المؤكد هنا أن العلماء وشخصيات المجتمع والحراك الشعبي الوطني تمسكوا جملة برمزية الأسر الحاكمة، ربما لقناعتهم بأن رمزية الملكية وصفتها الدينية تمثل عامل استقرار ورابطة خاصة.

ونتيجة لذلك كانت القناعة قائمة منذ فترة ما بعد الفتح الإسلامي بصعوبة استقرار أوضاع الشعوب المغاربية أو بعضها دون وجود تلك الملكيات، وهو ما يسنده وضع ليبيا منذ انقلاب القذافي على الملك السنوسي، حيث اتضح للجميع بعدَه أن كل ما قيل عن فترة حكم الملك إدريس السنوسي، لا يقارن بالجحيم الذي عاشته ليبيا بعد إسقاطه.

في المغرب قصة أخرى، وهي أنالملك محمد الخامس ظل رمزا مقاوما سياسيا وسندا معنويا للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وهو ما عزّز من رمزيته. ثم جاءت لاحقا متطلبات ما بعد الاستقلال، وعاش المغرب فيها أزمنة صعبة للغاية، حيث كان الملك الحسن الثاني لا يرى إقرار مطالب الحركة الإصلاحية في التغيير الدستوري، وحصل خلالها الكثير من المصادمات والآلام التي لا تُنسى ويكفي فيها نموذج جحيم تزما مارت.

لكن الحكاية لم تنته هنا، فوسط هذا الشد والجذب رحل الحسن الثاني، وكانت هناك مساحة من الهياكل الدستورية، لكنها لم تكن مفعّلة بناء على تأثير الخلية الأمنية الشرسة التي تخضع للمخزن.

ومع أجواء الربيع العربي، وفيما يُمثّل نوعا من الصدمة الشعبية حتى للمعارضة، تقدم الملك محمد السادس بوثيقة التغيير الدستورية بناء على رغبة وقناعة خاصة تستهدف مواجهة رياح التغيير.

ونتيجة لذلك وُسّعت مساحة الحريات السياسية، وأُقر مشروع الانتخابات الحرة، وفُصِل الحكم الملكي عن الإدارة الحكومية التنفيذية، وبقيت لديه أو لدى المخزن المرجعية الكبرى في شؤون الدفاع والخارجية، مع رجوع البيت المغربي إليه لحل الإشكالات السياسية في المماسرة الديمقراطية الجديدة.

وكانت هناك شكوك كبيرة بشأن مساحة التنفيذ التي سيتركها المخزن فعليا، ولكن ومع التصويت والتنفيذ أدرك المغاربة أن محمد السادس اختار الطريق الثالث، وترك لتيارات الوطن اختيار ممثليها، ولم يكتف الملك بذلك، بل اختار قبل ذلك (منذ العام 2002) مواجهة المسؤولية في إحدى أكثر الملفات إيلاما للضمير الشعبي، وهو ملف الاعتقال والتعذيب السياسي، فأقر قانون المصارحة والمصالحة (من خلال هيئة الإنصاف المصالحة) بعد إطلاق المعتقلين وسجناء الرأي وتعويضهم، ونُشرت بالفعل آلام المغاربة في الفترة السابقة لعهده.

في ظل ذلك شعر الرأي العام أنه يستيقظ على صباح جديد، وشعر أيضا أن الملكية هي أيقونة استقرار وتقدم سياسي، وأنها لا تقف في وجه طموحه، وبقي يمين الحركة اليسارية وجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين معارضين للمشروع.

ما زال الشعور بالسكينة إزاء الملكية بخلفيتها الدينية حاضرا في المغرب لدى الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء، وإن تعجب فعجب كيف أن الاشتراكية المغاربية تتمسك بهذه الأيقونة والرمزية، كما يفعل رئيس الحكومة المنتخب بن كيران وفريقه الإسلامي في الوقت ذاته

لا يعني هذا قناعة الحركة الوطنية بالوثيقة كمشروع لسقف طموحهم، ولكن الفاعلين فيها قرروا التجاوب والقبول بهذا العهد الذي صوت عليه الشعب المغربي بالقبول، وأن تمضي المسيرة نحو جودي السلام لا بحر الأزمات العنيفة.

كما أن اعتبار هذه النقلة مرحلة ديمقراطية كبيرة، هو مبالغة وتزكية لا حقيقة لها، فلا تزال حدود الإرادة الشعبية مقننة ومحيد جزء مهم منها.

وليست هذه الحالة كما يظن البعض نموذج ملكية دستورية كما عليه الحال في إنجلترا، ولكنها مزاوجة بين الملكية الدستورية التي تفسح الطريق أمام مشاركة شعبية مقننة، والملكية المطلقة التي لا تمنح تلك الحقوق. فالسلطات الخاصة هنا بقيت للمؤسسة الملكية خصوصا ما يتعلق بالقرارات السيادية المتصلة بالأمن القومي والداخلي، دون اللجوء إلى وسائط القمع، وإنما عبر حقوق الشعب الدستورية، وفتح المجال لبنودها للتطبيق الشامل مباشرة، أو عبر الكفاح السياسي الدستوري القانوني.

ولا يزال هذا الوازع من الشعور بالسكينة إزاء الملكية بخلفيتها الدينية حاضرا في المغرب لدى الإسلاميين والعلمانيين على حد سواء، وإن تعجب فعجب كيف أن الاشتراكية المغاربية تتمسك بهذه الأيقونة والرمزية، كما يفعل رئيس الحكومة المنتخب عبد الإله بن كيران وفريقه الإسلامي في الوقت ذاته.

وقد ظل هذا الطريق الثالث (الخيار الثالث) المرتضى شعبيا بالجملة مع معارضة قليلة، يَحكم مسار الأحداث، فقرار مواجهة المد الإيراني في تبشيره المذهبي ورفضه صراحة وإغلاق المؤسسات الإيرانية، اتخذ من طرف الملك.

كما أن خوض المعركة الفكرية مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مدنيا وأمنيا يتواصل في المغرب، بالاستفادة من أجواء الاعتدال الفقهي السني الجامع الذي يشمل حضورا واضحا للمدرسة السلفية العلمية المنفصلة عن غلو داعش كليا، وبالتالي تساعد في إقرار الفقه الجماعي ضد العنف التكفيري.

وقد رفضت الملكية ذاتها، التدخل العسكري في ليبيا، بعد اشتعال الحرب الأهلية بين الثوار، واندفاع أطراف عربية للتدخل ودعم اللواء حفتر، لأن ذلك سيؤدي إلى تفجير المنطقة وخلق أزمات ضخمة سيُعاني منها المغرب، فدعمت المصالحة السياسية بين فرقاء ليبيا في الصخيرات.

وقد لاقى كل ذلك توافقا مع الحكومة المنتخبة ومع الرأي العام الشعبي الذي قد لا يكون راضيا عن مشهده المحلي تماما، لكن قناعته تترسخ بأن طريق الرباط الثالث، يقيه بعد الله من براكين الدماء في كل مكان، مع بقاء القاعدة السياسية المهمة، الكفاح لإصلاح الدولة، لا القتال على جسدها المغتال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك