مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


هناك أضلع متشابكة ذات علاقة مهمة في التطور الأخير لصياغة العهد الجديد في لبنان، ما بين مشروع الجنرال ميشيل عون القديم لإقناع الغرب وتل أبيب بمبادرة تحالف الأقليات لصناعة واقع لبناني مختلف، كبديل إستراتيجي للبنان العربي، وبين التقاطع العسكري للحرس الثوري الإيراني وذراعه العميل في لبنان وإستراتيجية إسرائيل في سوريا التي نسقها الروس، والاتفاق الغربي التاريخي مع طهران، وتغير التقييم الأميركي لنظام الخليج الرسمي.

فالتطورات الأخيرة، خاصة في دلائل انهيار 14 آذار والاضطراب الشديد لتيار المستقبل، كان نتيجة لتفاعل تقدير الموقف السياسي الإقليمي في أعين الفرقاء أو الحلفاء اللبنانيين، وبالتالي الانتقال إلى الضفة الأخرى ومشاركتها المشروع المصيري الجديد للبنان، وسنُلاحظ هنا التغير التصاعدي الذي وصل إلى أن يتخلّى وليد جنبلاط وسمير جعجع أقوى حلفاء المستقبل عنه، وتوجههما إلى أسرة أصدقاء إيران الجدد.

قرار الرياض الأخير الذي جاء مفاجئا في مسار العلاقات مع لبنان، والذي تأخر طويلا حتى تمكن الإيرانيون من وضع لبنان تحت انتدابهم، يأتي ضمن تغيرات كبيرة في السياسة السعودية تصر على تموضعها كدولة محور لا تابع رغم مهاجمة الغرب  المستمر للرياض

إن تتبع التطورات التي جرت في المشهد السياسي للبنان خلال السنوات الخمس الأخيرة يعطي تصورا لأسباب انهيار موقف تيار المستقبل، وخاصة منذ دلائل تراجع الثورة السورية أمام إيران وتحولها إلى ميدان مشتت برزت فيها العزيمة القوية للقطبين العالميين برفض أي نجاح بل وحتى عبور سلمي نسبي للثورة السورية.

وقرار الرياض الأخير الذي جاء مفاجئا في مسار العلاقات مع لبنان، والذي تأخر طويلا حتى تمكن الإيرانيون من وضع لبنان تحت انتدابهم، يأتي ضمن تغيرات كبيرة في السياسة السعودية تصر على تموضعها الأخير كدولة محور لا تابع رغم مهاجمة الغرب وتقريعه المستمر للرياض، وهي حالة صراع تتفاعل اليوم لتحقيق هذا المفهوم الذي لم يحسم، وستؤثر فيه خلاصات المعركة القائمة في سوريا.

لكنه أيضا قرار مهم في طياته، يقدم اعترافا تاريخيا على أن الجيش اللبناني صُنع مؤخرا لأجل إيران، كما صُنعت الدولة العميقة وهيكل بنائها السياسي المتغلغل لصالح حزب الله الإيراني تحت هذا المشروع، وهنا تبرز لنا عناصر مهمة في مسيرة الانتداب الإيراني على لبنان:

1- بعد اغتيال رفيق الحريري وما خلفه من تداعيات داخلية وإقليمية، ورغم خروج قوات نظام الأسد، فإن الدولة العميقة في لبنان لم تخضع لهذا الواقع، وحقق حزب الله تقدما في زحفه، حسمه باجتياح بيروت السنية في مايو/أيار 2007، أعاد به سيطرته الكلية على القرار السياسي.

2- كانت المشكلة المركزية للداعمين العرب أن شخصية القائد البديل لرفيق الحريري، أضعف بكثير من المستوى القادر على الصمود فضلا عن التقدم أمام الإيرانيين والمسيحية الشيعية المتعاظمة.

3- بُنيت هيكلية المستقبل على بقاء الجسم السني الذي تعاطف مع الحريري الابن، وضم حلفاء مصالح من الطوائف، لا مشكلة أبدا في خلق مشروع وطني معهم، لكن المشكلة أن هذا المحور المركزي السني بينهم لم يكن قادرا على تحوله لعمود صلب، بقاعدته الذاتية أو بسياساته.

4- تم تحويل القاعدة السنية إلى خاصرة رخوة ضعيفة لا تقدر أن تطرح موقفا سياسيا، فضلا عن صناعة قوة مجتمعية للدفاع عن ذاتها، لا تخوض حربا أهلية، ولكن تبني ممانعة ذاتية، تُشعر الحلفاء بقوة غير المال الموسمي من الخليج، أو من مصالح الشركات الخاصة للحريري.

من المهم جدا أن نستذكر أن هذا الجيش الذي وجهت له الرسالة السعودية هو ذاته الجيش الطائفي في قيادته وبعض ألويته، المؤدلج سياسيا، والذي استُخدم تنفيذيا ضد حركة الأسير على أساس طائفي، واستخدم لقصف المدنيين السنة من سوريا، وخنقهم في لبنان

5- حتى إعلام المستقبل والإعلام الممول من الخليج، لم يُتح فرصة طرح قضايا المجتمع العربي الإسلامي المحاصر من حزب الله بصراحة وشفافية، وتبني قضاياه في صورة وطنية جامعة، لا تُغفل حقه الطبيعي في دولة مؤسسة على الطوائف رسميا.

6- وفي كل منعطف، كان الداعم يُعطي مالا لتجاوز أزمة سياسية، فيصّب هذا المال في مشروع الابتزاز القهري للدولة وللسُنة معا، ويتحول لصالح لبنان الإيراني وحلفائه.

7- اللحظة التي حصل فيها تمرد مجتمعي مدني غير مسلح يطرح خطابا اجتماعيا لوئام سياسي، لكنه يرفض أن تتحول القاعدة الاجتماعية السُنية إلى رهينة مختطفة أو معتقلة أو مبتزة، كانت اللحظة التي أطلق فيها الشيخ أحمد الأسير مبادرته، وقتها لم يكن يحمل أي سلاح وكان المبادرة مرتكزة على خطاب مدني صرف.

فعوضا عن دعمه واعتباره شريك توازن للمستقبل، شارك المستقبل في إحباطه ثم حصاره ثم دفعه لحمل السلاح للدفاع عن أمنه الشخصي وأمن المضطهدين السنة الذي سعوا لضمان السلم الأهلي لكل لبنان، وإن كان الأسير قد أخطأ بالتجاوب مع استدراج إيران وما تلاه.

8- من المهم جدا أن نستذكر أن هذا الجيش الذي وجهت له الرسالة السعودية هو ذاته الجيش الطائفي في قيادته وبعض ألويته، المؤدلج سياسيا، والذي استُخدم تنفيذيا ضد حركة الأسير على أساس طائفي، واستخدم لقصف المدنيين السنة من سوريا، وخنقهم في لبنان، وهذا يعني أن موقف التقييم السعودي اليوم يتطابق مع التوصيف الحقيقي لطائفية الجيش اللبناني ودوره في لعبة الدولة العميقة، لكن بعد تأخر طويل.

9- وأعقب كل ذلك حركة التفويج الواسعة بين الأطراف المسيحية ووليد جنبلاط للخروج من تموضعهم السابق في تواز دقيق مع صفقة الغرب، ومشروع تصفية الثورة السورية، لينضموا لحلفاء إيران ومشروعها بغض النظر عن أي لغة تبرير أو خلاف مع ذراعها اللبناني، فالعبرة بالأثر السياسي للقرار الجديد.

إن هذه الخلاصات التي تشرح دور الضعف الذاتي، ومواسم تمرير صفقات الابتزاز في لبنان لصالح دولة إيران العميقة، تؤكد على خطأ منهجية صناعة البيت العربي في لبنان.

إن قواعد اللعبة الوحيدة المتاحة سياسيا، هي إعادة صناعة تيار المستقبل، والبناء العربي السني وحلفائه العروبيين من كل لبنان، وهذا لن يتم دون إسناد بمنهجية جديدة من الرياض، تمنع حسم طهران هذه المعركة السياسية لصالحها

إن لبنان اليوم الذي يفتقد شخصيات وطنية مخلصة كرشيد كرامي وكمال جنبلاط، والشيخ حسن خالد، وجورج حاوي وزعماء العروبية المسيحية فيه، ليس بقادر على تشكيل حراك وطني مستقل يؤثر ذاتيا على التوازن القائم، ويُفشل مشروع لبنان الإيراني الذي تباركه تل أبيب بمواصفاتها.

ولذلك فإن قواعد اللعبة الوحيدة المتاحة سياسيا، هي إعادة صناعة تيار المستقبل، والبناء العربي السني وحلفائه العروبيين من كل لبنان، وهذا لن يتم دون إسناد بمنهجية جديدة من الرياض، تمنع حسم طهران هذه المعركة لصالحها تاريخيا.

ولا يوجد اليوم بديل يمكن أن يحل مكان المستقبل في وقت قصير، وإن كان البديل النوعي القوي مطلوب إستراتيجيا، لكن تنظيم هذا البناء يمكن أن يتحقق فقط لو دعمت الرياض خطوات تنفيذية محددة.

فوضعية سعد الحريري يمكن المحافظة عليها لرمزيته كوريث لوالده ومكانته في الحزب وفي الوجدان السني، لكن من الضروري أن يتقدم اللواء أشرف ريفي لموقع المدير التنفيذي المباشر بصلاحية واسعة لهيكلة الحزب مع قواعده الاجتماعية، وتنشيط روح الممانعة أمام الاستبداد الإيراني القهري.

وهنا يجب ألا تمر قضية الإفراج عن ميشال سماحة المتورط في التنظيم الإرهابي، دون نقلة توازن قوية، تحقق بعض المكاسب منها مثلا الإفراج عن الشيخ أحمد الأسير، وإعادته للعمل السياسي الاجتماعي، وهو ما سيخلق بنية مختلفة لمستقبل لبنان العربي، إضافة للأصوات المستقلة في النخبة السنية.

مع ما سبق فنحن لا نلغي دور الحركة الإسلامية التاريخي والاجتماعي، لكن المشكلة أنها حيدت ذاتها طوال الوقت، واستظلت على الدوام بخيمة المستقبل، والفكرة الأساسية بغض النظر عن الأسماء هي أنه لا يمكن أن يواجه إعلان لبنان الإيراني دون صناعة قاعدة مقاومة سياسية واجتماعية للبنان العربي، وهو أمر لم يتحقق تاريخيا ولن يتحقق إلا عبر البيت السني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك