صلاح عبد المقصود

صلاح عبد المقصود

وزير إعلام مصري سابق


يخوض بعض الزملاء الصحفيين، ومعهم مجموعة من السجناء السياسيين في سجن العقرب سيء السمعة معركة الأمعاء الخاوية، احتجاجا على ظروف الحبس القاسية، وسياسة الموت البطيء التي يمارسها النظام الانقلابي في مصر ضد معارضيه داخل السجون.

هذه المعركة خاضها من قبل المئات من السجناء المعارضين للانقلاب العسكري، وعلى رأسهم الزميلان عبد الله الشامي، ومحمد سلطان.. كانت معركة طويلة كادت تودي بحياتهما لولا أن الله سلمهما.

لكن نجاح كل من الشامي وسلطان ليس فقط بسبب صمودهما الأسطوري الذي سيسجل في تاريخ إضراب السجناء الصحفيين، بل أيضا بسبب وجود مساندة إعلامية كبيرة للشامي من شبكة الجزيرة التي يعمل بها، ومساندة -على استحياء- من الولايات المتحدة الأميركية لسلطان الذي يحمل جنسيتها إلى جانب جنسيته المصرية.

عشرات من الصحفيين والإعلاميين، يقبعون بسجون مصر، ولا يجدون لهم ظهيرا حقوقيا أو إعلاميا يدافع عنهم ، الأمر الذي يدفعنا إلى الدعوة إلى صحوة ضمير من كل الصحفيين والإعلاميين والحقوقيين للوقوف إلى جانب هؤلاء الأبطال سعيا لتحريرهم من سجون الانقلاب الفاشي

تلك المساندة التي ندعو إليها اليوم في قضية زملائنا الصحفيين والإعلاميين القابعين في سجون الانقلاب منذ عامين ونصف العام، ومن بينهم الزملاء الأساتذة محسن راضي النائب البرلماني، ووكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشعب، ومجدي أحمد حسين رئيس حزب الاستقلال، ورئيس تحرير جريدة الشعب، وهاني صلاح الدين، مدير تحرير اليوم السابع، وإبراهيم الدراوي الصحفي بمجلة الإذاعة والتليفزيون، وأحمد سبيع مدير مكتب فضائية الأقصى بالقاهرة، وعمرو الخفيف وكيل أول وزارة الإعلام، ورئيس قطاع الهندسة الإذاعية باتحاد الإذاعة والتليفزيون، وحسن القباني الصحفي بجريدة الكرامة، وسامحي مصطفى وعبد الله الفخراني ومحمد العادلي المحررين بشبكة رصد الإخبارية، ومسعد البربري مدير فضائية أحرار 25، ووليد شلبي الكاتب الصحفي، وهشام جعفر رئيس مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية.

هذا فضلا عن عشرات غيرهم من الصحفيين والإعلاميين، جلهم من غير أعضاء النقابة، ولا يجدون لهم ظهيرا حقوقيا أو إعلاميا يدافع عنهم مثلما فعلت شبكة الجزيرة مع صحفييها، الأمر الذي يدفعنا إلى الدعوة إلى صحوة ضمير من كل الصحفيين والإعلاميين والحقوقيين للوقوف إلى جانب هؤلاء الأبطال سعيا لتحريرهم من سجون الانقلاب العسكري الدموي الفاشي.

منذ أيام أصدرت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين المصريين بالتعاون مع خمس منظمات حقوقية التقرير السنوي الأول عن حالة الحريات الصحفية في مصر، وقد وصف التقرير عام 2015 بأنه عام الحبس والاختفاء القسري للصحفيين، وأن العمل الصحفي أصبح مغامرة قد تنتهي بصاحبها إلى السجن.

رصد التقرير782 انتهاكا للصحفيين خلال عام 2015 وحده، وقد تراوحت هذه الانتهاكات بين السجن والاعتقال والحبس الاحتياطي والاختطاف أو الاختفاء القسري، ناهيك عن الاعتداءات الجسدية واللفظية والضرب والمنع من متابعة الأحداث وتحطيم الكاميرات ومعدات التصوير.

كما رصد التقرير12 حالة منع من الكتابة لعدد من الكتاب في مختلف الصحف، ومصادرة بعض الصحف، ومنع طباعة بعضها الآخر بسبب احتوائها على موضوعات تمس رئاسة الجمهورية، أو وزارة الداخلية وبعض الأجهزة السيادية.

إضافة إلى القيام بـ"فرم" وإتلاف بعض طبعات الصحف التي طبعت متضمنة موضوعات تمس بعض الجهات، مثل تلك الصحيفة التي نشرت تقريرا عن امتناع بعض الجهات السيادية عن توريد ضريبة الدخل المستحقة على العاملين بها، مما ضيع على الدولة أموالا تقدر بثمانية مليارات جنيه!

وأشار التقرير إلى عودة الرقابة على الصحف، وهي التي كان الرئيس السادات قد قام بإلغائها منذ أربعين عاما، الأمر الذي نزل بسقف الحريات الصحفية في عهد الانقلاب العسكري إلى الحضيض!
كما استعرض التقرير حالات الصحفيين السجناء سواء من أعضاء النقابة أو من هم خارجها، وقدروا عددهم بستين صحفيا، في حين يصل العدد في تقدير المرصد العربي لحرية الإعلام إلى مائة صحفي وإعلامي. الأمر الذي يجعل مصر في عهد الانقلاب تتربع على عرش الاستبداد والقمع في العالم.

رصد تقرير حقوقي782 انتهاكا للصحفيين بمصر خلال عام 2015 وحده، وقد تراوحت هذه الانتهاكات بين السجن والاعتقال والحبس الاحتياطي والاختطاف أو الاختفاء القسري، ناهيك عن الاعتداءات الجسدية واللفظية والضرب والمنع من متابعة الأحداث وتحطيم الكاميرات ومعدات التصوير

أما اللجنة الدولية لحماية الصحفيين فقد وضعت مصر في المركز الثاني بعد الصين، ضمن أسوأ عشر دول في العالم قامت بسجن الصحفيين خلال عام 2015، وذلك في تقريرها الصادر نهاية ديسمبر/كانون أول الماضي.

ورغم أن الصين احتلت المرتبة الأولى -حسب تقرير اللجنة- بسجنها لـ49 صحفيا العام الماضي، في حين احتلت مصر المرتبة الثانية -وفق نفس التقرير- بسجنها لـ23 صحفيا، فإنه يمكننا إثبات أن مصر في عهد الانقلاب هي الأولى عالميا في قمع الصحفيين وسجنهم وقتلهم، ليس في العام الماضي فقط، بل في الأعوام الثلاثة الأخيرة منذ انقلاب يوليو/تموز 2013 وحتى اليوم.

ففي سجون مصر يقبع الآن مائة صحفي وإعلامي، حكم على بعضهم بالإعدام أو المؤبد، وحكم على آخرين بالسجن المشدد من محاكم الانقلاب التي شكلها خصيصا لمحاكمة معارضيه.

و لم تقصّر هذه المحاكم المخصوصة في تنفيذ المهمة المطلوبة، والنطق بأحكام الإعدام على المئات بدء من الرئيس الشرعي للبلاد الدكتور محمد مرسي، وعدد من الوزراء والنواب والبرلمانيين والأكاديميين والطلاب، إضافة إلى وجود أكثر من خمسين ألفا في سجون الانقلاب المختلفة.

وإذا قارنا عدد الصحفيين السجناء في الصين -طبقا لتقرير لجنة حماية الصحفيين- نسبة لعدد العاملين في الصحافة في نفس الدولة، والمقدرين بـ220 ألفا، وسكانها الذين يقدر عددهم بمليار و200 مليون نسمة، بعدد الصحفيين السجناء في مصر -طبقا لتقدير النقابة- وعددهم 60 صحفيا نسبة لعدد العاملين في الصحافة والمقيدين في جداولها (8 آلاف صحفي)، أو إلى نسبة السكان في مصر (90 مليون) مقارنة بالصين فإن مصر العسكر هي الأولى عالميا وبلا منازع!

غير أن ما لفت انتباهي في مقدمة التقرير هو محاولة معدي التقرير مغازلة الانقلابيين عبر تشبيه فترة حكم الرئيس مرسي التي لم تتجاوز العام بحكم مبارك الذي تجاوز الثلاثين عاما بقولهم: "بعد ثورتين كبيرتين في 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 وبعد سقوط رئيسين بسبب انتهاكهما لحقوق الشعب المصري وفى المقدمة منها حرية الصحافة والإعلام ما زال الصحفيون في مصر يتعرضون لانتهاكات مروعة، تقوم بها السلطات بشكل رئيسي مستهدفة منع الصحفيين من نقل الوقائع من الأرض للجمهور.. "!

إن هذا الكلام مردود عليه من الواقع، ومن المنظمات المحايدة، إذ برأت اللجنة الدولية لحماية الصحفيين ساحة الرئيس مرسي عندما قالت إن مصر لم تشهد في 2012 حبس أي صحفي، أما ما حدث في 2013 من حبس للصحفيين، بل وقتل أيضا فقد تم على أيدي الانقلابيين بعد انقلاب 3 يوليو من نفس العام.

ويكفي أن أشير هنا إلى أن محكمة جنايات الجيزة عندما قضت بحبس الصحفي إسلام عفيفي رئيس تحرير الدستور في 23 أغسطس/آب 2012، وكانت تهمته آنذاك إهانة رئيس الجمهورية في عشرة أعداد متوالية، ونشر أخبار كاذبة عن الرئيس منها بيع أراض بسيناء للفلسطينيين.. فقد بادرنا وقتها لعلاج الأمر حماية للصحفيين.

في عام مرسي لم يحبس صحفي، ولم يكسر قلم.. لم تعطل صحيفة أو توقف قناة أو إذاعة.. لم يمنع برنامج أو يحجب رأي لمواطن، بل كان زعماء جبهة الإنقاذ المعارضة ضيوفا دائمين على شاشات المحطات الرسمية وعبر أثير إذاعاتها

وبادرت بالتعاون مع وزير العدل المستشار أحمد مكي بإعداد مرسوم بقانون يقضي بإلغاء حبس الصحفيين في جرائم النشر، وهو القانون الذي كافح الصحفيون من أجله عشرات السنين، وأصدره الرئيس مرسي، وخرج عفيفي في نفس اليوم، ولم تطأ قدماه أرض السجن!

وكان هذا القانون أول ما أصدره الرئيس من تشريعات بعد نقل السلطة التشريعية إليه عقب الإعلان الدستوري الذي أصدره في 11 أغسطس/آب 2012، واسترد لنفسه -بمقتضاه- سلطة التشريع من المجلس العسكري.

وفي 11 أبريل/نيسان 2013 عندما علم الرئيس بقيام إدارة الشؤون القانونية برئاسة الجمهورية بتقديم بلاغات للنيابة ضد خمسة من الإعلاميين الذين تطاولوا على رئيس الجمهورية، وكان من بين هؤلاء باسم يوسف، وجمال فهمي، وجابر القرموطي، أمرها الرئيس بسحب هذه البلاغات، وكرر قولته الشهيرة: "لا أريد أن يحبس صحفي في عهدي ".

نعم في عام مرسي لم يحبس صحفي، ولم يكسر قلم.. لم تعطل صحيفة أو توقف قناة أو إذاعة.. لم يمنع برنامج أو يحجب رأي لمواطن، بل كان زعماء جبهة الإنقاذ المعارضة ضيوفا دائمين على شاشات المحطات الرسمية وعبر أثير إذاعاتها.

في عهد مرسي تم الترخيص لـ59 صحيفة ومجلة، و23 قناة تليفزيونية، وفي عهده تحول الإعلام من إعلام الحزب الواحد، إلى إعلام الدولة بكل مكوناتها السياسية والعرقية والطائفية والحزبية.. ومن صوت الحاكم إلى صوت الشعب.

فكيف هو الحال الآن؟ أظن أن تقرير النقابة والمنظمات الحقوقية ذكر غيضا من فيض عن القمع والتضييق على الإعلاميين والإعلام، الأمر الذي يدعونا للوقوف إلى جوار هؤلاء الزملاء، ودعوة كل المنظمات المعنية للدفاع عن قضيتهم في مواجهة دولة القمع والقهر العسكري.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك