يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

ليس المقصود بمصادرة الديمقراطية في هذه المقالة، تلك الحالة التي تنقض المؤسسة العسكرية في ظلها على السلطة السياسية، فتجمد بموجبها القوانين السارية والمؤسسات القائمة، وتعطل على إثرها الحياة المدنية لفائدة "قوانين جديدة" تسن بقوة السلاح والنار، وتحاصر جراءها مختلف مظاهر الحياة العامة العادية، لصالح قوانين في الطوارئ أو في الاستثناء تبدو مؤقتة في منطوقها، لكنها تغدو مع الزمن القاعدة المألوفة التي لا مناص من التعامل معها، والتكيف مع مضمونها.


وليس المقصود بها حالة الاستبداد الكليانية المطلقة التي ترتهن في ظلها (لفائدة رأس الدولة ومحيطه) كل المستويات التمثيلية، السياسية منها والنقابية والمدنية، وتصادر من بين ظهرانيها جل الحقوق والحريات القائمة، وتقيد جراءها كل أشكال التعبيرات المباشر منها وغير المباشر سواء بسواء.

وليس المقصود بها، فوق كل ذلك، حالات النظم السياسية التي تسوق الادعاء بالديمقراطية (عبر التعددية الحزبية أو التنظيمات النقابية أو تنوع الهيئات الأهلية)، في حين تحتفظ لنفسها بالحق في استصدار مضمونها مجتمعة، أو التلاعب في الإجراءات المحيلة إليها، أو تعمد إلى تلغيمها بقوانين ولوائح وتشريعات تضمن استمرارية "الشكل الديموقراطي" المعتمد، ولا تخرج إلا فيما ندر عن المتاريس المحددة والخطوط الحمر المرسومة.

إن مصادرة الديمقراطية المتحدث عنها هنا، إنما هي تلك الحالة أو الحالات التي يتراضى الفرقاء السياسيون بموجبها على "قواعد لعبة محددة"، يتم في ظلها القبول بمبدأ التباري السلمي والحر على السلطة، لكن سرعان ما يتم الطعن في هذا المبدأ من لدن الطرف المنهزم، فيرفض النتائج ويتنكر للقواعد المحددة ويرتد على مخرجات العملية جملة وتفصيلا

هي كلها حالات معروفة ومثبتة، بل لا يمكن المزايدة بشأنها إلا من لدن جاحد لا يعتد برأيه أو مكابر لا يقاس على تقديره. إذ إنه حتى في حالة اللجوء إلى السلوك الديمقراطي في جانبه الإجرائي الخالص (عبر الانتخابات واختيار الهيئات التمثيلية)، فإن تعثر المضمون الثقافي للديمقراطية (أي الديمقراطية كثقافة وليس كمجرد إجراء) يجعل هذه الأخيرة في منأى عن التداول السلمي للسلطة، المرتكز على مبدأ الاحتكام إلى نتائج صناديق الاقتراع، حتى وإن أفرزت الصناديق انقلابا جذريا في الوضع السياسي السائد، أو تغييرا جوهريا في موازين القوى القائمة.

إن مصادرة الديمقراطية المتحدث عنها هنا، إنما هي تلك الحالة أو الحالات التي يتراضى الفرقاء السياسيون بموجبها على "قواعد لعبة محددة"، يتم في ظلها القبول بمبدأ التباري السلمي والحر على السلطة، لكن سرعان ما يتم الطعن في هذا المبدأ من لدن الطرف المنهزم، فيرفض النتائج ويتنكر للقواعد المحددة ويرتد (لا سيما إذا كان محتكرا للسلاح) على مخرجات العملية جملة وتفصيلا، أو يلجأ إلى إجبار الطرف المنتصر على الانصياع لرزنامة شروط، يكون من شأنها تقويض أسس العملية برمتها ونسف بنيانها جملة وتفصيلا.

لا تعدمنا النماذج في ذلك، بالوقائع الحية، المتقادمة نسبيا في الزمن لكن تبعاتها لا تزال تجر "خيبة" سلوك طريق الديمقراطية ونكبة اعتماد الصناديق لحسم التدافع بين مكونات الفضاء السياسي العام:

- فجبهة الإنقاذ الإسلامية بالجزائر (وهي للتذكير حركة ذات توجه إسلامي واضح) حققت بداية تسعينيات القرن الماضي، انتصارا انتخابيا جارفا، كاد يبوئها سبل النفاذ إلى مراكز الحكم والسلطة، لكن خطيئتها تمثلت في كونها لم "تبعث بإشارات طمأنة" للنفوذ العسكري المتجذر، نفوذ الجنرالات تحديدا، ولا لأصحاب المصالح المادية والرمزية المباشرة (بالجزائر وفرنسا والولايات المتحدة وبدول الجوار).

فحوصرت التجربة في مهدها ونسفت مقوماتها نسفا، وتم إجهاض المسلسل برمته بجريرة كل ذلك، لتدخل الجزائر في أعقابه حربا أهلية أهلكت الضرع والزرع لأكثر من عقد من الزمن، ولا يزال جزء من أبنائها (أبناء الجزائر أقصد) من ضمن المعاقين أو المفقودين، في حين اختار جزء آخر الاحتماء بالغابات والجبال، لإعلان الحرب المباشرة على الدولة وعلى المجتمع، بعدما عمد إلى تكفيرهما وتحليل استباحة مقوماتهما.

هي حالة محاصرة صارخة للديمقراطية، تشي في عمقها، بأن الذين راهنوا على صناديق الاقتراع راهنوا عليها كآلية إجرائية، وليس كمدخل أساس للتمرس على الديمقراطية، واعتمادها كسبيل للتداول الحر على السلطة. من ذا الذي، بالجزائر في هذه الحالة، سيثق من تاريخه، في وعود السلطة الحاكمة، أو في تصريحات أركانها، أو في صدق نوايا سياسييها، أو في حيادية القوى الخارجية التي تحرك بعضا من عناصرها لإفساد اللعبة من الأصل؟

ثم من ذا الذي سيجازف باختيار هذا الحزب أو ذاك، إذا كان الاقتناع قائم وثابت بأن اللعبة "مغشوشة" بهذا الشكل أو ذاك، وأن معاودة طرح مطلب الديمقراطية "الحق" قد يكلف آلاف الضحايا ومئات المهجرين والمعاقين والمفقودين؟ سينتهي الأمر بالملأ إلى الكفر بالديمقراطية واعتبارها فألا سيئا لا تأتي من ورائه إلا المصائب والويلات.

- وحركة حماس (وهي حركة ذات توجه إسلامي معلن) قبلت منذ مدة أيضا بـ"اللعبة الديمقراطية"، فدخلت الانتخابات طوعا وعلانية، وربحت رهانها واعترف لها خصمها المباشر (حركة فتح) بالانتصار، فكونت في أعقاب ذلك حكومة شرعية، أدت القسم أمام "الرئيس"، وباشرت العمل بناء على ما ائتمنها عليه ناخبوها، وباتت من تاريخه حكومة فلسطين دونما أدنى منازع.

إذا كانت تجربتا الجزائر وفلسطين هما النموذج الصارخ "التاريخي" لحالات الانقلاب والارتداد على الديمقراطية دونما وجه حق أخلاقي يذكر، دع عنك الأبعاد الخفية الأخرى، فإن ثمة حالات أخرى عديدة بالوطن العربي تعتبر فيها مصادرة الديمقراطية القاعدة/الأساس لنظم الحكم، أو توجهه العام في أدنى تقدير

لكن لا أحد بالعالم قبل بها ولا ارتضى أن تكون بالسلطة في فلسطين، حتى وإن قبل بها خصمها المباشر، ورضي لنفسه وضعية المعارضة لها، تماما كما تجري الأمور بأعتى ديمقراطيات العالم.

لم تحاصر "حكومة حماس" (كما حوصرت جبهة الإنقاذ بالجزائر من قبل) على خلفية من تزويرها للانتخابات، ولا لكونها سيطرت على السلطة بانقلاب مسلح، بقدر ما حوصرت لأنها "لم تبعث برسائل طمأنة" لهذه الجهة المؤثرة أو تلك، ولم تعمد إلى إعمال سياسات منافية للبرنامج الذي انتخبت على أساسه، أو تطوعه لحين عبور العاصفة.

صحيح أن مياها كثيرة جرت منذ تاريخه، إذ "احتلت" حماس قطاع غزة، ورضيت السلطة بوضع هجين في الضفة، وباتت لغة الشتم والتخوين والتفسيق هي اللغة السائدة بين الطرفين. وصحيح أن قواعد اللعبة قد تغيرت في المنطقة، لا سيما أن تلك القواعد قد سمحت بتغول إسرائيل وتجبرها. لكن القائم في نظرنا أن "شعب فلسطين" لم يعد مهتما كثيرا بمطلب الديمقراطية، ما دامت في نظره لم تعمل إلا على تعميق الخلافات وتوسيع الانشقاقات، والدفع بالقضية إلى أتون المجهول.

من ذا الذي -من الفلسطينيين- ستغريه اللعبة الديمقراطية بعد ذلك، مادام يدرك أنها لن تفرز تداولا على السلطة، ولن يكون من مخرجاتها استنبات القيم الديمقراطية التي تعيشها دولة الاحتلال، وهي المحاذية لهم أو الساكنة بين ظهرانيهم؟

سنكون في هذه الحالة، بإزاء كفر بالديمقراطية أيضا، ليس لأنها صعبة المنال، متعذرة الإدراك، ولكن لأنها باتت، في المخيال الجمعي العام، نذير شؤم وعربون احتراب واقتتال بين فرقاء لا ترضيهم اللعبة إلا إذا تماهت نتائجها مع مصالحهم وتطلعاتهم وأجنداتهم.

نحن إذن (في حالة الجزائر في الثمانينيات، وحالة فلسطين فيما بعد) إزاء حصار حقيقي للديمقراطية، لم يبلغ في الحالتين معا درجة الانقلاب المبرح عليها فحسب، بل وصل درجة قصوى من الارتداد عليها، ما دامت نتائجها -يقول البعض- غير آبهة بـ"التوازنات القائمة"، "متنكرة للواقعية السياسية" و"متمردة على القائم من واقع الحال".

وإذا كانت تجربتا الجزائر وفلسطين هما النموذج الصارخ "التاريخي" لحالات الانقلاب والارتداد على الديمقراطية دونما وجه حق أخلاقي يذكر، دع عنك الأبعاد الخفية الأخرى، فإن ثمة حالات أخرى عديدة بالوطن العربي تعتبر فيها مصادرة الديمقراطية القاعدة/الأساس لنظم الحكم، أو توجهه العام في أدنى تقدير.

ولعل النموذج الصارخ لهذه الحالات إنما تمثله حالة مصر بعد أحداث "الربيع العربي"، إذ وصلت حركة "الإخوان المسلمين" (الحزب السياسي الممثل لها أقصد) وصلت إلى السلطة في ظل انتخابات نزيهة وحرة، فشرعت في تصريف ما وعدت به الجماهير أثناء حملات التسويق الانتخابي، لدرجة خيل معها للعامة من بين ظهرانينا أن مرحلة من التاريخ السياسي المصري قد ولت، وأن الديمقراطية قد وضعت حدا نهائيا لمرحلة "الضباط الأحرار" التي ساد نموذجها لأكثر من نصف قرن من الزمن.

بيد أن التجربة حوصرت في مهدها (بتضييق من الخارج وبأيادي الدولة العميقة من الداخل)، ليس لكونها أخطأت عندما تطلعت إلى استصدار كل السلط القائمة بالبلاد لصالح "فصيلها الدعوي والحزبي"، ولكن أيضا لأنها لم تبعث بما يكفي من "الإشارات لطمأنة الداخل وعدم استثارة غضب الخارج". فكان في ذلك مقتلها ومقتل التجربة برمتها.

لعل النموذج الصارخ لحالات مصادرة الديمقراطية، إنما تمثله حالة مصر بعد أحداث الربيع العربي، إذ وصلت حركة  الإخوان إلى للسلطة إثر انتخابات نزيهة وحرة، فشرعت في تصريف ما وعدت به الجماهير أثناء حملات التسويق الانتخابي، لدرجة خيل معها للعامة أن مرحلة من التاريخ السياسي المصري قد ولت

إن مصادرة الديمقراطية في حالة مصر لا تشبه كثيرا حالتي الجزائر وفلسطين، إنها حالة فريدة من نوعها وبكل المقاييس:

- فالمصادرة أخذت شكل انقلاب عسكري مكتمل المقومات والأركان، تنكر للشرعية جهارا، وسطا على السلطة بقوة النار والحديد، واختطف الرئيس الشرعي تحت مسوغات قد تكون سليمة في جزء منها، لكنها تطعن -ولو مع سلامة هذا الجزء- في فلسفة العملية الديمقراطية برمتها في البداية وفي المحصلة النهائية.

- وضباط الانقلاب جمعوا حولهم يوم الانقلاب (بعدما اختطف الرئيس الشرعي من مكتبه)، جمعوا كل أركان المنظومة الدستورية والدينية والقضائية (منظومة الدولة العميقة بمنطوق البعض)، في إخراج يبدو للناظر وكأن كل مكونات المنظومة في جهة، وكل الباقي (ممثلي الشرعية ومن صوت عليهم) في الجهة المقابلة.

- ثم عمد بعد ذلك إلى معاودة صياغة الوثيقة الدستورية، ثم إلى انتخاب رئيس للدولة ثم إلى التصويت على ممثلي الشعب، تماما كما عمد إلى ذلك "الإخوان" عندما جاؤوا للسلطة في أعقاب إسقاط مبارك. العملية متشابهة في تسلسل أطوارها، مع فارق وحيد أن البعض وصل للسلطة طوعا، أما الآخرون فقد نفذوا إليها قسرا، وبتواطؤ واسع من أركان الداخل وتحريض الخارج، أو لنقل غضه الطرف عما يجري.

في هذه الحالة أيضا، حالة مصر، يبدو أننا سنكون بمحصلة المطاف، بإزاء ما أسميناه كفرا بالديمقراطية. إذ ما معنى أن يدعى الشعب لاختيار رئيس، فيختار من يبدو له كفيلا بالمهمة، ثم يأتي من ينقلب عليه ويجبر ذات الشعب للتصويت عليه هو لا على سواه؟

ما الجدوى من دعوة الشعب إلى الاختيار، وعندما يختار لا يعتد باختياره؟ أية قواعد سينتظم الشعب في إطارها، بل أية ضمانات لأن يكون الشعب هو الذي يختار، وعندما يختار، فلا حق لأية جهة كانت أن تتدخل للطعن في ذات الاختيار أو إزاحة من تم التوافق بخصوصه؟ ثم على أي أساس سيختار الشعب حكامه في المستقبل؟

إننا هنا لا نحاول تبرير هذا السلوك أو ذاك، أو إبداء بعض من التعاطف المتحمس مع هذه الجهة أو تلك. إننا نحاول أن نفهم نمط التفكير السياسي العربي (نمط تفكير النخب السياسية على وجه التحديد)، وكيف أنها باتت تضيق ذرعا بأسلوب في التداول السلمي على السلطة لم يعد مثار خلاف بالمرة، بل استقرت عليه ثقافات العديد من بلدان العالم وارتضته أداة لتدبير الاختلاف من بين ظهرانيها.

بأية وسيلة إذن سندير تمايزاتنا؟ وكيف سنستنبت قيم المواطنة من بين أضلعنا؟ وكيف سيقبل بعضنا بعضا؟ أخشى أن نبيت ونصبح على حقيقة أن الدكتاتورية هي التي توحدنا وتبعد عنا شبح أن يغدو الكل منا مع الكل ضد الكل..

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك