عبد الله البريدي

عبد الله البريدي

- كاتب وأكاديمي سعودي- دكتوراه في السلوك التنظيمي "في موضوع الإبداع"- جامعة مانشستر


تتشكل حياة البشر وفق شروط وسياقات معينة، ومن المسلّم به أن هذه الشروط والسياقات تتغير بتجدد الأفكار وتنوع أنماط الحياة، مما يجعلنا نقرر أن حياتنا البشرية مشروطة، إذ قد تستحيل بعض الشروط إلى "مقومات وجود" في سياقات نصنعها وفق إطارنا الثقافي الحضاري وأمزجتنا الخاصة وتطلعاتنا إلى حياة عادلة كريمة.

(1)

دعوني أضرب على ذلك أمثلة.. هل كانت الشعوب العربية في العقود السابقة تعبّر عن نفسها كما بدأت تعبّر في آخر خمس سنوات؟ هل نطيق منع هذه الشعوب من هذا "السلوك الجديد"؟ ألا ترون أن ذلك السلوك أصبح ضمن "مقومات وجود هذه الشعوب"؟

في السابق، يستيقظ ملايين الناس ويطالعون الأخبار ويتعرفون على المستجدات، ثم يلوذون بصمت يلتهم نهارهم ويقتات على ليلهم، عدا همسات نافرة هنا وهمسات فاترة هناك. أما الآن، فقد تعرفوا على ألسنتهم، وتعلموا كيف تُصنع الكلمات والأفكار المفصحة عن آرائهم واتجاهاتهم وتطلعاتهم وآمالهم وآلامهم.

باتوا يبثونها بشكل صريح، مع تعدد قوالب هذا السلوك التعبيري، وتباين مستوياته ومداخله وشبكاته الاجتماعية المتجددة. أفلا تتفقون معي أن الشعوب العربية تغيرت؟ ألا يستحق ذلك تغييرا في بعض الشروط والسياقات الحياتية؟ أليس هذا الأمر منطقيا؟ أفيه غرابة أم شيء خارج عن المنطق؟

(2)

في السابق، كان ملايين الناس يستيقظون ويطالعون الأخبار ويتعرفون على المستجدات، ثم يلوذون بصمت يلتهم نهارهم ويقتات على ليلهم، عدا همسات نافرة هنا وهمسات فاترة هناك. أما الآن، فقد تعرفوا على ألسنتهم، وتعلموا كيف تصنع الكلمات والأفكار المفصحة عن آرائهم واتجاهاتهم وتطلعاتهم وآمالهم وآلامهم

هناك من يقرر أنه لا ديمقراطية (تمثيل) بلا ضرائب، ولا ضرائب بدون ديمقراطية، وثمة أدبيات كثيرة حول هذه المسألة الشائكة. قبل عدة سنوات، كنت في نقاش مع أحد المثقفين الخليجيين حول الديمقراطية في الخليج العربي، فأكد أنه لا يمكن وجود ديمقراطية بسبب انعدام الضرائب في هذه الدول واعتمادها على الاقتصاد الريعي. قلت له حينها: لو سلمنا جدلا بهذا الربط "غير العضوي" بين الديمقراطية والضرائب، هل تظن أن هذه الدول لن تحتاج إلى فرض ضرائب في سنوات قادمة بسبب تنامي المصروفات العامة وتضاؤل المداخيل الريعية؟ لم يطق طرح إجابة متماسكة.

في هذه الأيام أعلن في بعض الدول العربية -ومنها دول الخليج العربي- عن فرض "ضريبة القيمة المضافة" بنسبة 5% وفق برنامج زمني محدد، على أن تزيد في سنوات لاحقة، وفق الحاجة التي يتوقع أن تزداد نظرا للضغوط الكبيرة على الموازنات الحكومية جراء زيادة النفقات العامة لعوامل عديدة مرشحة بزيادة مطردة.

من هنا جاءت الفكرة التي أطرحها في هذا المقال، وهي "ديمقراطية القيمة المضافة"، إذ على أقل تقدير نلتزم بوجود أقدار معقولة من الديمقراطية تعادل الضرائب المفروضة حاليا والتي سيتم فرضها مستقبلا، مع أن الديمقراطية في الجوهر قيمة إنسانية عليا، ولا يسوغ لنا التسليم بأنها متوقفة على العبء الضريبي، فأنا لست من أولئك الذين يقرون بوجود ربط مباشر بين الديمقراطية والضرائب، وذلك أن العصر الحديث أفضى إلى جعل الديمقراطية ضمن المكتسبات المجتمعية التي تؤمن بها الشعوب وتسعى إلى المحافظة عليها وتنميتها، وبخاصة أنه بات جليا الارتباط بين ترسخ الديمقراطية وتحقق العدالة الاجتماعية في هذه "القرية الكونية الآخذة في التمقرط"، والعالم العربي ليس استثناء، وهو مجتمع إنساني غير متعال على التاريخ ولا متجاوز له.

من الناحية النظرية، الدول العربية كلها مطالبة بقدر كاف من الديمقراطية، وتملك بعض المقومات لتحقيق شيء من هذا في الإطار المنظور، وأما من الناحية العملية فالدول الخليجية -في رأيي- قد تكون الأقدر وربما الأقرب إلى تحقيق ذلك، إذ حققت استقرارا أمنيا واقتصاديا جيدا في ظل سياقات ملتهبة في "الربيع العربي"، ومثل هذا الاستقرار مطلب ملح وأمر إيجابي للغاية، بيد أنه لا يكفي، إذ يتوجب حقن الفضاء العام بجرعات ديمقراطية متنامية، وأحسب أن بعض دول الخليج العربي -وعلى رأسها السعودية وقطر والكويت- قادرة على خلق لحظة تاريخية جديدة في المنطقة، تعزز بها مقومات وجودها وسبل تنميتها عبر إيجاد قنوات لتطبيق مرحلي للديمقراطية.

(3)

الآن نعود إلى فكرة "ديمقراطية القيمة المضافة" لتوضيح بعض الأبعاد التي يمكن أن تجلي النظر فيها وتعمقه، وربما تزيد القناعة بها، وذلك كما في النقاط الخمس المختصرة:

1- الإنسان مجبول على التفاعل الإيجابي في الفضاءات التي تحقق ذاته وتشعره بقيمته وتميزه، فتجعله مشاركا في اتخاذ القرارات التي تعنيه وتؤثر على حياته بشكل أو بآخر. هذه حقيقة ثابتة. وهذا ما يفسر لنا سر تفاعل الناس في الفضاء الشبكي عوض الفضاءات الحياتية المباشرة، فهم يهربون من "الاستبدادية المعيشة" إلى "الديمقراطية الشبكية"، إذ كل واحد من الناس يعبر عن رأيه بكل وضوح وبطريقة مباشرة وبقوالب آنية، ومثل هذا التعبير يحقق له نوعا من "القيمة المضافة الذاتية"، من جراء تفعيل جوهر كونه "إنسانا حرا"، معبرا عن قبوله ورفضه، آلامه وآماله.

وعليه، فإن تبنّي الدول الخليجية لنهج ديمقراطي متدرج سيكون من شأنه تعزيز "القيمة المضافة الذاتية" للشعوب وجرها إلى ميادين الإيجابية والإنتاجية والابتكارية، وفي هذا تعطيل أو إضعاف لمسارات الإحباط والانكماش والانعزال والتسخط والسلبية، وتعزيز بنيوي لتنمية الاقتصادات وتنويعها، قُطريا وخليجيا.

2- تفعيل آليات الديمقراطية بشكل مرحلي سيفيد كثيرا في رفع مستويات الكفاءة والفعالية في الصرف والإنفاق على المشاريع الحالية والمستقبلية، بجانب تعزيز مستويات الجودة والإنتاجية من جهة، ومحاربة فعالة "للفساد الكبير" و"الفساد الصغير"، الأمر الذي يعود على هذه الدول بمزيد من التلاحم الداخلي والتماسك الوطني، ولا سيما أن العالم العربي برمته يمر بأيام عصيبة وتحديات كبار لا تخفى على أحد، ومن الواضح أن هذه الأيام سيطول أمدها، مما يقلل من نجاعة "الحلول الترقيعية" في مسارات الإصلاح والتحديث والتنمية. وللأسف، يستمر البعض في تسويقها مع بروز شواهد متزايدة على فشلها وعدم اقتناع الناس بها.

الدول العربية كلها مطالبة بقدر كاف من الديمقراطية، وتملك بعض المقومات لتحقيق شيء من هذا في الإطار المنظور، وأما من الناحية العملية فالدول الخليجية -في رأيي- قد تكون الأقدر وربما الأقرب إلى تحقيق ذلك، إذ حققت استقرارا أمنيا واقتصاديا جيدا في ظل سياقات ملتهبة في الربيع العربي
3- إيجاد جرعات جيدة من الديمقراطية سيكون مفيدا جدا لجعل الشعوب الخليجية تتفهم وتتقبل مسوغات فرض ضريبة القيمة المضافة، ونظرا لما يعانيه الاقتصاد العالمي وانجرار المنطقة إلى حروب مباشرة وغير مباشرة، فسيكون التأثير كبيرا على الموازنات العامة لسنوات ممتدة. وهذا السيناريو قد يوجب فرض ضرائب بنسب أعلى في الفترات القادمة، وهذا أمر متوقع، ذلك أن الناس ستشارك في صناعة القرار التنموي والاقتصادي، بما في ذلك إيجاد مشاريع ومسارات جديدة للإيرادات العامة، وتحديد كيفية توزيعها وصرفها؛ وفق سلم أولويات يضعونه ويتحملون مسؤوليته في مختلف مناطقهم ودوائرهم المحلية.

4- تبني نهج ديمقراطي متدرج يعين على اعتدال سقوف المطالبات الإصلاحية في السياق الخليجي، إذ يمكن للمزاج العام في تلك الدول أن يقترب من الأطر الواقعية في النظرات والمطالبات الإصلاحية والبعد عن "التفكير الرغبوي" الذي يتبناه البعض، خاصة أن الدول الخليجية تتوفر على مقومات إيجابية في هذا المسار، ومنها طبيعة العلاقة الجيدة بين الشعوب والحكام، ويعد هذا واحدا من أهم "الذخائر المجتمعية" التي تتوجب المحافظة عليها وتنميتها بشكل متواصل.

5- هناك عجز تام عن إقامة دليل متماسك على صحة الفرضية الهزيلة التي تذهب إلى أن الخليجيين لا يتطلعون إلى الديمقراطية بقدر تطلعهم إلى تحقيق رفاهية وإشباع اقتصادي. ونحن نقول لكل من يتبنى هذه الفرضية من "النظامويين" (=المدافعون بالحق والباطل عن الأنظمة) وغيرهم: نتحداكم أن تجلبوا أي دليل مقنع، بل نتحدى أن تقدموا لأبنائكم المسكن والغذاء والتعليم والصحة والترفيه وتحرموهم من المشاركة في اتخاذ القرارات داخل إطار العائلة وبما يخص حاضرهم ومستقبلهم؟

الواقع يكشف لنا أن الأبناء يتمنون لو أنهم أقل في الشأن المعاشي مع تمتعهم بالمشاركة الحقيقية في القرارات التي تعنيهم في حياتهم، بما يُشعرهم بالكرامة و"تقدير الذات". وما دام الأمر كذلك، وهو مشاهد لنا جميعا، فلمَ نتعامل مع الشعوب بطريقة تناطح المنطق وتقفز على الحقائق؟! (للمزيد حول هذه المسألة، انظر مقالتي: الإعلام الجديد ينمنم العدالة الاجتماعية، الجزيرة نت، المعرفة، 24-2-2013).

نعم ثمة أمل كبير بإيجاد مقومات مواتية لتحقيق مستويات أعلى من الإصلاح في كافة المسارات، وإن بنهج ديمقراطي متدرج، فهل نرى تحولا في السياق العربي والخليجي على وجه التحديد؟ آمل ذلك، ولو كان وفق "ديمقراطية القيمة المضافة"، فهو أضعف الإيمان.. حان الوقت لبيع سندات المخاطرة بمستقبلنا، بديمقراطية تراكمية مخفضة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك