فينود توماس

فينود توماس

المدير العام السابق للتقييم المستقل في البنك الدولي


يُعد تغير المناخ التحدي الأعظم الذي يواجه البشرية على الإطلاق. ومع هذا، لا يعتقد الرئيس القادم للولايات المتحدة -ثاني أكبر دولة في العالم إطلاقا للانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي والقوة الفاعلة الأساسية في السياسة المناخية- أن تغير المناخ يحدث بالفعل، أو أن البشر على الأقل كان لهم دور في تغير المناخ.

وإذا كان دونالد ترمب راغبا حقا في "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، كما أعلن شعار حملته الانتخابية، فيتعين عليه أن يغير موقفه وأن يتبنى أجندة العمل المناخي.

حتى الآن، لا يبدو الوضع مبشرا؛ فرغم جبال من البيانات العلمية، يزعم ترمب أنه لا يوجد دليل على إسهام البشر في الانحباس الحراري الكوكبي. حتى أنه وصف قضية تغير المناخ ذات مرة بأنها "خدعة" اخترعها الصينيون لجعل التصنيع في الولايات المتحدة أقل قدرة على المنافسة (ولو أنه تراجع عن هذا الاتهام في وقت لاحق). ولكنه لم يفكر رغم ذلك في إعادة النظر في تشككه الشديد في مساهمة البشر في تغير المناخ.

وبما يعكس هذا الخط في التفكير، أعلن ترمب عزمه إلغاء القيود المفروضة على الانبعاثات الكربونية التي تطلقها محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم، وزيادة إنتاج الوقود الأحفوري، وخفض دعم طاقة الرياح والطاقة الشمسية. كما تعهد بسحب الولايات المتحدة من اتفاق تغير المناخ العالمي الذي أبرم في ديسمبر/كانون الأول الماضي في باريس. وهذا الانقلاب كارثي بكل المقاييس للجهود العالمية الرامية إلى التصدي لتغير المناخ.

رغم جبال من البيانات العلمية، يزعم ترمب أنه لا يوجد دليل على إسهام البشر في الانحباس الحراري الكوكبي. حتى أنه وصف قضية تغير المناخ ذات مرة بأنها "خدعة" اخترعها الصينيون لجعل التصنيع في الولايات المتحدة أقل قدرة على المنافسة (ولو أنه تراجع عن هذا الاتهام في وقت لاحق)

فتماما كما تسبب رفض الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش التوقيع على بروتوكول كيوتو بشأن تغير المناخ في عام 2005 في إحداث دوامة من ارتفاع الانبعاثات، فإن القرار الذي قد يتخذه ترمب بعدم الوفاء بالتزامات أميركا بموجب اتفاق باريس قد يدفع آخرين إلى السير على خطاه. ففي نهاية المطاف، تشعر دول عديدة بالقلق إزاء تكاليف الوفاء بالتزاماتها الوطنية، وخاصة في وقت يتسم بتباطؤ التعافي الاقتصادي. ويظل إحراق الوقود الأحفوري، في أغلب الاقتصادات، أرخص من استخدام أي طاقة أنظف (إذا لم نضع في الحسبان التكاليف المترتبة على الأضرار البيئية ذات الصلة).

بطبيعة الحال، في الأمد الأبعد، يدفع إحراق المزيد من الوقود الأحفوري تكاليف الرعاية الصحية إلى الارتفاع ويعوق إنتاجية العمل. ثم هناك التكاليف الاقتصادية والبشرية المترتبة على الكوارث المتكررة والمتزايدة الحدة المرتبطة بالمناخ في مختلف أنحاء العالم.

من المؤكد أن ترمب التقى مؤخرا نائب الرئيس الأميركي السابق والناشط البارز في مجال المناخ آل غور. ومع ذلك، يبدو من غير المرجح أن يغير ترمب لهجته بشأن تغير المناخ، خاصة وأن أعضاء مجلس الوزراء الذين اختارهم يعزفون نفس اللحن.

الخبر السار هنا هو أنه قد لا يكون مضطرا إلى تغيير رأيه. فهناك في واقع الأمر إجراءات قد يتخذها ترمب لأغراض أخرى -من تعزيز الاقتصاد الأميركي إلى تعظيم نفوذ أميركا العالمي- ومن شأنها أن تؤدي أيضا إلى دفع عجلة الأجندة المناخية إلى الأمام.

يتمثل أول إجراء من هذا القبيل في زيادة الاستثمار في مشاريع البحث والتطوير في قطاعات صديقة للمناخ، مثل كفاءة استخدام الطاقة وتخزينها، وأنظمة الطاقة المتجددة، والسيارات الأكثر أمانا والأصغر حجما. وسوف تكون الاختراقات التكنولوجية في هذه المجالات -حيث الولايات المتحدة مؤهلة بشكل خاص لتحقيقها- مفيدة للأعمال التجارية إلى حد كبير. وربما يكون بناء قطاعات إنتاجية عالية التقنية وتتسم بالكفاءة في استهلاك الطاقة أفضل فرص ترمب للوفاء بوعوده الانتخابية فيما يتصل بخلق عدد كبير من الوظائف للأميركيين.

بقدر ما قد يرغب ترمب في إحياء صناعات الصلب والفحم فيما يسمى ولايات حزام الصدأ والتي كانت حاسمة في فوزه الانتخابي، فإن هذا مستحيل في الأرجح (وهذه نفس حال الوعد بإعادة عدد كبير من وظائف التصنيع من الخارج). الواقع أن طاقة الفحم في طريقها إلى الاختفاء في الولايات المتحدة بالفعل، حيث ترغم المخاوف الصحية والبيئية (وليس المناخية فحسب) المحطات العاملة بالفحم على التوقف عن العمل.

كما تسبب رفض الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش التوقيع على بروتوكول كيوتو بشأن تغير المناخ في عام 2005 في إحداث دوامة من ارتفاع الانبعاثات، فإن القرار الذي قد يتخذه ترمب بعدم الوفاء بالتزامات أميركا بموجب اتفاق باريس قد يدفع آخرين إلى السير على خطاه

من ناحية أخرى، يظل إنتاج الغاز الطبيعي عند أعلى مستوياته على الإطلاق؛ فالآن تتجاوز حصته التي بلغت 33% في توليد الطاقة حصة الفحم. كما تتجه مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية نحو الارتفاع، وهو الاتجاه الذي يكاد يكون استمراره في حكم المؤكد. يتعين على ترمب لكي يتسنى له إحياء حزام الصدأ أن يستفيد من هذه الاتجاهات، من خلال دعم نهج أكثر إبداعا وكفاءة في استخدام الطاقة، أشبه كثيرا بذلك النهج الذي يساعد في دعم النمو في اقتصادات ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك.

وبوسع ترمب أن يعمل على تعزيز تقدم الصناعات الديناميكية المربحة الموفرة للطاقة من خلال ترسيخ كفاءة استخدام الطاقة في قوانين البناء. وينبغي للمباني الجديدة وغيرها من مشاريع البنية الأساسية أن تستخدم الإضاءة الموفرة للطاقة (بما في ذلك الاستخدام الأفضل لضوء الشمس)، وكذا التدفئة وتكييف الهواء. وهناك أيضا فوائد كبيرة ناجمة عن إعادة تجهيز المباني القائمة لاستخدام الطاقة بشكل أكثر كفاءة.

وهناك سبب آخر رئيسي من شأنه أن يقنع ترمب المتشكك في تغير المناخ، بتعزيز التقدم على مسار العمل المناخي: الحفاظ على النفوذ الدولي الأميركي وتعزيزه. الواقع أن قادة عالميين بارزين آخرين ــ بما في ذلك الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ــ أعربوا عن قلقهم إزاء الدمار الناجم عن التلوث والتدهور البيئي. وإذا أنكرت الولايات المتحدة دورها القيادي في هذا المجال، فإنها بهذا تجازف بإلحاق ضرر كبير بسمعتها.

تتطلب قيادة العمل المناخي العالمي وفاء الولايات المتحدة في المقام الأول بالالتزامات التي تعهدت بها في باريس. ومن الأهمية بمكان أن يتمسك ترمب بخطة الطاقة النظيفة الأميركية، التي تُنشئ أهدافا تختلف من ولاية إلى أخرى لخفض الانبعاثات الكربونية، وذلك بهدف خفض الانبعاثات الوطنية الناجمة عن توليد الطاقة الكهربائية بحلول عام 2030 بنحو الثلث نسبة إلى مستواها في عام 2005. وسوف يكون تمديد الإعفاءات الضريبة لمنتجي ومستهلكي الطاقة المتجددة مفيدا إلى حد كبير في تعزيز هذا الهدف.

ولكن حتى تحقيق أهداف اتفاق باريس لن يكون كافيا لتجنب ارتفاع كارثي في درجات الحرارة العالمية. بل يتعين علينا أن ندفع أهدافنا إلى مستويات أعلى من خلال تعزيز الطاقة النظيفة، ووسائل النقل النظيفة، والصناعة النظيفة. وسوف تكون الدراية والبراعة الأميركية لا غنى عنها لتحقيق هذه الغاية.

الواقع أن ترمب يريد بالفعل الاستثمار في الطاقة والبنية الأساسية. وإذا فعل هذا على نحو رحيم بالبيئة، فسوف تجني الولايات المتحدة فوائد هائلة، وسوف تعود هذه الفوائد على بقية العالم أيضا. وإذا لم يدرك هذا القطب الفاحش الثراء الذي تحول إلى رئيس التهديد المتمثل في تغير المناخ، فينبغي له على الأقل أن يكون قادرا على إدراك الفرصة التجارية الهائلة عندما تسنح له.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك