مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

 
أجلت كتابة هذا المقال حتى صدور كتابي الأخير (فكرُ السيرة) لكي تتضح المعالم الفكرية لمضامينه لقراء الجزيرة نت، الذين تابعوا معي باهتمام مسيرة التحريرات الفكرية للوعي الإسلامي الجديد، وبالتالي يمكنهم اليوم أن يجدوا في الكتاب كل مالم نفصله في هذا المقال، سواء كان مصدرا لتأصيل شرعي، أو مبحثا لتجديد مقاصدي فكري يؤكد حقيقة المادة الفلسفية الكبرى للطريق الحقيقي لإنقاذ الإنسان في الرسالة الإسلامية.

إن أول ما يُتوقف عنده في هذا المقال، هو واقعُ المسلمين المفجع، في مصيرهم الذي تفتك به الأمم، وتتداعى عليهم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وفشلهم الذاتي في إدارة حوارهم الداخلي وانقساماتهم الكبرى وتخلفهم الذي يمثل وقود الحرب للتدخل الدولي السافر. فمن أين لهم أن يصفوا جرعة الدواء للعالم الجديد، وهم في سقام متنوع؟ وهنا أول مفاهيم التصحيح.

إن الرسالات السماوية هي رسالة واحدة في أصلها، ومفصلة بحسب الزمان في فروعها، وتقييم المناهج الوضعية المتعددة، بل حتى الديانات التي تصنفُ وثنية أو خرافية فيها أصل إلهي ولكن أخفى ضوأَه تكدس الخرافة، كما هي الحال عند الهندوس حيث رمز التعبد لديهم هو الإله الخالق الراعي، غير المنظور، لا البقرة، لكن تداخُل ذلك بتعظيمات وتقديسات أخرى، أثّر على صفاء الروح لتوحيد الخالق، ونماء العقل بفردانية التوحيد.

إن أول ما نتوقف عنده في هذا المقال، هو واقعُ المسلمين المفجع، في مصيرهم الذي تفتك به الأمم، وتتداعى عليهم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، وفشلهم الذاتي في إدارة حوارهم الداخلي وانقساماتهم الكبرى وتخلفهم الذي يمثل وقود الحرب للتدخل الدولي السافر

هذا التقييم يقوم على وجود وثيقة فكرية يتداولها الناس لنصوص التعبد، والفهم لهذا الخلق، ثم ماهي مهمته في الحياة وأين مصيره، وكيف يجمع ذلك كله، إلى حقه في العيش الكريم، وشراكة الاستخلاف البشري مع كل الأسرة الإنسانية، مؤمنها وكافرها، وكيف تكون هذه الرسالة محل استقرار وجداني، وتراض اجتماعي للنفس المطمئنة في الخليقة البشرية.

وهذا النص موثق بكتاب الله الذي لا تزال وستبقى حجته قائمة عبر جدل عقلي فعلي وتحد زماني لم تستطع كل محاولات القرون والعهود أن تُسقط قداسته وإعجازه، وهنا مبحث مهم للغاية، وهو أن يُبقي الله عزّ وجل، معجزة القول والفكرة في القرآن خالدة، ويُنهي المعجزات الأخرى بزمانها.

وذلك لأنّ هذا القرآن هو حبلُ الإرشاد بالوعي والتفكير والعقل والتنوير للهدي المستقيم، وأن مقاصد الشريعة ممتدة في الزمان والمكان، لا يُمكن أن يحيط بها أحد، أو تراث زمن، وإن ساهم كل زمن بحظه وحصته، وقد تَسقط فطرة بعضهم لتخلف وعيه، وأزمة نفسيته عالما شرعيا أو مجتمعا إسلاميا، لأنه لم يأخذ بحبل الله في الرشاد، وسقط في انحرافه وعصبيته.

إن القصة القرآنية قالت للخليقة منذ مبدأ التنزيل إن هناك شروطا للوصول إلى النجاة الكبرى، والاستقرار والنماء في الحياة الإنسانية، ثم يذهب الناسُ لمصيرهم بعد الحياة الدنيا، ولا يظلم ربك أحدا، ولا يقوم هذا النجاح وتلك النجاة، عبر هجر سنن الله في الكون، وتلك خطيئة المسلمين الكبرى، التي وضحتها السيرة كنص تفسيري مهم، يجلي معنى ضروراتها في الحياة البشرية والرسالة الإسلامية.

لقد قسم علماء المسلمين قديما كتاب الله عز وجل إلى قرآنٌ مكي وآخر مدني، أي ما بين ما أُنزل في مكة وما أُنزل في المدينة، لفهم التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وهي دلالة موفقة لحرصهم على فهم مسارات التشريع، لكن التقسيم الآخر المهم للغاية لم يحظ بقدره المطلوب لدى تاريخ التشريع الإسلامي، رغم أن أئمة المغاربة وخاصة ابن خلدون سجل فيه تحولا نوعيا منذ القرن الثامن الهجري، وعبر هذا الاجتهاد العظيم، توجه الغرب كليا له لينصب الإمام ابن خلدون ليكون أستاذه الأكبر في علم الاجتماع، علم رسالة الإنسان والعمران.

ومع تداول شخصيات من الأمة رسالة التحول لدى ابن خلدون كنوع من بعث إسلامي مقاصدي ضروري ارتبطت به نصوص الشريعة، فإن هذا النبض كان أقل مما يجب بكثير، ولا يُنكر حجم التداول الغربي لفكر الإمام ابن خلدون، الفقيه والمفسر والسياسي الاجتماعي، وورع الفقيه الإسلامي فيما بينه وبين الله، وفائدته للبشرية.

لكن المشكلة أن نزعة التطرف العلماني الوجودي لم تسمح للغالبية من المفكرين الغربيين، بفهم ماذا يعني اقتران العمران برسالة الوحي، وانسجامها معه في تطابق لا نظير له، لخلل فكرة الدين والخلق ونزعة الإلحاد لديهم، أو لفكرة عنصرية ضد تدين الشرق، فساهم نقص المعلومة في سيطرة الفكرة القديمة عليهم، فقُرن الإسلام وبخطيئة كُبرى بالمسيحيّة المحرفة.

هذا التقسيم لمعاني التنزيل، كان يمكن أن يُعطي مفاهيم كبرى تساعد في وعي الرسالة، لو وزع في فهمه على:
1- قرآن الكون.
2- قرآن الدعوة.
3- قرآن المآل.

وهذا التقسيم بذات فكرة التفسير بين المكي والمدني، تقسيم معنى لا مبنى، يقود إلى فهم أعمق لدلالات الرسالة وقرآنها العظيم، وبالتالي يُسهّل على الباحثين عن المعرفة والفلسفة الكونية، وازدواجية الإيمان والنهضة، فهم معالمها في الرسالة، وحججها المتواترة كالمطارق العقلية للتنبيه والتوعية.

لا تزال فئامٌ من مفكري الغرب أو شخصياته، تنضم للإسلام طوعيا، إما لعقلانية خطابه المعجز، أو لخصوصية وصوله للوجدان والروح والطمأنينة الكبرى، بما لا يجده الفرد في أي دين، وإن وجدَ شيئا من خطاب الروح في كل دين فساهم في هدوء باله

وهنا يتبين لنا الفشل الذريع في التاريخ الإسلامي عن تحقيق معالم النصر والنهضة، حين اختل الميزان عبر نفس ما حذر منه التشريع، فخُلط فهم قرآن الدعوة بقرآن المآل، دون تفصيله المهم بين التعبد الأخلاقي والشعائري، ولم يُحتج بكل منهما في مقامه، بل صُيّر قرآنُ الدعوة وكأنه مضاد لقرآن الكون، فطاش العقل المسلم واضطرب، أو احتج على فشله وقصوره بآيات تعاكس ما ذهب إليه من احتجاج، وأصبح القدرُ خيره وشره حجة يصادم بها النص المنزل في قرآن الكون، ليبرر فشله، وليس إيمانا احتسابيا يدفعه للتصحيح نحو قرآن الكون المرشد.

وعليه فهذا المعلَم هو أهم معالم فهم السيرة النبوية التي حين تُقرأ كليا بكل أحداثها ثم يُوزع مسارها، تُعين على فهم القرآن والرسالة، وهو توضيح لمن سأل السؤال القديم عن فشل المسلمين، فاللهُ عز وجل لم يجعل مطلقا للمسلمين عصمة في مسار نصر ونجاح دون قرآن كونه وسنته، وإن بَلَّغَهم وأخذ عليهم العهد بقرآن دعوته.

لقد أخل المسلمون مبكرا بعهد الشورى والحريات، وعظمت مظالمهم بعد الراشدين، وهي المظالم التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وحذرهم من مآلها، وحين اتبعوا سنن الله في قرآن كونه، أوصلوا دعوته وفهم الناس قرآن مآلهم، ومن شاء فليُسلم ومن شاء فليكفر بنص كتابه العزيز.

ولذلك لا تزال فئامٌ من مفكري الغرب أو شخصياته، تنضم للإسلام طوعيا، إما لعقلانية خطابه المعجز، أو لخصوصية وصوله للوجدان والروح والطمأنينة الكبرى، بما لا يجده الفرد في أي دين، وإن وجدَ شيئا من خطاب الروح في كل دين فساهم في هدوء باله.

وتتبع السيرة بهذا المفهوم ينقل المسلم المعاصر إلى الوعي الإنساني الكبير، في رحلة قائد البشرية صلى الله عليه وسلم، ولا تخدعه استدلالات الغلو أو التمييع مستشهدة بهذا أو ذاك النص، فالفهم الدقيق يُفسره تسلسل الأحداث، والواقعية التي سار بها النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته، وفي علاقاته مع البشرية، حينها وحسب، يُدرك العالم الجديد وصفة العلاج المنقذ، ليس عبر منابر صراخ وعظية، خالفت سنة الله الكونية، ولكن بدلائل الفكر والإيمان العقلية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات