مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


في عيدها العشرين تبدو الجزيرة اليوم أكثر قوة وثباتا وتألقا، وتسمو كمنارة في فضاء الإعلام والاتصال وميادين الوعي والمعرفة، وتتوقد سراجا منيرا ينشر إشعاعاته الهادية للقيم والحقيقة، والمكرّسة لكل ما هو جميل وإنساني في الحياة.

عشرون عاما من العمل الحثيث والعطاء المتواصل، عشرون عاما من النجاح وبعض التعثر، من النحت في الصخر، من المكابدة وسط المكاره والعقبات، من السير وسط حقول الألغام، من التجاسر على الألم والمعاناة، حتى أضحت الجزيرة منظومة إعلامية متميزة، ونموذجا فريدا ضارب الجذور في عمق الوعي الجمعي العربي والإسلامي، وحالة نوعية ذات شأن وتأثير في الفضاء الدولي الفسيح.

تجربة الجزيرة ليست كأي تجربة، فقد شكلت انطلاقتها انقلابا على واقع مزر بكل معنى الكلمة، وأرخت لعهد جديد من الكلمة الحرة والموقف الملتزم الذي لا تقيده ألوان الترغيب والترهيب وسطوة الرعب والتخويف والعقاب، فأنبتت نبتا سليما وأثمرت ثمرا يانعا نجد حلاوة مذاقه وعِظم فوائده في صفحات التغيير التي تركت آثارها على واقع الأمة طيلة العقدين الماضيين.

ما ترسخ في وعينا طيلة العقدين الفائتين أن الجزيرة هي كتاب مفتوح لا يعرف ملوّثات المهنة وأدرانها العفنة التي صادرت إرادات وشوهت ضمائر لا حصر لها في عالم الصحافة وميادين الإعلام، ومشروعا كبيرا يعكس جودة المبنى وقيمة المعنى في إطار معالجاتها المختلفة التي تتلاحم مع آلام وآمال الشعوب، وتتفاعل مع همومها وقضاياها، وتلتمس نبضها واتجاهاتها، وتستشرف آفاق حاضرها ومستقبلها، وتعيش معها جنبا إلى جنب، ولحظة بلحظة، في مشوارها الميمون نحو الأمل والنهضة والاستقلال.




لسنا في معرض المدح والثناء للجزيرة، وإن كانت تستحق بجدارة المدح والثناء، فالمقام هنا مقام وفاء للجهد والتضحية والإنجاز الذي أثبت جدارته على مدار عقدين من الزمن، وكلمات وفائنا لا تتجاوز -بحال- القدر الموضوعي، ولا تطغى على اعتبارات الحقيقة والواقع.

لقد أنجزت الجزيرة الكثير وحققت العديد من الأهداف النبيلة منذ انطلاقتها.
فمنذ اللحظة الأولى لمعانقتها الأثير وملامستها العقل والوعي العربي والإسلامي، عملت الجزيرة وفق إستراتيجية إعلامية واضحة، فكان الالتزام المهني والأخلاقي عنوانا للمراحل المتعاقبة، وكانت أشرعة الحرية والانفتاح على الأمة بأطيافها وتوجهاتها المختلفة تحمي السفينة المبحرة وسط أنواء المحن والخطوب وعواصف الجمود والتخلف والتبعية والتقليد.

لقد رفعت الجزيرة -وما زالت- لواء الحقيقة وشعار الرأي والرأي الآخر، وافتخرت بانتظامها ضمن سياقات الحرية والوعي والحضارة، فلم تنقل الخبر الصادق المجرد فحسب، ولم تنشر الحقيقة أمام الجماهير فقط، وإنما أسهمت في بناء وعي الأمة وصناعة فكرها وثقافتها، وعملت على تبديد رواسب الجهالة وموروثات التخلف والقمع التي سيطرت على الحياة العربية عقودا من الزمن، وبذرت بذرا خصبا في تربة نقية كي ينبت الأمل ويورق الوعي ويعلي شجرة الحرية الباسقة التي تناطح أغصانها الغضّة عنان السماء.

من هنا لم يكن مستغربا أن تُحدث الجزيرة ثورة في الفكر العربي المعاصر، فقد بدت جرأتها الكبرى ومهنيتها العالية وعمق الطرح والأداء الذي غلب على مخرجاتها، أشبه ما يكون بالغيث الذي يروي الأرض العطشى، فينبت فيها الحياة من جديد.

وهكذا، أصبحت الجزيرة بين عشية وضحاها قبلة الجماهير التي وجدت فيها ضالتها المنشودة، لتنهل من معينها النقي وترتوي من نهرها العذب الذي حمل لها قيم الحرية والانفتاح في وقت تحولت فيه بعض وسائل الإعلام إلى أدوات ناطقة باسم الأنظمة، فيما يتحسس البعض الآخر المحددات المرسومة كي لا ينصبّ عليه الغضب ويناله العقاب.

ولأنها ذهبت بعيدا وأصابت المناطق المحرمة وتجاوزت الخطوط الحمراء التي رسمها أرباب الجاهلية، لم نستغرب أن تستبد الغيرة والحسد بالكثيرين، دولا ومراكز قوى وأحزابا ورجال أعمال، لتظهر على الشاشة بعد عدة سنوات قنوات جديدة تحاول إطفاء وهج الجزيرة وطيّ صفحتها إلى الأبد.

لكن كل التجارب الجديدة على كثرتها بدت ضعيفة، والتمست تقليد ومحاكاة الجزيرة في مختلف أدائها ومعالجاتها الإعلامية كالببغاوات، ولم تفلح في التغطية على الجزيرة أو حجب الجماهير العربية عنها رغم ضخامة الأموال التي ضُخَّت لذلك، لأنها افتقدت الحرية التي ملكتها الجزيرة، ولأنها ارتضت الكمون في جحور التبعية دون فضاء الأصالة والصدق والانفتاح.

حين نتحدث عن الجزيرة فإننا لا نتحدث عن حالة إعلامية معصومة العمل والأداء، لكننا نتحدث عن عمل وجهد ومبادرة تبلورت في مقاربة رائعة، تحرت القيم الأخلاقية والتزمت بالعهود الإنسانية والمواثيق المهنية، وتوسلت بالهمة والعزم والاجتهاد، ليكون أول مهامها غرس أشتال الحقيقة والحرية في بساتين العقول وحقول القلوب، والتصدي لقيم الظلم والظلام التي ألقت بظلالها السوداء على العقل العربي الجمعي طيلة العقود الماضية.

ولا يعني ذلك أن الجزيرة قد تنزهت عن الخطأ، فهي -كأي تجربة بشرية- تصيب وتخطئ، وتتحرى النزاهة والصواب في أعمالها وسياساتها، وتمضي في مسيرتها الإعلامية والتنويرية مع ما يكتنف ذلك من إيجابيات أو سلبيات على السواء.

لكن الفحص المهني والتقييم الموضوعي لأداء الجزيرة طيلة العقدين الفائتين يشي بحجم الإنجاز وعمق التجربة ورشد المسار رغم بعض العثرات والأخطاء التي لا تخلو منها أي تجربة بشرية على الإطلاق.

قيل في حق الجزيرة الكثير حقا وباطلا، وألّف البعض في حقها الكتب وأعدوا البحوث والدراسات، لكن أحدا ممن يقدر الموضوعية والفكر الحر، ويتبنى قيم النزاهة والشفافية، لم يجرؤ على الطعن في أصالتها ومصداقيتها والنهش في كيانها ومشروعها الكبير، دون أن يعني ذلك إغفال سلبيات وأخطاء تفرزها طبيعة الأداء الإعلامي المتسارع، وحقيقة السيكولوجية البشرية التي لا تعرف الكمال، فضلا عن اجتهادات تتساوق مع مراحل ومنعطفات زمنية معينة وقد يصاحبها نوع من الخلل أو الخطأ أو الإخفاق الطبيعي في بعض الأحيان.

ولأن الجزيرة لا تعبر عن مفردة إعلامية صغيرة، ولأنها أكثر ما تكون انسجاما مع أساسها المهني السليم وأصلها القيمي المتين، فقد شكلت استقامتها المهنية العالية واحتضان جماهير الأمة لها الضمانة الأهم لاستمرارها وحماية مسيرتها.

لذا، أدركنا من البداية أن الجزيرة، بما حملته من مشروع نظيف يستهدف الدعوة لتغيير واقع مرير، لن تعرف طعم الراحة ومذاق الاستقرار يوما، وأنها ما دامت اختارت درب المواجهة واقتحام الواقع وهدم أصنامه الموروثة، فستواجه، يقينا، حربا بل حروبا متعددة المصادر والجبهات، وستكون المتاعب قدرها الدائم.

ما تعرضت له الجزيرة من شدة وضغوطات يصعب حصره وتشخيصه على عجالة، لأن المتاعب والعقبات أضحت ملح عمل الجزيرة اليومي، وجزءا لا يتجزأ من هوائها الذي تتنفسه وتستقوي به على الارتقاء والنهوض وإعلاء الراية والاستمرار في أداء الرسالة مهما كلف الثمن.

وعلى مدار مسيرتها الحافلة أضاءت الجزيرة قناديل الحقيقة والحرية واحدا تلو الآخر، وقدمت الشهداء من أبرز صحفييها البررة وطواقمها المخلصة التي عملت دون كلل أو ملل أو وجل في أعقد المراحل وأحلك الظروف، وتعرضت للكثير من القمع والعنت والمضايقات والممارسات التعسفية بما في ذلك إغلاق وقصف مكاتبها واعتقال مراسليها ومحاكمتهم.

ويكفي الجزيرة شرفا أنها أُدرجت ضمن قائمة العداء لكل الطغاة والمستبدين الذين رأوا فيها خطرا يهدد عروشهم، وهذه شهادة استقامة وسلامة منطلق ومسير، فالفضلُ -وفق المثل المأثور- ما شهدتْ به الأعداء.

يخطئ من يعتقد أن دماء شهداء ومعاناة صحفيي وإعلاميي الجزيرة، وكل وسيلة إعلامية نظيفة، يمكن أن تضيع سدى أو تذهب هدرا، فهذه الدماء وهذه المعاناة، عبر رسالة القيم والحرية والحقيقة التي تروجها وتنادي بتطبيقها، ترسم ملامح فجر مشرق وغد واعد ومستقبل زاهر للأمة، تنبت فيه سنابل الخير وأزهار الأمل والكرامة والانتصار.

لشهداء الجزيرة، على اختلاف مراتبهم وأعمالهم، حق كبير في أعناق الجميع، فهم الذين تصدروا مشهد الحرية والتنوير في العالم العربي، وشكلوا ترسا قويا ضمن الماكنة الإعلامية الهادرة التي عكست نتاجها السياسي والفكري والثقافي في كل عقل وبيت عربي.

إنه ثمن الانتماء لمهنة المتاعب، وضريبة الانحياز لرسالة الحقيقة التي لا تقبل التحوير أو التلوين أو حتى القسمة على أنصاف الحقائق، وثمن الاصطفاف مع حرية وكرامة وحقوق الشعوب.

في عيدها العشرين، وفي ظل انطلاقتها المتجددة ودورتها البرامجية الجديدة، تزداد الجزيرة تمسكا بالمنهج العلمي الرصين، وتزداد إدارتها الفنية رشدا، ويخضع أداؤها باستمرار ليد المراجعة والتقييم، وتدخل إلى عقد جديد وعشرية جديدة بنَفَس واثق وروح جماعية عالية.

عشرون عاما مرت على انطلاق الجزيرة كالبرق، ولا زلت أذكر مدى حب الناس لها، وكيف أن أبناء شعبنا الفلسطيني المقهور الذين اكتووا بنيران وقمع وجبروت الاحتلال، كانوا الأكثر سعادة بين أبناء الأمة بانطلاقتها الرائدة، وكيف كانوا يتحلّقون بكل شغف ومحبة حول الشاشة الصغيرة انتظارا ومتابعة لأخبار وبرامج الجزيرة المختلفة.

وإذ تطفئ الجزيرة شمعتها العشرين لتضيء شمعتها الحادية والعشرين، فإننا -وهذا حقنا عليها- نأمل منها أن تقترب من قضيتنا المركزية، القضية الفلسطينية، أكثر فأكثر، وأن تضعها على رأس أولوياتها وتجعل منها زادها اليومي والقوت الدائم لمختلف برامجها، وأن لا يصرفها عن تطوير آليات معالجاتها للشأن الفلسطيني وتفصيلاته العميقة وتاريخ فلسطين وقضيتها، غفلة قادة الفلسطينيين وانغماسهم في صراعاتهم العابثة ولهوهم المقيم.

لا يمكننا إلا رفع القبعة عاليا للمعالجات الموضوعية للجزيرة للشأن الفلسطيني، إلا أننا -وبحكم المخاطر والتحديات التي تحيق بالفلسطينيين وقضيتهم ومقدساتهم وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك الذي يتهدده الهدم في أي وقت- ننتظر من الجزيرة خطة أكثر عمقا وشمولية لإيقاظ العرب والمسلمين والرأي العام العالمي لما يجري في فلسطين، وتجنيد كل أحرار العالم لعزل إسرائيل دوليا والدفع باتجاه محاكمة قادتها كمجرمي حرب أمام المحاكم الدولية.

كَبُرت الجزيرة، وكبرت معها آمالنا وأحلامنا، لكن أمتنا اليوم ترجو من الجزيرة ما هو أكبر خلال عقدها القادم، فحال الأمة الكئيب، ودخول بعض بلدانها مرحلة التشظي والتفتيت والتقسيم، واستسهال القتل وسفك دماء الأبرياء هنا وهناك، يُملي على الجزيرة أمانة عظمى وواجبا ضخما ينبغي أن تلبي نداءه وتدفع استحقاقاته بكل المقاييس.

وختاما.. فإن الجزيرة التي تحيط بها غابة لا متناهية من وسائل الإعلام والاتصال، مطالبة اليوم أن تواصل الحفاظ على حسن ظن جمهورها بها، وأن تبحث عن كل ما هو جديد لإشباع فكر وعقول متابعيها، وأن تكرس العمق والشمول في معالجاتها الإعلامية المختلفة، وتعمل على إدامة تفوقها وتميّزها عن الآخرين عبر آليات التطور والتجديد على قاعدة المصداقية والموضوعية التي لا يتقن فنّ الالتزام بها إلا أقل القليل.

المصدر : الجزيرة

التعليقات