عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري


فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية واقعة أميركية اجتماعية شديدة الخصوصية لا يصح أن تغيب عنا ونحن نستشعر كمسلمين الخطر من جهته. وهو خطر حق لأنه لم يترك سانحة إلا وانتهزها مشهرا البغضاء علينا. ولكن ربما كان فهمنا لفوز الرجل كواقعة أميركية اجتماعية هو أقصر الطرق لنحسن تحليل خطره علينا وفهمه.

قال كاتب بالواشنطن بوست إن فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية يقع في سياق الانبعاثات القومية الغربية التي ضربت أوربا (مثل انفكاك بريطانيا من الاتحاد الأوربي) لتنتهي عند الشاطئ الآخر للمحيط الأطلنطي.

وبدا أن القومية التي أخرجها ترامب من مكمنها، حتى حملته للفوز بالسدة الأميركية، هي قومية الرجال الأميركيين البيض في وجه حلف قوس قزح الذي تراص خلف كلينتون من البيض ذوي الدرجات الجامعية والنساء والسود واللاتينيين.

بدا أن القومية التي أخرجها ترامب من مكمنها، حتى حملته للفوز بالسدة الأميركية، هي قومية الرجال الأميركيين البيض في وجه حلف قوس قزح الذي تراص خلف كلينتون من البيض ذوي الدرجات الجامعية والنساء والسود واللاتينيين

وهذه القومية هي التي قامت على أكتافها الولايات المتحدة في 1783؛ فلم تحظ حتى النساء البيض في حلف هيلاري كلينتون بالمواطنة إلا بانتزاع حق التصويت في 1919. ناهيك عن الأميركيين الأفارقة الذين ما زالت مواطنتهم بين شك وظن كما أظهرتها حادثة فيرغسون وذيولها من بعد ذلك.

وتقع الطبقة العاملة البيضاء في منتصف دائرة الحلف القومي لترامب. وكانت الهمة السياسية لهذه الطبقة من وراء ترامب موضوع كتاب شغل الناس وصار قراءة مرغوبة. والكتاب هو "مرثية طغام سكان الجبال" للمؤلف جي دي فانس استوحاه من العيش بين أهله في مصانع شرق ولاية أوهايو. ووصف الكتاب من عرضه في الصحف بأنه صار "حجر رشيد" لتفكيك غوامض صعود نجم ترامب السياسي وفوزه بالرئاسة الأميركية كما رأينا.

فمن وراء ترامب هو هذه القومية البيضاء الغاضبة ممن لم يحصل أكثرهم (60%) على شهادة جامعية في مواطنهم التي ازدهرت فيها -لفرط فاقتهم- محلات رهن الممتلكات. ويرتكز هذا الحلف القومي الأبيض على أصحاب الياقات الزرقاء، العمال، الذين وصفهم الكاتب بأنهم طبقة مهجورة من قبل رأسماليتها نفسها لأنها رحّلت مصانعها إلى جنوب العالم لقاء الأيدي الرخيصة، وأودعت كسبها في بنوك الجزر الغامضة تهربا من دفع الضريبة للخزينة الأميركية. فلم يبق لها سوى التخبط في صدأ التركيبة الاجتماعية. فتسارع الطلاق في أوساطها، وتضرجت بيئة الأسر بالعنف بين الأزواج، وتراخى أفرادها في شهود الكنيسة يوم الأحد.

إذا كان تضعضع حال فقراء البيض هو سببهم الداخلي للوقوف بجانب ترامب فسببهم الخارجي هو ذعرهم من الإرهاب الموصوف بالإسلامي في الغالب، والذي أخذ يطرق أبواب مدنهم ومحالها، وهو خوف بلغ مداه ووصل إلى أن بعض صفوة الحزب الجمهوري الترامبيين مثل رودي جولياني، عمدة نيويورك خلال مأساة 11 سبتمبر/أيلول، ونيوت قنقرتش، رئيس مجلس النواب الكاريزماتي في التسعينات، لم يحتشما في المطالبة بتسمية هذا الإرهاب بالإرهاب "الإسلامي" تخصيصا. فلم يجد قنقرتش غضاضة في طلبه استجواب كل مسلم. ومتى قال بإيمانه بالشريعة استحق الطرد من البلد. ومثل هذا القول الفاحش -وغير الدستوري- هو ما يريد القوميون البيض الغاضبون سماعه من صفوتهم.
فقد نفذت هذه القومية البيضاء الذكورية إلى الاعتقاد في ترامب، ولم يحجبها عنه انفضاض حتى صفوة الحزب الجمهوري عنه. فاعتزلت القومية هذه الصفوة واستبدلتها بشعبوي ناطق بأوجاعها بغير مواربة، بعد أن رأت أن صفوتها التقليدية خذولة غيبت صوتها في السياسة من فرط التزامها بالحديث السياسي المحتشم (بوليتكالي كوركت). وهو حديث يراعي إلا يخدش حياء مفردات طيف الحلف الآخر من نساء وسود ولاتنيين.

إذا كان تضعضع حال فقراء البيض هو سببهم الداخلي للوقوف إلى جانب ترامب فسببهم الخارجي هو ذعرهم من الإرهاب الموصوف بالإسلامي في الغالب، والذي أخذ يطرق أبواب مدنهم ومحالها، وهو خوف بلغ مداه

كما لم يمنع هؤلاء القوميين البيض من التراص خلف ترامب تنصل وجوه الساسة الجمهوريين ممن هم في مقام جون ماكين، المحارب القديم المبجل، والمنافس الجمهوري السابق لأوباما في 2008، والسيناتور المحترم من أريزونا، عن تأييده. بل لربما استمتع رهط ترامب بالإساءات التي كالها ترامب له حتى طعن في تضحياته العسكرية. ولم يتقيد ترامب ببروتكولات هذه الصفوة الجمهورية فظل يلوح ببناء الحائط بين أميركا والمكسيك، بينما تواضعت هي على كسب اللاتينيين بعد درس سقوط مرشحهم للرئاسة، مت رومني، في 2002 لاعتزال اللاتينين له.

قالت الواشنطن بوست إن هذه القومية البيضاء وجدت في ترامب بطلها الذي "سيعيد أميركا قوية مرة ثانية" كما هو شعاره، ووقفت بصلابة من خلفه بينما كانت مباذله الجنسية تترى من الوسائط الإعلامية. وبدا من عدم اكتراث هؤلاء الرجال البيض لهذه المباذل التي قوضت من قبل مصائر سياسية أميركية معروفة أنهم كمن يحسدونه على فحولته.

وبينما نظر القوميون البيض لترامب كبطل؛ رجّح كاتب آخر أنه بالأحرى "أفيون الشعب". فهو الطريق السهل لهم للهروب من ألمهم الحقيقي.. ووصفه بأنه الهروين في عرق أميركا الجماعي. وزاد بأنه أفيون ثقافي يجعل بعضهم يشعر بشيء من التحسن غير أنه لن يشفي علل أميركا إن لم يزدها وخامة، وسيكتشف الأميركيون هذه الخدعة وشيكا.

ولا أعرف من أصاب هذا المعني مثل جورج ول، الكاتب المحافظ المخضرم، الذي استقال من الحزب الجمهوري استبشاعا لأنه لم يجد غير ترامب مرشحا للجمهورية، بقوله: "إن ترامب سينهي الولع المجنون بالتفكير".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك