عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

قضايا الغلو والعنف
المشكلات المنهجية
طريق واحد للتغيير

بعيدا عن المقاربة العسكرية والأمنية لمواجهة جماعات العنف التي انتشرت في منطقتنا بعد غزو العراق ثم بعد تحويل الثورة السلمية السورية إلى حرب إقليمية ودولية، ستظل هناك حاجة إلى التفكير الهادئ في حلول جذرية لمسألة الغلو. فالغلو لن يختفي حتى وإن تمت إبادة التنظيمات المسلحة القائمة اليوم في العراق وسوريا وليبيا وسيناء وغيرها.

تحتاج هذه الحلول الجذرية إلى أمور كثيرة، سأقف اليوم على بعد واحد جوهري يتصل بأدبيات الغلو من حيث معرفة القضايا التي تدفع الغلاة إلى غلوهم، ومن حيث فهم كيف ينتج الغلاة أدبياتهم التي تستخدم في جذب الشباب الذي يبحث عن معالجات لتلك القضايا.

المطلع على أدبيات جماعات الغلو التي تشكل مرجعيتها الفكرية والتي تتضخم بشكل سريع، يكشف حجم الأخطاء المنهجية التي احتوتها فضلا عن الموضوعات أو المظالم التي تحرك هؤلاء الذين يلتحقون بتلك الجماعات. إن معرفة هذه الموضوعات والأخطاء قد تساعد على وضع أجندة عمل (بحثية وعملية) مقابلة، صار واقعنا الحالي في أمس الحاجة إليها، للمساهمة أولا في إنقاذ الشباب الذي يلتحق بهذه الجماعات والذي أغلقت أمامه كل طرق التغيير السلمية، وثانيا في وضع المعالجات الضرورية للمظالم التي ولّدت ظاهرة الغلو والعنف وسط شبابنا وتحقيق التغيير الذي نصبو إليه.

قضايا الغلو والعنف
القضية الأولى في أدبيات العنف والغلو متصلة بالعقيدة وتصحيحها وأصول اعتقاد أهل السنة والجماعة والآداب والأخلاق. هناك اهتمام كبير بهذه المسائل في ضوء ما تراه هذه الأدبيات خروجا على أصول العقيدة وأخلاق الإسلام.

video



لا شك أن مجتمعاتنا تعاني من الكثير من المظاهر التي تتناقض مع كليات الإسلام الكبرى، بل ووصل الأمر إلى تلك الهوة الواسعة بين حرص الكثيرين على مظاهر التدين من الناحية الشكلية من صلاة وصوم وحج وبين اختراق معظم هؤلاء لأبجديات الأخلاق التي سنّها خالق الكون للإنسان منذ أن خلق البشر كالصدق والأمانة والإنصاف وغيرها.

هذا مؤشر على فشل متعدد الأبعاد والمستويات لمؤسساتنا الدينية الرسمية وغير الرسمية على حد سواء، ومعها مؤسسات التعليم والتربية والتثقيف. هناك جهد لابد أن يبذل هنا، فالدين عامل قوة لأصحابه إذا قام بوظائفه الحقيقية (الروحية والاجتماعية) في المجتمع بشكل مستقل عن الحكام التنفيذيين وعن التدافع السياسي، لكنه يتحول إلى عامل ضعف ونزاع إذا لم يحدث هذا.

أما القضية الثانية فتتعلق بالموقف من الحكم القائم في الدول الإسلامية، وما ترتب على هذا من تكفير الحكام وجيوشهم ومن والاهم من المؤسسات الدينية والإفتاء ومن الموظفين والأتباع، وما ترتب على هذا أيضا من مواقف أخرى كالموقف من القوانين الوضعية وسياسات الطغاة وسيطرتهم على الدين ومحاربتهم للدعاة، وكذلك الموقف من المفاهيم ذات الصلة كالديمقراطية والعلمانية والمواطنة والدولة القطرية. بجانب الموقف من الشيعة والصوفية ومن المدارس الأجنبية ومظاهر الاغتراب وغير ذلك.

هذه بلا شك مسألة في غاية الأهمية وهي أصل الداء في مجتمعاتنا. وكما كتبنا من قبل، نظم ما بعد الاستقلال ولدت مستبدة وفاسدة وتابعة للخارج، وهي تتجاهل، في جوهرها وليس في أشكالها، عناصر الهوية العربية الإسلامية ودورها في وضع المرجعية العليا لنظم الحكم. وطبيعة هذه السلطة وممارساتها هي المسؤولة عن الأوضاع التي هيأت الأرض لظهور جماعات الغلو والعنف.

ترتبط المسألة الثالثة بالعلاقة مع الآخر غير المسلم في الخارج، وما يرتبط بهذا من موضوعات كمظالم الأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية، ومفاهيم الولاء والبراء، والجهاد والأدلة الشرعية لقتال الطواغيت والغزاة، وعقوبات ترك الجهاد ودواعي مناصرة المجاهدين، والتربية الجهادية، وإعلام الجهاد، وأدلة ومشروعية ممارسات معينة مثل قطع الرؤوس وغيرها.

وتتصل بهذا أيضا مسألة المظالم التي وقعت على المسلمين أثناء وبعد الاستعمار وصولا إلى الظلم الذي لحق بأهل السنة في العراق والفراغ الناشئ عن انهيار الدولة وسيطرة إيران ثم الحرب في سوريا.

وهناك كتب تصف بالتفصيل نشأة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا من حيث أهميته، ووجوبه، ومشروعيته، والدواعي الشرعية والمبررات السياسية لقيامه، ووجوب مناصرته ودعمه.

هذه المسألة ترتبط بلا شك بمسألة الموقف من الحكم في الدول الإسلامية، وهي تحتاج إلى عمل منظم يعالج أولا الإشكاليات النظرية والعملية في شأن علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم والشعوب في ضوء ثوابت الإسلام ذات الصلة وفي ضوء أوضاع زماننا المعاصر، ويطور ثانيا طرقا للتفاعل مع الآخر للتعبير عن قضايانا العادلة واختيار أفضل الوسائل للدفاع عنها في ظل الامكانات والفرص المتاحة.

المشكلات المنهجية
تكشف أدبيات العنف والغلو أيضا جملة من المشكلات المنهجية التي وقع فيها كتّابها، لعل أولها مشكلة التفسير الانتقائي لنصوص القرآن الكريم والسنة الشريفة، والاعتماد على تفسير أو فهم معين لهذه النصوص وتجاهل التنوع الذي عرفته المدارس الفقهية للمسلمين عبر العصور.

video

وهناك مشكلة الاستناد إلى نمط واحد من المراجع في فهم التاريخ الإسلامي وفي فهم الواقع المعاصر وفي فهم علاقة الآخرين بالمسلمين. فالمراجع المعتمدة في معظم هذه الأدبيات ذات لون واحد تقريبا إذ تتبنى فكرة واحدة ونظرة واحدة في الفهم والتحليل دون أدنى اعتبار لبقية الأفكار والنماذج التحليلية الأخرى.

وهناك مشكلة في فهم التراث ومنتج الفقهاء عبر التاريخ، فمعظم الأدبيات تتجاهل السياق الاجتماعي للتراث وللفقهاء الذين أنتجوا هذا التراث. ولهذا بينما يستشهد البعض بشيخ الإسلام ابن تيمية في مواقع كثيرة لقتال غير المسلمين، هناك من يرد عليهم بفتاوى معاكسة من فتاوى ابن تيمية ذاته الذي نقل في الفتاوى عن آخرين القول بأن "ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان".

ويرتبط هذا أيضا بمشكلة أخرى في الاستدلال والاستنتاج، فالكثير من الأفكار تبنى على أفكار أو افتراضات محل اختلاف بين العلماء، كما هناك قطع لبعض النصوص عن مثيلاتها من النصوص.

وهناك مشكلة في فهم التاريخ واستخدام الأحداث التاريخية كدليل شرعي على أفكار أو حلول معينة لمواجهة تحديات الواقع بما في ذلك فهم العصرين النبوي والراشد. ولهذا جاء في أحد هذه الأدبيات جزء كبير عن ما أسماه صاحبه "ملمات" الدولة النبوية الأولى التي تعيد نفسها في الدولة الإسلامية الحالية.

هناك فجوة معرفية وجرأة في العلم وفي تقديم المعالجات دون الاستناد إلى جذور راسخة في العلم، فمعظم الكتاب لم يُعرف عنهم تخرجهم من جامعات أو معاهد معروفة أو أنهم ممن نالوا قسطا وافرا من العلم الشرعي. كما أن معظم أدبيات الغلو والعنف أنتجت تحت ضغوط الواقع، ولم تخضع لأي تحكيم علمي، أو لم تقدم في محافل علمية للنقاش والتمحيص. بل إن الكثير منها يفتقد القواعد الشكلية للكتابة باللغة العربية.

هذا فضلا عن خوض الكثيرين من كتاب تلك الأدبيات في قضايا معاصرة اعتمادا على قراءات مجتزئة ومحدودة جدا ودون أدنى قدر من الإحاطة بالأبعاد الرئيسية لتلك القضايا مخالفين في ذلك القاعدة القرآنية (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (سورة فاطر، الآية 14).

كما أن معظم أدبيات الغلو والعنف نتجت تحت ضغوط الواقع ولم تخضع لأي تحكيم علمي ولم تقدم في محافل علمية للنقاش والتمحيص. بل إن الكثير منها يفتقد القواعد الشكلية للكتابة باللغة العربية.

ومع هذا تتسم كثير من الكتابات بقدر من التعالي والشعور بامتلاك ناصية العلم والثقة العالية بالنفس. هذا فضلا عن النظرة الحدية الثنائية للأمور والتعصب للرأي وعدم النظر في الرأي الآخر.
وهناك مشكلة في فهم الواقع المعاصر وتحدياته والاستناد إليه لوضع طرق لمعالجة هذه التحديات. فمعظم الأدبيات تحاول فهم الحاضر بفهم السلف لواقع السلف.

وتتجلى هذه المشكلة الأخيرة بكل وضوح في فهم مسألة الحكم وإدارة المجتمعات سواء بشأن مسألة الحكم في التاريخ الإسلامي أو في الواقع المعاصر، حيث يتم الخلط بين بين المبادئ والقيم العليا (الثابتة) وبين الأنظمة والمؤسسات والهياكل (المتغيرة بتغير الزمان والمكان)، ويتم تجاهل السياقات الاجتماعية والتاريخية والسياسية فيما يخص تاريخنا الإسلامي، كما يتم القفز على تطور البشرية وإبداعات العقول الإنسانية في شأن طرق الإدارة والسياسة. كما يحلو للبعض أيضا الخلط بين الأنظمة من جهة والسياسات والنتائج من جهة أخرى وكأن كل نظام لن ينتج عنه إلا نوع معين من السياسات.

طريق واحد للتغيير
ارتباطا بكل ما سبق كان من الطبيعي أن تكون هناك مشكلة في وضع الحلول والتفاعل مع المظالم بدءا من قيام الدويلة القطرية على أنقاض الخلافة، ومرورا بظلم الحكام وتعسفهم وتبعيتهم للخارج، وانتهاء بانهيار الدويلة القطرية واندلاع الصراعات الصفرية في عدد من الدول العربية.

انطلقت معظم الحلول من حتمية التغيير من أعلى عن طريق إسقاط الأنظمة بالقوة واعتبار أن التغيير واجب عبر طريق واحد هو القتال المسلح للوصول إلى إقامة الخلافة وتخليص المسلمين من هيمنة الغرب.

video

لا تعترف الأدبيات بأي جدوى في أي حلول أخرى. إن العنف من وسائل التغيير وتاريخ البشرية ملئ بحالات التغيير العنيفة، لكن هناك أيضا وسائل أخرى غير عنيفة ثبتت صلاحيتها في كثير من الحالات عبر التاريخ. المشكلة الأساسية هنا ليس في تبني العنف أم لا، وإنما في تقدير الإمكانات والقدرات لمواجهة الخصوم من كافة الجوانب من جهة، وفي تقدير التداعيات المترتبة على العنف، أو على وسيلة أخرى، بناء على سنن الله الكونية في التدافع والصراع والتغيير من جهة أخرى. والمشكلة أيضا في تجاهل طرائق وسنن فهم وممارسة السياسة والعلاقات الدولية المعاصرة.

للأسف هناك اتكال شائع على الحديث الشريف الذي جاء في البخاري "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"، وكأن الحديث يجعل من أي عمل أو سلوك حتى لو كان غير مدروس وعشوائيا "اجتهادا" يثاب عليه صاحبه، وهذا غير صحيح لأن للاجتهاد شروطه وقواعده وطرقه.

وهناك اعتماد على مقولة "نعمل والنتائج على الله"، وهذه مقولة ظاهرها صحيح وباطنها يخالف جوهر الدين، فإذا أخذنا بالأسباب فعلا وعملنا بما يتفق وسنن الله في الكون (التي تتطلب الفهم والبحث وقراءة التاريخ القديم والمعاصر والمشورة والتخطيط وحساب المخاطر) فالنتائج على الله وستكون، بقدرته تعالى، إيجابية. أما إذا تم العمل بلا فهم وبلا تدبر في العواقب والتداعيات فهذا اتكال غير محمود ويدخل في باب آخر مختلف تماما هو إراحة النفس من اللوم والنقد، وذلك حتى لو توفر عنصر الإخلاص والنوايا الحسنة. وستكون النتائج هنا، بقدرة الله أيضا، وخيمة. والله أعلم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك