عامر راشد

عامر راشد

كاتب فلسطيني

قرع طبول الحرب
الأيادي على الزناد
نهاية لعبة شراء الوقت

"المصابون بانفصام الشخصية في أميركا، يعدون الأسلحة النووية ضد موسكو"، خبر خرجت به مؤخرا قناة "زفيزدا" التابعة لوزارة الدفاع الروسية، ويعبر عن المستوى السيئ الذي وصلت إليه العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية.

كما ينظر إليه من قبل المحللين باعتباره غير معهود بمثل هذه الحدة في الخطاب الإعلامي الروسي، التي تجعله أقرب ما يكون للمدرسة الإعلامية الكورية الشمالية، ليس فقط لجهة التوصيفات والمصطلحات المستخدمة في الهجوم على الإدارة الأميركية، بل أيضا لعدم التردد في الحديث بفجاجة عن أن حربا عالمية ثالثة، تستخدم فيها الأسلحة النووية، باتت قريبة جدا، ودعمت القناة المذكورة ذلك بنقلها عن مسؤول في وزارة الطوارئ الروسية قوله: "إن السلطات أسست ملاجئ تحت الأرض قادرة على تأمين أماكن لكل سكان موسكو" الذين يقدر عددهم بـ12 مليون نسمة.

وسريعا ما تحول الخبر المشار إليه، وتغطيات قناة "زفيزدا" في السياق ذاته، إلى غيض من فيض هجمات إعلامية روسية شرسة هذه الأيام عبر برامج وتحليلات وتعليقات، فحملة التخويف من نشوب حرب عالمية ثالثة تجتاح وسائل الإعلام الروسية بمختلف أنواعها، وتستمد ذخيرتها من تصريحات رسمية روسية تصور الأمر وكأن الحرب على الأبواب بالفعل، من خلال الدعوات إلى تقنين المواد الغذائية والمياه والدقيق، والطلب على لسان الرئيس فلاديمير بوتين شخصيا من المواطنين الروس الذين يقيمون في الخارج العودة إلى بلادهم في أسرع وقت ممكن.

وعموما؛ تهدف الحملة -بشكل أو آخر- إلى تثبيت مقولة مفادها "إن واشنطن تسعى لتبرير هجمات ذرية مستقبلية، عبر تشويه سياسات روسيا النووية"، وهو ما ركزت عليه وزارة الخارجية الروسية في بيان صدر عنها تعقيبا على تصريح لوزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر، قاله فيه: "البنتاغون يراجع دليله النووي ضد الهجمات الفظيعة من روسيا..".

قرع طبول الحرب
وقد ذهب ديمتري كيسليوف، المذيع المعروف ورئيس "روسيا سيفودنيا"، الوكالة الرسمية الرئيسة في روسيا، أبعد من مجرد التحذير من حرب عالمية ثالثة، بقوله في برنامجه "أخبار اليوم": إن التصرف الفظ تجاه روسيا قد تكون له أبعاد نووية. وأضاف: "روسيا هي الدولة الوحيدة القادرة على تحويل أميركا إلى رماد مشع". بينما رأى زعيم "الحزب الليبرالي الروسي" القومي المتطرف، فلاديمير جيرينوفسكي، في مقابلة مع وكالة رويترز أنه "لا يمكن للعلاقات بين روسيا والولايات المتحدة أن تكون أسوأ من ذلك. السبيل الوحيد لتكون (العلاقات) أسوأ من ذلك هو أن تبدأ الحرب".

ولتكتمل الصورة، بالعودة إلى مقابلة أجراها موقع "راشان دايركت" مع سفير روسيا لدى حلف شمال الأطلسي الكسندر غروشكو، في نهاية شهر مايو/أيار الماضي، فإن العلاقات الروسية الأطلسية تتجه نحو المزيد من التوتر والانحدار، لأن تدهورها، على حد وصف غروشكو، "لم يصل بعد إلى القاع". لكن ما هو القاع الذي يمكن أن تصل إليه العلاقات الروسية الأطلسية، وما الذي قد يقودها إليه؟

تجسيد التدهور في شكل عملي، من وجهة نظر موسكو، "ليس فقط قرارات سياسية، ولكن أيضا إجراءات عسكرية غربية، حيث يجري تحويل السياسة إلى تخطيط عسكري وتقني، والتدابير التي تتخذها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها الأوروبيون اليوم هي إعادة إنتاج نموذج المواجهة. وهذا النموذج بدوره سيؤثر على السياسة المستقبلية".

وبالطبع فإن هذا الأمر يثير قلق الكرملين الذي يراقب عن كثب تراكم قوة حلف الناتو وإنشائه بنية تحتية عسكرية بالقرب من الحدود الروسية، وحشده لقوات بحرية ضاربة في البحر الأسود، وزيادة عدد جنوده، وإعلانه على لسان أمينه العام ينس ستولتنبرغ، عن نيته تشكيل قوة بحرية في البحر المتوسط، وأن الحلف يراقب عن كثب تحركات القطع البحرية العسكرية الروسية في المنطقة.

وهذا الأمر ترى فيه روسيا استفزازا وتهديدا مباشرا جديا لأمنها القومي ومصالحها الحيوية، بعد أن ساد اعتقاد لدى القائمين على دوائر القرار في موسكو، قبل سنوات قليلة ماضية، بأن حلف شمال الأطلسي في طريقه نحو الاضمحلال والتلاشي.

الأيادي على الزناد
ليس من قبيل التهويل القول: "إن المواجهة العسكرية بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائهما يمكن أن تندلع في أي لحظة"، هكذا يدعي الإعلام الرسمي الروسي، بتأكيده أن منظومتي صواريخ "س400" و"س300" اللتين نشرتهما روسيا على الأراضي السورية في قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، جاهزتان لإسقاط الطائرات الأميركية والأطلسية، في حال قامت بقصف مواقع للجيش النظامي السوري، حيث اعتبرت القيادة العسكرية الروسية ذلك بمثابة تهديد مباشر للوحدات الروسية الموجودة في سوريا.

وتأخذ الولايات المتحدة التهديدات الروسية على محمل الجد، فالمتحدثة باسم البنتاغون، ميشال بالدانسا، قالت "إن نشر روسيا لمنظومات صاروخية متقدمة مضادة للجو في سوريا سيؤدي إلى تعقيد الوضع في الأجواء هناك".

أوكرانيا بدورها قد تكون ميدانا لمواجهة عسكرية طاحنة وشرارة لحرب شاملة إذا ما مضت الولايات المتحدة وحلفاؤها بعيدا في تغيير سياسة الناتو تجاه روسيا، وسعت لاستخدام الأزمة الأوكرانية مدخلا لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية في الجوار الروسي، لردع روسيا وتحجيم دورها.

وفي إطار أشمل؛ يؤكد مسؤولون سياسيون وعسكريون روس أن بلادهم تتعرض لمخاطر وتهديدات جديدة، ولا يمكن التغاضي عنها، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن القاعدة الجوية الأطلسية "أماري" في استونيا تبعد عدة دقائق عن سان بطرسبرغ، ما يعني خطر ظهور طائرات "إف35" محملة بأسلحة نووية قادرة على الوصول إلى العمق الروسي. كما أن افتتاح قاعدة للدفاع الصاروخي في رومانيا يندرج في إطار "تطبيق خطط مواجهة في منطقة البحر الأسود"، وهذا يفسر عنصرا مهما من دوافع سرعة تجاوب روسيا مع الخطوات التركية لإعادة تطبيع العلاقات بين البلدين.

وانتقدت موسكو بشدة إعلان الولايات المتحدة عن نجاح اختبار القنبلة النووية الموجهة "بـ61"، الذي أجرته القوات الجوية الأميركية في ميدان تونوب في ولاية نيفادا، ورأت فيه موسكو أنه يزعزع جهود نزع الأسلحة النووية، ويخل بميزان القوى، حيث يمكن استخدام تلك القنابل بالإضافة إلى قنابل "بـ12" كعنصر في هجمات إستراتيجية بواسطة القاذفات الثقيلة، أو باستخدام طائرات تكتيكية"، على حد قول نائب وزير الدفاع الروسي أناتولي أنطونوف.

في المقابل كشف نيكولاي بانكوف نائب وزير الدفاع الروسي، في كلمة له أمام مجلس النواب (الدوما) الروسي، أن الوزارة تدرس إمكانية إعادة قواعدها العسكرية إلى الدول التي كان فيها تواجد عسكري سوفيتي سابقا. والمقصود هنا كوبا وفيتنام.

لكن هل حقا يمكن لروسيا أن تذهب نحو مواجهة عسكرية مفتوحة وشاملة مع الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي؟ وهل الولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون جر روسيا إلى مثل هذه المواجهة؟

نهاية لعبة شراء الوقت
وفق ما قاله نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الروسي، أندريه كليموف، "إذا غيرت الإدارة الأميركية الجديدة موقفها من روسيا بعد الانتخابات الرئاسية، فإن روسيا ستدخل تعديلات على موقفها أيضا، وباعتقاد كليموف هناك العديد من المؤشرات على احتمال تراجع واشنطن عن الضغط على موسكو.

وقد صاغ فلاديمير جيرينوفسكي الفكرة في قالب أكثر فجاجة، بتحذيره المواطنين الأميركيين من التصويت لهيلاري كلينتون، مؤكدا أنهم بهذا يواجهون خطر الانجرار إلى حرب نووية. وأضاف: "على الأميركيين الذين سيصوتون لاختيار الرئيس في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني إدراك أنهم سيصوتون للسلام على كوكب الأرض، إذا صوتوا لصالح ترامب. لكن إذا صوتوا لصالح هيلاري فإنها الحرب. ستكون فيلما قصيرا وسيكون هناك هيروشيما وناغازاكي في كل مكان".

بناء على تصريحات كليموف وجيرينوفسكي، وتصريحات مسؤولين روس صبت في الاتجاه ذاته، انخرطت روسيا خلال الشهور الماضية في لعبة شراء للوقت، ستنتهي في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بإجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية، ودون شك سيترتب على ذلك وقوف الكرملين خلال الأسابيع القادمة أمام استحقاق إعادة النظر في خطط المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو، لاسيما أن كل المؤشرات حتى الآن في صالح مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.

وهناك عامل آخر ستكون روسيا مضطرة لإعطائه ما يستحق من أهمية في حساباتها، حيث لم تفلح محاولات موسكو إيجاد تمايز كبير بين المواقف الأوروبية والأميركية حيال الملفين السوري والأوكراني، ولم تستطع أن تضع المواجهة في قالب مواجهة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وروسيا والصين وحلفائهما في الجهة الأخرى.

مما لا شك فيه أن روسيا استطاعت أن تستغل جيدا حالة الضعف والارتباك التي تخبطت فيهما إدارة أوباما، وأقدمت موسكو على التدخل العسكري في سوريا لتحسين موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بخصوص الأزمة الأوكرانية وضم روسيا لشبه جزيرة القرم، غير أنها لم تستطع حتى الآن أن تضمن استدراج واشنطن وحلفائها إلى مقايضة مكاسب في الملف الأوكراني مقابل تنازلات في الملف السوري.

ومع نهاية لعبة شراء الوقت من المؤكد -عاجلا أم آجلا- أن التسخين الإعلامي والسياسي الروسي سيتراجع، فالحديث عن حرب عالمية ثالثة ليس نزهة، ولعل ما قد يثير قلق روسيا جديا إدراكها ومعرفتها أن الناتو لن يخوض مواجهة عسكرية مباشرة معها، لا تقليدية ولا نووية، بل سيلجأ في حال اتخاذه خيار المواجهة إلى حروب بالوكالة من شأنها أن تنهك الجيش الروسي، فضلا عن إنهاك الاقتصاد الروسي بالعقوبات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك