مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


لا ثوابت أو مقدسات في السياسة، فما تتبناه دهرا قد تعيد النظر فيه بين عشية وضحاها، لأن السياسة لا تعرف إلا لغة المصالح، والمصالح لا تعرف القدسية والثبات.

من هنا يمكن فهم الاتجاه الراهن الذي يستحثه الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) للتموضع المصلحي ضمن المحور التركي القطري الذي تصطفّ في أفيائه حركة حماس التي تشكل أكبر خصومه السياسيين على الساحة الفلسطينية، دون أن يعني ذلك خروجه من محور الاعتدال العربي الذي تشكل الرباعية العربية مظهره الأساس وقوته الضاربة.

هي معادلة معقدة إذن، لأن "أبو مازن" يصوغ اليوم معادلته بين الأضداد، ويحاول الجمع بين المتناقضات، فهو يلقي بثقل معلوم في حِجْر تركيا وقطر في إطار تحالف مصلحي محدد في ذات الوقت الذي تقف فيه موانع مختلفة أمام ارتداده عن حلفه التقليدي الذي يتنفس من هواء سياساته، ويعيش وفق مواقفه ومبادئه وإستراتيجياته، ولا يملك الانقلاب عليه بأي حال من الأحوال.

وتتجسد حساسية الأمر في كونه مبنيا على أساس شخصي مصلحي من الناحية الباطنية، إلا أنه في ظاهره لا يملك إلا أن يتدثر بلبوس سياسي، إذ أن أزمة علاقة "أبو مازن" مع محمد دحلان القيادي المفصول من حركة فتح، والتدخلات العميقة والضغوط الحادة التي مارستها الرباعية العربية عليه للقبول بالمصالحة مع دحلان وترتيب مشهد خلافته في رئاسة السلطة الفلسطينية، تشكل كلمة السر في ما يصدر عنه من أفعال وتوجهات وممارسات.

لا افتراقات أو اختلافات سياسية إذن بين "أبو مازن" ومحور الاعتدال العربي، فالمواقف هي ذات المواقف، والسياسات عين السياسات، وإن تباينت النظرة والمعالجة السياسية في أحيان ما في إطار البعد السياسي التكتيكي ليس أكثر.

الأمر ليس سهلا كما يعتقد البعض، لأن الرباعية العربية التي يحاول "أبو مازن" الفكاك من أسر ضغوطها والتملص من إملاءاتها ترى في اللجوء إلى قطر وتركيا تنكرا ومعاقبة لها، وربما ترى في ذلك جريمة تستوجب العقاب.

لكن "أبو مازن" الذي حسم أمره بقطع دابر أي محاولة لإعادة دحلان إلى المشهد السياسي الفلسطيني وإدماجه ضمن المؤسسة الفلسطينية الرسمية، يبدو في غاية الاضطرار ولا تتوفر أية مؤشرات على إمكانية تراجعه عن هذا الموقف، ما يعني أن أمر علاقته الجديدة بتركيا وقطر سوف تشق طريقها نحو التبلور والتأصيل بشكل أو بآخر خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

ولعل تتبع تفاصيل وتضاريس المشهد الفلسطيني الداخلي تكشف عن الموضع الحرج الذي أصاب "أبو مازن"، فقد تكاثرت عليه الضربات وبات ظهره إلى الحائط، ولا تبدو أمامه فسحة من الخيارات في ظل إسقاطه كشريك سياسي واعتباره رئيسا غير مرغوب به لدى دوائر صنع القرار داخل إسرائيل، بموازاة التعامل معه بروحية النفور والاستبدال من لدن الرباعية العربية المؤثرة في صلب القرار السياسي والمالي للسلطة الفلسطينية.

على مدى المرحلة الماضية ارتبط "أبو مازن" بعلاقات طيبة مع قطر وتركيا، لكنه اليوم يبحث عما هو أكبر وأوسع من ذلك، ويتحرى توثيق وترسيخ علاقة جديدة تستطيع إنقاذه من حبل المشنقة التي نصبتها له الرباعية العربية.

لذا، تبدو بوصلة "أبو مازن" تجاه المحور التركي القطري جدية، إذ لا يتعلق الأمر بموقف عابر وسلوك لحظي قاصر على سياق زمني ضيق بقدر ما يتعلق اليوم بموقف مصلحي عميق بما ينبني عليه من كلفة وأثمان وتداعيات.

في تفاصيل اللجوء الاضطراري إلى المحور التركي القطري لا يبحث "أبو مازن" عن تحالف عميق وجذري يستدرّ احتضانا إستراتيجيا يضعه في موقع العداء مع الرباعية العربية ومحور الاعتدال العربي، إذ أن "أبو مازن" يشترك مع الرباعية العربية في ذات الأفكار والسياسات والمواقف إزاء القضية الفلسطينية وقضايا الإقليم، لكنه يتحسس ملجأ آمنا ينتشله من وهدة الضغوط المرعبة، ويقيه سطوة المخططات التي تضعه في دائرة الإقصاء والاستهداف المباشر.

فللمرة الأولى ضمن ولايته الرئاسية يتعرض "أبو مازن" لرفع غطاء الدعم المالي، ويتم التعامل معه كأداة ضمن الجهود التي تبذلها الرباعية العربية لترتيب مسألة خلافته في رئاسة السلطة، بحيث بدا أشبه ما يكون بحجر على رقعة الشطرنج، وهو ما استدعى غضبه الشديد الذي أملى عليه، تاليا، الانعطافة الحادة تجاه الأتراك والقطريين.

فهل تنقذ قطر وتركيا "أبو مازن"، وتقدمان له طوق النجاة في ظل الأزمات الداخلية والإقليمية التي يواجهها؟

هذا السؤال يشكل سؤال المرحلة بامتياز، ولا يمكن الإجابة عليه إلا بتشخيص المطالب والأهداف التي ينتظر "أبو مازن" تحقيقها من قطر وتركيا، والتي توفر له الحد الأدنى من الأمان، سياسيا وماليا، في ظل التحديات العاصفة التي تتربص به.

الهدف الأبرز الذي يسعى إليه "أبو مازن" يكمن في استثمار علاقته الجديدة بتركيا وقطر للضغط على حركة حماس للقبول بإنجاز اتفاق المصالحة الداخلية، والعمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية تفضي إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تتولى نتائجها رسم خارطة جديدة للواقع السياسي الفلسطيني.

لا مفر أمام "أبو مازن" اليوم من إبداء مرونة معقولة للتلاقي مع حماس، والتوافق معها على اتفاق ينهي الانقسام السياسي والجغرافي بين شقي الوطن الفلسطيني، ويعبد الطريق أمام إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، ودون ذلك فإن قدرته على الالتفاف على الضغوط العربية ومواجهة مخاطر تصعيد دحلان إلى واجهة النظام السياسي الفلسطيني، تبدو بالغة الضعف والمحدودية.

في عُرف "أبو مازن" فإن إعادة بسط العلاقة مع حماس، ونسج خيوط التصالح معها، يبدو أهون بكثير من الاستسلام لخصمه اللدود محمد دحلان، ففي كل الأحوال لا تحوي جعبة حماس مخططات لاستبداله أو إقصائه عن سدة الحكم والسلطة، في الوقت الذي تعني فيه المصالحة مع دحلان شهادة نعيه شخصيا وسياسيا.

وعلى صعيد مواز، يأمل "أبو مازن" أن تدفع العلاقة الحميمية الجديدة مع قطر وتركيا في إسناده سياسيا في مواجهة الصلف المصري، الذي بدت تدخلاته في الشأن الداخلي للسلطة الفلسطينية وحركة فتح أوضح وأعمق من أي وقت مضى.

فوق ذلك، يأمل "أبو مازن" أن تشكل قطر شبكة أمان مالية لتعويض السلطة عن قطع الدعم السعودي والإماراتي، أو تغذية خزينة السلطة برواتب موظفي حماس عقب إنجاز اتفاق المصالحة على أقل تقدير.
وفي المحصلة، فإن أرجح التوقعات تشير إلى أن "أبو مازن" لن يعود من رحلته إلى قطر وتركيا خالي الوفاض، وأن جهوده قد تثمر خلال الأيام أو الأسابيع القادمة، وقد نشهد واقعا سياسيا جديدا يتجسد في شقي الوطن الفلسطيني مع نهاية العام الجاري.

وما لا شك فيه أن قطر وتركيا ومعهما حماس يشعرون بقدر كبير من الارتياح لخطوات "أبو مازن" التقاربية، ولن يكونوا في وارد إحباطه أو إفشاله رغم مقاصده المصلحية البحتة، فهنا تلتقي المصالح في منتصف الطريق، وهنا يجد كل طرف مدخلا للخروج من أزماته، وتتوفر فرصة سانحة لتنسيقات سياسية تكتيكية في خضم التقلبات والاضطرابات التي تعج بها المنطقة.

في المقابل، فإن ردّ الفعل المتوقع من الرباعية العربية، وعلى رأسها مصر والإمارات، إزاء التقارب الأخير بين "أبو مازن" وبين قطر وتركيا، قد يكون قاسيا، إذ أن نظام السيسي في مصر الذي يناصب المحور التركي القطري العداء المكشوف لن يستسيغ -بحال- خروج "أبو مازن" عن بيت الطاعة العربي الذي تقوده مصر، إلى المربع الآخر المضاد، وليس مستغربا أن يبادر إلى خطوات مضادة بالتنسيق مع الرباعية العربية من أجل معاقبة "أبو مازن" ومحاصرته سياسيا وماليا، وتعزيز نفوذ دحلان في الداخل الفلسطيني.

قد يتهم البعض "أبو مازن" بأنه أقحم نفسه قسرا داخل "عش الدبابير"، وأن إدباره، وإن كان جزئيا، عن محور الاعتدال العربي الذي شكل قاعدة مشروعه السياسي طيلة المرحلة الماضية، كفيل باستجلاب المتاعب والمنغصات التي هو في غنى كامل عنها، وإدخاله في متاهات لا حصر لها بحكم مركزية الدور المصري والإماراتي عربيا على الصعيدين السياسي والمالي، وقدرة هاتين الدولتين خصيصا على الدفع باتجاه توليد خطوات ضارة بالرجل، ومحاولة خلق بيئة فلسطينية داخلية تناهض مواقفه وسياساته، وتناوئ استمراره وديمومة تقلده زمام الحكم والسلطة، وتشكك في شرعيته وأهليته لمواجهة أزمات وتحديات الواقع الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

لكن الموازنات الدقيقة التي أجراها "أبو مازن" كشفت له عن مدى دقة وخطورة المرحلة التي يعيش فصولها هذه الأيام، ولم تمنحه سوى خيارين لا ثالث لهما لتفكيك وإنهاء الأزمة، وهكذا لم يجد بدّا من التحرك سريعا لحسم خياره قبل أن يسبق السيف العذل، وتصبح قدرته على المناورة وتحدي الضغوط هشة وخارج إطار الممكن والواقع.

يدرك "أبو مازن" أن المصالحة مع حماس لن تكون نموذجية كما يريد ويشتهي، وأن غزة لن تعود إلى هيمنته وقيادته المباشرة، وأن قرارها الأمني خارج نطاقه سيطرته المباشرة، وأنه سوف يضطر إلى تقديم تنازلات كان يرفضها على صعيد حل مشكلة الموظفين وربما ملف منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أنه يدرك، في المقابل، أن صفقة المصالحة بصيغتها الراهنة تمنحه موطئ قدم في غزة على الصعيد المدني الإداري، وتضخّ الروح من جديد في البنية والهياكل التنظيمية لحركة فتح الموالية له داخل قطاع غزة، بما يؤهله لمواجهة دحلان وإشغاله في معاقل نفوذه، وصولا إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية التي يعتقد "أبو مازن" أنها ستفرز واقعا سياسيا جديدا تحظى فيه حركة فتح بحظ كبير في مواجهة حماس، ولن يكون لدحلان وأنصاره فيها أي موقع أو مكان.

باختصار، فإن "أبو مازن" يعمد اليوم إلى بلورة ترتيبات خروج آمن ومريح من الحكم والسلطة خلال المرحلة المقبلة دون أي إشكاليات أو معوقات، ويجهد، كل الجهد، في إرساء بيئة وأدوات داخلية، على صعيد حركة فتح والسلطة الفلسطينية، تسير على نهجه، أو لا تقف منه موقف التدابر والخصام عقب خروجه من السلطة على أقل تقدير.

في إطار الحسبة الإستراتيجية يبدو "أبو مازن" في لجوئه إلى المحور التركي القطري كمن يلعب على الحبال، وهي لعبة خطرة بكل المقاييس، لكن الرجل الذي عُرف بالدهاء السياسي والقدرة على المناورة والمراوغة في المواقف الصعبة، قادر على تحقيق مكاسب تكتيكية وإستراتيجية ذات نفع يعود على شخصه كما يعود على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية إذا ما استثمر علاقاته الجديدة مع قطر وتركيا، وخاض غمار المصالحة الوطنية وأزال الانقسام، وأرسى واقعا وطنيا فلسطينيا جديدا يهيئ لتوحيد الصف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ومجمل التحديات.

ومن دون شك، فإن تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، كفيل برفع أسهم "أبو مازن" على الصعيد الشعبي والفصائلي الفلسطيني، ومنحه الحصانة المطلوبة لإبطال الضغوط الخارجية، وتقوية مواقفه في مواجهة سياسات الإقصاء والاستهداف التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي والرباعية العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك